تخطى الى المحتوى

جدول المحتويات

 

وكم من صحافتنا وأساتذتنا يمكنه أن يدعي هذا ، وفيهم من إذا رأى مجلدات القرطبي مرصوفة في المكتبة تصدف نفسه ، والقرطبي من سلاسة عبارته ينبغي أن يكون في متناول تلامذته ، والطريف أن حجمه أصغر من كثير من دواوين الأدب العالمي التي يقرأها مثقفو العالم. 
 

قصارى ما عند مثقفينا، قبل أن يستوعبوا علوم الدين أو المعروف منها، أنهم واثقون ثقة زائدة من معرفتهم بالمجتمع والعادي فيه كسلك من الطرب والدخان ومجلس من أدب ، ثقة لم يأسسس لها تأسيسا شرعيا في أحيان كثيرة فيصبح المثقف فيها مجرد مقلد للشارع بدل أن يكون حاكمه المصلح. 
 

والطريف أن الدين لغة : هو الملتزم العادي ، وإنما دين الشخص عادته لا غير . ولم يخرج هذا المثقف "العادي"ليشرف على تلك العادة فيرى خروجها عن السنة المسجلة باسم الدين الاصطلاحي ـ الإسلام هناـ 
 

والعلمي أن من لا يعرف الإسلام لا يعرف المجتمع المسلم والعادي فيه. 

موجبه أني رأيت منبرا للحديث عن المجتمع غرق أصحابه في لجة التقليد تلك(تقليد الشارع ) وأردت أن ألفت الانتباه إلى خطورة نقص الشرعية الدينية في تلك الأحاديث الاجتماعية، فإذا أنا بمنتديات ثقافية أرفع تغيب فيها الشرعية بشكل أفظع تعرف لجة أخرى للتقليد (تقليد الغالب) وهي لجة تثار فيها دعوات (معاصرة ) حول تجديد الخطاب الديني. ولعل هنا حيزا يسمح بعرض دعوى في التأريخ لها وأمثلة وبيانات اعتراض مقتضبة.
 

ــ أولا في التاريخ : تاريخ معرفتنا بهذه اللجة يعود إلى أول وعينا بأننا سرنا على خطى رواد النهضة العربية غير المسلمين وضعيفي الإسلام ، فكنا نحن المتمدرسين في النظام الحديث نحتاج إلى البناء في التاريخ والعلوم الإنسانية على ما بنوا من تاريخ ( معاصر) في لغته ومنهجه للإسلام والمجتمع الإسلامي والدولة الإسلامية ، وما بنوه في تاريخات العلوم الإنسانية ومداخلها. واتصل أساتذتنا منهم بسند عن ضرورة . ولم يكن بالمقدور الوقوف عند كل جزئية بله مناقشة البناء الكلي الذي يدعى فيه الاستقراء ، وهيهات الفلسفة التي هي محل تسليم لا شعوري ، ومحل شك وتوجس في نفس الوقت . الواقع أننا كنا ( ونحن مسلون ) أسارى التقليد الفكري للأجانب ولم نكن على خطى إخوة. 
 

وفي الوقت الذي انتظر فيه أن يشب أساتذة منا عن طوق التقليد ينبغ جيل جديد من أساتذة أساتذتنا يقولون لنا إننا لا نعرف الصراط المستقيم ولا آياته ويقولون لنا إن الآثار والظواهر التي كان المؤرخون ينقلونها لتقييد الإطلاقات أو للأغراب ، وكان أهل السنة والمعروف يؤولونها ويرونها أحيانا بعيدة ولا يهتمون بها ، هي التي تعرف الإسلام الصحيح الحضاري في القرن الواحد والعشرين . كأن التخلف يريد أن يلد تخلفا ولكن يأبى الله أن يظهر الباطل علينا وإلا أن يتم نوره.
 

ثانيا ـ لنضرب الآن لذلك بالأمثلة: فأحاديث العبادات والمعاملات الصحيحة الصريحة والأخرى الظنية الشهيرة التي أجمع الأئمة عبر العصور على قبولها للاحتجاج والعمل، كل ذلك ليس مفهوما اليوم . لكن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : أنتم أعلم بأمور دنياكم ، وكونه ذهب في صغره إلى حفل زفاف فيه معازف ، وكون عمر رضي الله عنه أوقف حد السرقة عام الرمادة ، وكون ابن عباس استنشد ابن أبي ربيعة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم مجونه ولم ينكسر إلا دين ابن الأزرق ، هذه هي أصول الدين التي يجب أن يبنى عليها في القرن الواحد والعشرين .ولا يسعني هنا إلا أن أنشد:
 

حماة الدين إن الدين صارا       أسيرا للصوص وللنصارى 
فإن بادرتمــوه تـداركــوه          وإلا يسبق السيف البــدارا 
 

واللصوص هنا لصوص الملكية الفكرية ـ إن صح التعبير ـ ، من أعطى الحق لهؤلاء حتى يتكلموا باسم الأنظمة المعرفية الدينية فينطقوها أو ينعتوا أهلها (ابن حجر ـ النووي ـ القرطبي ـ ابن كثير )باحتكار تفسير النصوص الدينية كما كانت تفعل الكنيسة عهد كاليليو، ما يكون ذلك إلا كما تقول إسرائيل إن الفلسطينيين إقصائيون ويستهدفون رميها في البحر ، (وهي تقصيهم).
 

تلك الأحاديث ( الأصول )وردت على مسامعي من قناتي إذاعة موريتانيتين ، مع كل ذلك البتر وخيانة التحقيق أو العجز عنه ، وأنا أعرف عجول العلمانية تمضغها في العقد الماضي خارج موريتانيا ، و أعرف أنها لم تجتر هنا بعد، حتى إن إحدى المستمعات اتصلت ـ وقد انطبع في ذهنها أن المتكلم في الدين لا بد أن يكون فقيها ، وقالت راكنة : أنا لم أعرف بعد هل الشيخ يحلل الموسيقى ! لا تعلم المسكينة أن هؤلاء لا يحرمون شيئا وليسوا أهلا لأخذ الدين عنهم ولا أعتقد أنهم يزعمون ذلك.


ثالثا بيانات الاعتراض:
 

أــ هناك زندقة : أنا أقصد أن من يمتنع من طاعة ربه حتى يصرح له ربه تصريحا يعده هو تصريحا ولا يبالي بأن يفهم الأمر من خوطب به وجميع الفاهمين ، هذا عبد كاد لا يسلم (لإسلام لغة التسليم والانقياد، والإصطلاح تخصيص) فهو يتدخل لربه في طريقة خطابه أو هو مكابر لا يخشى على نفسه الهلاك. 
 

وهو كعبد يقول في كامل وعيه الثقافي : إن القرآن لم يأمر المرأة بأن تستر شعرها إنما قال "وليضربن بخمرهن على جيوبهن " فالخمار الذي تعرفه العرب بأنه ما تضعه المرأة على رأسها للتخمر (وهو تغطية الوجه كما قال ابن حجر في كتاب الأشربة ، فأصحاب الشهرة الفقهية منازعون في الاستعمال اللغوي ) أمر القرآن عنده أن تغطي به الصدور( التي تبدو من الجيوب ) فقط . وفهم الفهامة أن ذلك يعني أن يكشف الرأس . لم نعتذر عنه ؟ فلنقل إنه لم يفهم شيئا، كمن يأتمر في إحكام إغلاق فمه وأضراسه بائنة ، في المثل.


وهذا العبد يمكن أن يقول :إن فرعون عزيز كريم بنص القرآن وبواقع الدولة الفرعونية القديمة كما كشفته البحوث الانتربولوجية والحفريات في منطقة الأهرام ، ما الفرق بين هذا والزندقة القديمة عند أهل الأدب حينما يقول متلاعبهم في آية تحريم الخمر ـ وهي إجماعا آية تحريم الخمر ـ إن الله تعالى قال في آخرها " فهل أنتم منتهون " فقلنا لا فسكت وسكتنا) كأنه يسجل لله تعالى اعتراضه على الحكم ، أو أنه حتى الآن لم يتفق عليه بين الطرفين (الآمر والمأمور ) أو كأن قد فتح له باب الاعتراض الشكلي على المادة القانونية ، تعالى الله عما يقول الظالمون. في حين عليه أن يبحث إن كان باحثا في وجه دلالة القرآن على معانيه عند أهلها حتى يظهر له.
 

ب ـــ هناك شبهة : ألا تقولون للآخر، فتى البيظان ، البعيد عن العلمانيين ـ والحمد لله ـ والذي لا نتهمه في سلامة قصده تجاه الإسلام ، والذي نجله عن تجشم المجاهرة بالعصيان ـ يعلم الله صدقنا في ذلك ـ ، إن ابن عباس يجب تقدير الضغوط المحيطة به في السياق الذي وقع فيه ما وقع (؟) ،قد يعلم أن المنشد أبن أمير يمثل مجتمعا ، وابن الأزرق ابن فرقة أنت تعلم خطرها في حينها والاثنين ربما ممن يهش في وجهه والقلب يلعنه . ثم أين سند هذه القصة ورواياتها . فالمجال واسع للتأويل إذا كان هناك سنة أو شرع يحمل على التأويل . ولنرجع إلى مذاهب الفقهاء ولنبحث عن شهرة حرمة المعازف عند المالكية من أين جاءت؟ وتحليلها في مجتمع البيظان المالكيين ـ إن كان ـ من أين جاء؟، ولا نعامل الفقهاء معاملة بعضنا للحكومة؛ يحمل تأويلاتها وتصرفاتها على الجهل والظلم حتى يثبت العكس، بل حتى بعد ثبوته.
 

ج ــ هنا بيان أخير : من الوارد جدا أن نحتج عليك بأن ( صحابيا ) بال في المسجد ولما انتهره الأصحاب أمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بتركه ، في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
 

وكما عليك أن ترد أدلتهم التي مثلنا بها أولا للعدل والصواب، لك أن ترد صيغة الاحتجاج هنا إلى العدل؛ فتجعل بدل كلمة (صحابيا ) كلمة (أعرابيا ) وأن ترد أمر رسول الله بالإمساك عنه إلى الحكمة في معالجة الخطأ لا إلى تصوبيه (الذي قد يتصوره الغريب من صور سماحة الإسلام )…وهذه مسالك من التأويل، لكن أنا وأنت وجماهير أهل السنة اليوم متفقون عليها فلا باس بها وإذا جاء من يشكك فيها تصبح واجبة وتصبح مسؤولية العلماء حتى يكونوا بلغوا الدين لا الألفاظ فقط.


هذه دعوة لأبناء المسلمين أصحاب المنابر أن يتعلموا الإسلام مازال الفقه متداركا ولا يكتفوا بالتصور الذي يورث من الأمهات ومن الشارع وقد يملأ نفس(مثقف) فلا يشعر بالجوع مع أنه في غايته . ولا يكلوه إلى فقهاء اعتزلوا ( الثقافة ) لا يخافون عليه وعذرهم أنهم لم يروا الخطر ، ويقولون: إنه خير في أيديهم، من يريده عليه أن يأتيهم . ولا يتركوه لأعداء خذلهم الله وحرمهم التوفيق إليه وزين لهم الشيطان سوء أعمالهم وأنظارهم فهم لا يرون الخير في سواها ولا يهدون إليه. فهل من مجيب، حتى يعود الإسلام للثقافة الحية على المنابر؟ رحم الله الشيخ محمد بن سيد يحي وأيده.

أرجو أنه قد تبين حق أنطقني ، وأن يأتي موفق يصحح ويكمل ، ويستمر الإرشاد للصراط المستقيم إلى حسن الخاتمة. 

 

الأحدث