جدول المحتويات
ومع ذلك فإننا سنعتمد على معطيات كثيرة توافرت تدعونا للتطلع لمعرفة ما قد يحدث في المستقبل وقراءة السيناريوهات الممكنة انطلاقا من نتائج الحراك السياسي والاجتماعي خلال السنوات الأخيرة. فما هي أهم المعطيات المتوافرة؟ وماذا يمكن أن نبني عليها من استنتاجات؟
أولا: المعطيات:
أجريت الانتخابات البرلمانية والبلدية في ظروف غير طبيعية ووسط مقاطعة قوى سياسية هامة وانتقادات مستمرة للجنة المشرفة ولدور أجهزة الدولة المختلفة (الحكومة ، المجلس الدستوري ، المحكمة العليا) .
أعطت الانتخابات للحزب الحاكم أغلبية مريحة تجعله قادرا لوحده على تشكيل الحكومة وتنفيذ سياساته وبرامجه والتحكم في بقية الأطراف المشاركة معه وتحديد العلاقة معها والاستفادة الكبيرة من دعمها له.
إعادة ترتيب أوراق المعادلة السياسية في البلاد بحيث تمنح النتائج مواقع متقدمة لأطراف مشاركة على حساب أخرى قاطعة (زعامة المعارضة، قيادة المجموعة الحضرية، الكتل البرلمانية).
الدفع بفاعلين سياسيين جدد وتمكينهم من الوسائل الكفيلة باعتلاء المنابر الإعلامية والسياسية من أجل التضييق على الطرف المقاطع (25حزبا ممثلا في البرلمان).
ترحيب دولي بالانتخابات الموريتانية واعتراف محتشم بنتائجها .
تراجع دور ومكانة الزعامة التاريخية لفئة اجتماعية وازنة (لحراطين) وبروز زعامة جديدة أكثر راديكالية وتشددا مسلحة بدعم دولي وحقوقي وتشتيت الأصوات المتحدثة باسم لحراطين (مسعود ، بيجل ، ولد بربص، بيرام).
إسكات الأصوات الزنجية المعارضة وسيطرة الحزب الحاكم على جميع أجنحتها عن طريق التوظيف في دوائر الدولة .
بقاء المنسقية متمسكة بأطرها وتنظيماتها وخط سيرها القديم مما أورثها وهنا وعجزا هيكليا وركودا وجمودا في أنشطتها.
التدافع القبلي والتنافس المناطقي وبروز عوامل الاستقطاب الحاد بين الفئات الاجتماعية والقبلية مما يؤجج روح الصراعات المجتمعية والنفقية .
انتشار البطالة في صفوف الشباب وموجات الفصل التعسفي للعمال وتدني الأجور وتوسع دائرة الفقر والفساد المالي .
تداعيات حادثة الرصاص "الصديق" والمواقف الغامضة لولد بوعماتو وبعض خصوم النظام السريين (داخل العائلة) وفضائح النظام واتهامات النائب الفرنسي (مامير) لرأس النظام بالاتجار في المخدرات.
ثانيا : تسلسل الأحداث:
تنصيب المجالس البلدية وخاصة المجموعة الحضرية ورئاسة المجالس النيابية (البرلمان والشيوخ).
لا أتوقع أن تنسجم الحسابات الحالية ما سيحصل في النهاية، تقول الحسابات إن المعارضة قادرة على حسم مقعد رئيس المجموعة الحضرية بفارق صوت واحد أو صوتين لكن المعارضة لن تتمكن من العمل متحدة لعوامل يصنعها النظام ومن أهمها الوضعية النفسية الصعبة للزعيم مسعود بعد تراجع حزبه في الانتخابات ونجاح النظام في تقليم أظافره وإجلاسه على مقعد قسري خلف بيجل ومن تلك الأسباب علاقة بيجل بالنظام التي يبدو أنها منسقة مسبقا..
بالنسبة لرئاسة البرلمان يبدو أن الاتفاق الذي جري في حوار النظام مع بعض المعارضة ينص على أن يكون رئيس البرلمان من فريق الأغلبية مما يعني أن مسعود أمام خيارين أحلاهما مر: فإما أن ينضم للأغلبية ليصبح رئسا للبرلمان وإما أن يجلس في المقاعد الخلفية مع صار وزوجته وبقية الركب.. ولن يجد الحزب الحاكم صعوبة في إيصال قائد أركان الدرك المتقاعد انجاك جيك لرئاسة مجلس الشيوخ.
انتخاب ثلث أعضاء مجلس الشيوخ:
قد يكون فرصة لبعض قادة أحزاب المعارضة المشاركة الذين فاتتهم فرصة دخول قبة البرلمان لولجها من بوابة مجلس الشيوخ لأن ذلك سيوفر لمحمد جميل منصور أو السالك ولد سيد محمود ظروفا ملائمة (قانونيا) لرئاسة مؤسسة المعارضة.
الحوار مع المعارضة وتهيئة الأجواء السياسية
قد لايكون هذا المطلب استحقاقا ضروريا لدى البعض خاصة بعد تصريحات بيجل بأنه لا حوار قبل الانتخابات الرئاسية (أو هو على الأقل لا يري ضرورة لذلك)، لكن الرجل يؤدي أدورا إعلامية في إطار خطة مدروسة، فلا يمكن لطرف مهما كان أن يكون ملكا أكثر من الملك نفسه. فقد أعلن الرئيس بعيد الاقتراع في الشوط الأول أن أبواب الحوار ستبقي مفتوحة، كما دعى رئيس حزب تواصل الفائز بالمركز الثاني في الانتخابات إلى حل الأزمة السياسية القائمة عبر حوار جديد ولا شك أن الزعيم مسعود لن يمانع هذه المرة في إجراء حوار معمق وجديد بل إنه قد يؤيد إلغاء النتائج وإجراء انتخابات جديدة. هناك أيضا دعم دولي وإن كان باهتا لإجراء الحوار قبل الشروع في إجراءات الانتخابات الرئاسية القادمة .
أعتقد أن ما هو متاح للنظام في إطار حوار جديد مع المعارضة أبرز بكثير مما هو في مقدور المعارضة الحصول عليه، فأقصى ما يمكن أن يتنازل عنه النظام في أي حوار قادم هو التعهد بحل البرلمان والبلديات وإجراء انتخابات جديدة بعد فوزه في الرئاسيات وهو أمر لا يعوق مسيرة النظام نحو تحقيق جميع أهدافه.. لكن معارضة ضعيفة ومشتتة لا تملك سوي قبول ذلك في أفضل حالاتها..
أما السيناريو المفزع والرهيب والممكن جدا هو توافق الأطراف المشاركة (سرا أو علنا) على الامتناع عن دخول أي حوار مع المقاطعين والتوجه مباشرة إلى انتخابات (هزلية) أخرى تشرع للنظام فترة حكم جديدة وتضمن للمشاركين امتيازات حكومية ونفعية محدودة..
أم المعارك أو الانتخابات الرئاسية:
إذا استطاع النظام أن يجتاز المراحل السابقة بوتيرة عادية وتفاهمات داخلية قوية فإن السيناريو القادم للانتخابات سيكون نسخة طبق الأصل من انتخابات 2013م وستكون النتائج (هي ، هي ) لا شيء سيتغير عن الأوضاع الحالية:
– تأزم وامتعاض ورفض وشجب واستنكار وتهويل من طرف المعارضة المقاطعة ـ وقبول واستسلام من طرف المعارضة المشاركة – وترحيب وتمجيد وافتخار من طرف أجهزة النظام وأحزابه.
أما إذا تأزمت الأوضاع خاصة بين الأطراف المشاركة (وهناك مؤشرات على ذلك) فإن عوامل وحدة صف المعارضة ستتعزز وسوف تتكون جبهة واسعة ضد النظام قد يفرض ذلك عليه تنازلات أقوى من قبيل الموافقة على خريطة طريق ( دكار2) تتضمن حزمة متكاملة من الإصلاحات الدستورية والسياسية والانتخابية وهو ما من شأنه أن يعيد البلاد إلى جادة الصواب ويمنحها انتعاشا جديدا للآمال ووتيرة نمو أسرع وتفاهمات أقوى يمكنها في المستقبل أن ترجح كفة الوعي الديمقراطي في البلاد وتخفف من قبضة الجيش على السلطة واحتكاره لممارسة جميع الصلاحيات.
أما الطريق الثالث : فهو ما لا نرجوه ولكننا لا نملك إلا أن نتوقع حدوثه في كل لحظة. فلم يسبق لانقلاب عسكري أن أعلن عن نفسه قبل حدوثه ولم يعجز انقلابي عن تقديم مبرارت لن يجد السياسيون صعوبة في فهمها من الموالين قبل المعارضين ومع ذلك فإن عوامل النجاح عادة ما تكتب للانقلاب الذي يخرج من رحم النظام نفسه وهو ما قد يحدث هذه المرة بإحدى طريقتين: ( ليس من بينهما الانقلاب العسكري المباشر).
الأولى: عندما تتكون جبهة قوية وراء مرشح للرئاسيات قادم من أعماق الشعبية التي تستند إليها الأنظمة العسكرية في شرق البلاد أو وسطها (النعمة، العيون ،كيفة) ويكون هذا المرشح قادرا بمؤهلات موضوعية على إقناع الشعب عامة ومؤسسة الجيش خاصة بالوقوف على الحياد ومنع انزلاق البلاد إلى الفوضى في حالة تعنت النظام وممارسة التزوير، هذه الحالة تواجه معوقات كثيرة منها ما هو مرتبط بالمعارضين البارزين الحريصين على ترشيح أنفسهم ومنها ما هو ناتج عن صعوبة قبول المرشح نفسه لدخول مواجهة مفتوحة مع نظام أدمنت شعبيته الإقبال عليه والتمسك بدعمه.
الثانية : وهي ما يمكن أن أستعير له اسم محاولة فاشلة سابقة وهو (اكراب 3) ويعني في تفاصيله اختيار مرشح للرئاسة من ضباط الجيش السابقين والأقوياء والذين يمكنهم تحدي النظام ونيل ثقة العسكريين واحترامهم عندما تلتف حولهم قوى مدنية كبيرة وقواعد شعبية واسعة هؤلاء المخلصون من الجيش يمكن أن يكون من بينهم (سيد محمد ولد بوبكر وأعلي ولد محمد فال وصالح ولد حننا وعبد الرحمن ولد مين، أو أي ضابط آخر ربما لا أعرفه من المتقاعدين أو الخارجين من صفوف الجيش).
هذا السيناريو سيكون شبيها للتناوب السلمي الذي حصل مرة في مالي ومرتين في السنغال: (مع فارق أن المرشح كان مدنيا) في الأولى عبد الله واد وفي الثانية الرئيس الحالي (ماكي صال) وفي كلتا الحالتين كانت البلاد تخرج من انتخابات محلية مطعون في صحة نتائجها ودون مشاركة الجميع فيها وينتهي الأمر بالرئيس إلى السقوط تحت ضغط الجماهير المستنفرة خلف مرشحها: (وهذا الاستنفار هو ما أعنيه بـ اكراب).
لن يكون ممكنا (في نظري) وفق المعطيات التي بنيت عليها هذا الاستشراف تغير هذا النظام إلا بإحدى الطرق السابقة وإن كنت أميل إلى الطريق المنبثق عن الحوار في ظل وحدة المعارضة وتنازل النظام خدمة للصالح العام.