تخطى الى المحتوى

جدول المحتويات

 

تشق هتافاتهما سكون الشارع قبيل الغروب، والجالسون على المقاهي يحجبون بدخان سجائرهم المشهد الصاخب.

 

تقدم إلى طاولتي ذلك الفتى الذي ودع قبل أشهر آخر سنوات المراهقة، بدا مأدبا جدا، وضع على طاولتي هذه الورقة التي تبدو في الصورة، وتجاوزني إلى الطاولة الأخرى، لم ينبس ببنت شفة، التقطت الورقة المطبوعة بعناية، والمترجمة بلغة أنيقة إلى اللغة الفرنسية.

 

سرحت وأنا أتابع سطورها، واستغرقت ما تبقى من نهاري، وأنا أقرأها، لم تكن تأخذ من الوقت أكثر من عشر ثوان، ولكن مضمونها كان رواية شديدة الحبكة، مشوقة، ودراماتيكية، تختصر سنوات من حياة شاب يضع قدميه على عتبة العشرين، ويحلم بيوم لا يكون فيه مضطرا للتجول بين مقاهي العاصمة الصاخبة.

 

أكمل الفتى الحالم جولته بين الطاولات، وعاد إلى طاولتي لم يزد أن وضع يده على القطع المعدنية، وشع وجهه بابتسامة، تلك الإبتسامة التي تختصر هي الأخرى روح الأمل.

 

فاوضته على الورقة عارضة عليه عشر دنانير ليبعها، لكنه رفض، قد تكون تلك الدنانير العشرة التي عرضت عليه، هي كل ما سيحصل عليه في ختام يومه، ولكن تمسكه بها، أرسل إلي رسالة أخرى عجز صوته المكتوم عن إيصالها.. فتلك الورقة هي الشهادة التي يعمل بها في هذا الشارع.. عرضت الأمر على نفسي.. هل كنت سأقبل لو عرضت علي شركة أن تشتري شهادتي الجامعية؟!

 

ودعني مبتسما..

 

وقبل المغادرة كان طفل في ربيعه الثامن يهدي إلى وردة حمراء.. وكأنه يعرف نقطة ضعف المرأة العربية التي نشأت في صحراء لا تنبت وردا.. ومثل سابقه لم يزد على وضع ورقة شبيهة.

 

تذكرت مشاهد المتسولين في بلدان عربية أخرى، وهو يتزاحمون على إشارات المرور، بل يقتحمون خلوات البيوت من دون استئذان، وتتخم بهم الأرصفة الضيقة، وممرات الأسواق، وأبواب المساجد.

 

وتذكرت أغنياء العرب، وحكام العرب الذين ينفقون في ليلة واحدة ما يكفي لكفالة عشر عائلات سنة كاملة.

 

تذكرت الأطفال السوريين الذين يموتون جوعا في غوطة دمشق، والذين يوقدون ملابسهم للتدفئة في أزقة المخيمات..

 

تذكرت إباء وشهامة عشرات الفقراء الذين يحبسهم الجاهل أغنياء من التعفف.

 

وأكبرت في ذينك الفتيين التونسين عزة نفسيهما، إنهما لا يتسولان، بل يكدحان في هذه الحياة لكفالة أسر منعتهم عزة أنفسهم من مد اليد.

 

إنهما يتظاهران ولكن من دون هتاف، تجولهما بين طاولات المقاهي، مظاهرات صامتة احتجاجا على البطالة، وعلى الفقر وعلى الإهمال، وعلى كل ظلم وقع في ذلك المجتمع، إنه أقوى من حرق البوعزيزي لنفسه، وأشد وقعا من نقاشات السياسيين تحت قبة البرلمان، وأدعى للتعاطف من هتافات "نموت .. نموت.. ويحيى الوطن"

 

ولن يعدم المتجول في الدول العربية مثلهما، فكدح الفقراء في ليال الشتاء الصاقعة، وأيام الصيف اللاهبة، رسالة إلى المتكئين على أرائكهم، المدخرين ملايين الدولارات في حسابات البنوك الأجنية، الساهرين في الملاهي الحمراء.. مفادها " إننا قادرون على العمل لو أتيحت لنا الفرصة.. بل قادرون على أن نكون أغنى منكم.. ونحن أغنى منكم فعلا.. فحين نؤوب مساء إلى غرفة واحدة نزدحم فيها مع جميع أفراد أسرتنا ننام قريري الأعين .. فليس لأحد علينا حق"

 

فهل يدرك أولئك مضمون هذه الرسالة؟!.. أتمنى ذلك.

 


 

الأحدث