جدول المحتويات
ومنذ ذلك الوقت وجهود السلطات العمومية لا تخلو من محاولة بناء بيئة علمية يمكن أن تشكل حاضنة قوية لتعليم عالي وبحث علمي في خدمة تنمية شاملة ومستدامة للبلد.
وقد يكون وجود ثروة حيوانية ومعدنية هائلة وشواطئ بحرية غنية بالأسماك وأراضي شاسعة صالحة للزراعة من أهم العوامل التي دفعت القائمين على الشأن العام إلى إعطاء الأسبقية لمجموعة من المؤسسات البحثية المتخصصة تدعمها اليوم ثلاث جامعات ومدرسة عليا للمهندسين في مجال المعادن وعدة معاهد عليا أخرى من المفروض أن يغطي الكل الجانب النظري للنشاط البحثي وأن يكمل ما يقام به من البحث في المجالات التطبيقية.
وبعد ملاحظة تعثر هيئات البحث العلمي في لعب الدور الذي أنشئت من أجله داخل الجامعات وخارجها ومع تزايد النقد الموجه إليها وللقائمين عليها أنشأت الدولة 1999 مجلس جائزة شنقيط سعيا منها إلى تذليل بعض الصعوبات التي يعاني منها البحث العلمي و إلى تحفيز الباحثين المحليين وإشراك المغتربين منهم بغية رفع مستوى الإنتاج العلمي الوطني؛ ثم بدأنا نجد منذ ذالك الوقت مبادرات أخرى تسعى إلى تعميق البحث في الأسباب وفي طرق إيجاد الحلول الناجعة منها المنتديات العامة حول التعليم والتكوين التي نظمت قبل عامين؛ وفي هذا الإطار همت الدولة بالباحثين الموريتانيين في المهجر أكثر وهموا بها لولا أن اطلع بعض هؤلاء على حقيقة الظروف المتوفرة محليا أمثال د.البكاي ولد عبد المالك ود.أحمده ولد الغوث وغيرهما ممن استجابوا للنداء الأول حين بادر عالم الرياضيات الكبير المغفور له إن شاء الله يحي ولد حامدون بتنظيم أول مؤتمر للباحثين الموريتانيين في انواكشوط في الفترة ما بين 24 و 26 دجمبر 2002. وهذا اللقاء الذي جمع الباحثين الموريتانيين في مجال العلوم البحتة والتطبيقية حضره بالإضافة إلى كوكبة من الباحثين المقيمين في البلد ما يقارب 60 باحثا يزاولون أبحاثهم في الجامعات ومعاهد البحث العلمية الأجنبية.
وقد يقول قائل إن هذا الحدث كان مصدر إلهام لمدير الوكالة الوطنية للدراسات ومتابعة المشاريع في تنظيم "الملتقى الأول للكفاءات والخبرات الوطنية" الذي جمع يومي 29 و30 ديسمبر 2013 الماضي وبإشراف سام من فخامة رئيس الجمهورية السيد محمد ولد عبد العزيز العديد من الباحثين والخبراء الموريتانيين أحضروا من الخارج والداخل ليسمعوا مباشرة من فخامته "إن الجو في موريتانيا اليوم ملائم للابتكار والمبادرة الحر ودعوته إلى ضرورة تضافر جميع الجهود الخيرة وتكاملها للدفع قدما بعملية البناء والإنماء". ولا غرابة في ذلك فالسيد المدير كان شاهدا على ولادة فكرة تنظيم اللقاء لدى صاحبها ومتابعا لبلورتها ومن بين المشرفين على تنفيذها بحكم وظيفته آنذاك في مجلس جائزة شنقيط الذي كانت قد أسندت إليه مهمة التنظيم.
وتشابه مبررات ومسوغات الحدثين جعل الكثيرين يتساءلون هل مبادرة الوكالة الوطنية للدراسات ومتابعة المشاريع التي حضرها العديد من الكفاءات والخبرات الوطنية المغتربة محاولة أخرى لاستقطاب الباحثين الموريتانيين في المهجرَ أو مجرد فرصة للانتفاع من تجربتهم في موضوع معين وفي ظرف معين؟ فمن أدخل المبادرة الجديدة في سياق المبادرة الأولى لعالمنا للرياضيات المذكور تمنى لو تناول اللقاء استناد إلى دليل أو أطلس الباحثين كم من الباحثين عادوا من الخارج وكم منهم هجروا مؤسساتنا البحثية في الفترة ما بين 2013ـ2002؛ أما من اعتبرها محاولة أخرى لجر الباحثين الموريتانيين في الخارج إلى العودة فيقول أيضا أن طالما بقيت ظروف البحث العلمي عندنا على حالها فلا أحد سيقبل بترك المهجر على علاته ليجد نفسه في " المحصر" أو ما يشبه "الحشر الأول" ؛ وهناك رأي آخر تمنى أصحابه لو تم استدعاء هذا الكم الهائل من الكفاءات والخبرات قبل هذا لتدارس خطة العمل الثالثة للإطار الاستراتيجي لمكافحة الفقر 2011ـ2015 بوصفه وثيقة مرجعية لعمل الدولة طيلة الفترة الزمنية المذكورة.
وعلى كل حال فبهذه الخطوة تكون الوكالة قد سلطت عليها بهذه المناسبة أنظار الموريتانيين في الخارج والداخل لا سيما وأنها تتولى تنفيذ ومتابعة مشاريع تترجم أهم تعهدات رئيس الجمهورية في برنامجه الانتخابي 2009 وأن عليها أيضا تصور المشاريع التي يجب أن يتضمنها برنامج فخامته لاستحقاقات 2014 المقبلة مما يفرض عليها الاستفادة القصوى من التشخيص الذي قام به المشاركون للملفات (المشاريع؟) التي تم عرضها للتدارس ولمشاكل ومعوقات البحث العلمي في بلدنا وكذا استغلال رزمة التوصيات التي ربما انبثق عنها اللقاء، كما عليها وعلى الجميع العمل دائما من أجل الحفاظ على هذا التقليد وتوسيع دائرة مجالاته وتقليل الفترة الزمنية الفاصلة بين فترات تنظيمه.
ولأهمية موضوع تطوير البحث العلمي في بلدنا وضرورة مؤازرتنا جميعا للجهات المكلفة بالأمر رأينا من المستحب إطلاع الرأي العام على ما يشكو منه البحث العلمي التطبيقي والنظري عندنا وهو ما يمكن تلخيصه في نقص الوعي بأهميته لدى أصحاب القرار وهيئات التمويل في القطاعين العام والخاص مما نتج عنه غياب رؤية واضحة مترجمة في سياسات وطنية تتمحور حول خيارات استراتيجية تبرز الأولويات على المستوى القصير والمتوسط والبعيد وفي هيئات تقوم بتقويم ومتابعة الباحثين وأداء المؤسسات ومسيريها؛ ويرجع الكثيرون ذلك أساسا إلى طبيعة الجماعة التي تأسس على يدها قطاعا التعليم العالي والبحث العلمي في الماضي أو التي أسندت إليها مهمة تطويرهما حتى الآن. ففي الجامعات استغلت حساسية القطاع في المطالبة المستمرة في الحصول على مزايا مادية بدل ربط المكافأة بالإنتاج العلمي وبدل التركيز على القضايا التي تخدم ترقية البحث العلمي وجعله يخدم بناء البلد ورفاهية أهله. فما هشاشة البنية التحتية الموجودة وضعف الميزانيات المخصصة ونقص الكوادر المؤهلة وعدم وجود الرجل المناسب في المكان المناسب في أغلب الحالات إلا بعض تجليات السياسات التي يتمنى الجميع مراجعتها دون تأخير؛ ومنها أيضا عدم ملاءمة الإطار المؤسساتي والقانوني بحيث يضمن الاستقلالية الأكاديمية ويراعي خصوصيات كل من التعليم العالي والبحث العلمي الجامعي من جهة والبحث العلمي التطبيقي الذي تقوم به مؤسسات تابعة لوصاية قطاعات تنموية أخرى مثل الصيد البحري والزراعة والبيطرة والمعادن ..إلخ.
ولا أحد يمكنه أن ينكر ضعف وعي القطاع الخاص بدور البحث العلمي في زيادة الإنتاج والرفع من جودة المنتج وتضاعف فرص الولوج إلى أسواق عالمية محل منافسة شديدة وكذلك المستوى المتدني للمجتمع المدني والذي يمنعه من القيام بدوره في الاطلاع على نواقص الأداء والتجاوزات لكل من الدولة ومعارضيها وفي المطالبة بتصحيح كل الانحرافات وكذلك الإسهام في تحديد التوجهات والسياسات الصحيحة والمناسبة للارتقاء بمستوى الأداء العمومي على مختلف الأصعدة.
وأما التوصيات التي ربما صدرت في مجال البحث العلمي عقب اللقاء الذي نظمته مؤخرا الوكالة الوطنية للدراسات ومتابعة المشاريع فقد لا تختلف كثيرا عما تم التعبير عنه بمناسبات ماضية كثيرة وبما سبق وأن ضمناه في مقال نشر في جريدة الشعب تحت عنوان "وضعية البحث العلمي في موريتانيا وآفاق تطويره"؛ ومن أبرز ما جاء في ذلك المقال ضرورة مراجعة الجوانب القانونية والتنظيمية للمؤسسات الأكاديمية والبحثية بغية تحديد مهام كل منهما ودور أجهزته التربوية والبحثية وطبيعة العلاقة التي يجب أن تربط بين هيئات البحث العلمي الجامعي وتلك التي تتبع لوصاية قطاعات وزارية غير التعليم العالي والبحث العلمي والتكنولوجي إذ هناك حاجة ماسة لمراجعة النصوص المعدلة للأمر القانوني 007ـ2006 المنطم للتعليم العالي واستحداث قانون توجيهي يكون أساسا لما يجب العمل به في مجال البحث العلمي عموما ويكون مصدر إيحاء على وجه التحديد للنظم الخاصة للمؤسسات العمومية البحثية ذات الطابع الإداري طبقا للمادة 31 من القانون 93/09 بتاريخ 18 يناير 1993 المتضمن نظام الموظفين والوكلاء العقدويين للدولة.
وانطلاقا من هذه الرؤية المبنية على سد الثغرات المذكورة أعلاه سيتم الفصل بين الهيئة المكلفة بالمصادقة على البرامج التربوية لمختلف المؤسسات المكلفة بالتعليم العالي والتكوين وتلك المعنية بالمصادقة على البرامج الخاصة بالبحث العلمي ومشاريعه وبتحديد الميزانية بغض النظر عن جهة التنفيذ وطبيعة المستفيد من النتائج (قطاع عمومي أو خاص متعاقد). وفيما يخص برامج البحث العلمي الذي هو موضوعنا فيجب أن تركز على الجانب التطبيقي للبحث العلمي والتكنولوجي وعلى الابتكار نظرا لأثر وانعكاسات أنشطتها على التنمية الاقتصادية للبلد؛ أما الميزانية فيجب أن تمكن من تطوير المختبرات واقتناء تجهيزاتها ومن بناء محطات تجريبية تنتقل من خلالها مخرجات البحوث إلى منتج يفيد الصناعة وغيرها كما عليها (الميزانية) أن تمكن من تكوين وتدريب وتأهيل أطر وطنية قادرة على مسايرة التطورات في مجال البحث العلمي وعلى توطين مستلزمات البحث بما في ذلك المقاربات العلمية والتقنيات الجديدة؛ ومن البدهي ضرورة تنويع مصادر التمويل لتشمل إلى جانب الدولة صندوق لدعم البحث العلمي يشارك في تمويله كل من القطاع الخاص الوطني والدول والهيئات العربية والأجنبية المانحة (ربما توسيع صلاحيات مجلس جائزة شنقيط لتشمل مهمة تمويل البحث العلمي). وبما أن البحث العلمي يعني البرمجة والأمد الطويل بالنسبة للحصول على النتائج فهو يحتاج إلى ضريبة تفرض على الشركات الكبرى (نسبة مئوية من الربح) وإلى أن تخصص له الدولة نسبة معينة من ناتجها الداخلي الخام حتى ترتفع مشاركتها باضطراد مع تطور ميزانيتها العامة ويساعد الجميع في مسايرة التمويل حجم تكاليف خطط العمل وفي احترام الآجال المحددة سلفا لتنفيذ الأنشطة.
وفي المقابل يجب فرض نتائج ملموسة من الباحثين وإخضاع التمويل والترقية لتوفرها وذلك ضمن صيغة (تعاقدية) واضحة كما يجب العمل على زيادة اعتماد نتائج البحث العلمي في صياغة سياسات واستراتيجيات الدولة وعلى توفير تلك النتائج بلغة تسهل استيعاب تلك النتائج من طرف المستهدفين من المستثمرين وأصحاب الصناعات وهيئات المجتمع المدني.
وتطوير الحكامة وتعزيزها (الحكم الرشيد) في بلدنا يعتبر أفضل وسيلة وأقصر طريق لترقية المهنية لدى القائمين على أنشطة التعليم العالي والبحث العلمي ومسيري المؤسسات المعنية ومن التغلب أيضا على الكثير من المشاكل والعراقيل التي أدت حتى الآن إلى تسلل القدرات الوطنية نحو الوظائف الإدارية والسياسية أو الابتعاد ـ مؤقتا أو نهائيا ـ عن الوظيفة العمومية باللجوء إلى مكاتب الخبرة والاستشارة أو إلى الهيئات الأجنبية المحلية أو إلى الهجرة إلى الخارج.
وعلى من يسعى إلى عودة الخبراء والباحثين الموريتانيين من المهجر أن يعلم أن حفظ الموجود أو لى من طلب المفقود وأن تحقيق ذلك الأمر مرهون بالنسبة لطائفتي الداخل والخارج من الكفاءات بتوفير البيئة الملائمة فيما يتعلق بالبنية التحتية للبحث العلمي والظروف المطلوبة للعمل في حقله؛ وعلى رأس تلك الظروف الإحساس بجو تقدر فيه الكفاءة الفنية والنزاهة العلمية وحسن تسيير المال العام واحترامه، جو يمكن اختزاله في شعار "لكل حسب كفاءته ومردودية عمله على تطور البلد وسعادة شعبه ثم وفي ذلك فليتنافس المتنافسون".
وإلى مبادرة أخرى نرجوها مناسبة لتقويم مدى تنفيذ توصيات هذا اللقاء ومدي تجاوب المجموعات المستهدفة مع النداء الذي وجهه بهذه المناسبة رئيس الجمهورية وذلك قبل الخوض في توصيات أخرى قد لا تبتعد في الشكل والمضمون عما سبق اللهم إذا تغيرت المعادلة في الفترة الرئاسية القادمة ـ وبإمكانها فعلا أن تتغير ـ إذا ما رفع عبد الله محمد ولد عبد العزيز في برنامجه الانتخابي المقبل شعار "الأولوية للكفاءات الفنية" واعتمد على من يزكى الشعب تجربتهم في تسيير المال العام ويرضى عن خلقهم في التعامل الإداري.
د.سيدي المختار أحمد طالب