جدول المحتويات
وما بطئَت حتى جرى بها ماء أحمر كما يجرى في الخرطوم، ثم كساها لحمٌ آل من الصفرة إلي الحمرة غُطيَّ بجلد بشري اكتمل بعثه من العدم، وهب واقفا بشرا سويا كأن لم يهرم يوما ولم يمت.. ورددت شفتاي بلا إدراك (سلام قول من رب الرحيم وامتازوا اليوم أيها المجرمون)، وأردف الذي بعث طوري (يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون).
اكتظ الصعيد بخلائق الله قاطبة، وجمع الشمس والقمر، واحمرت السماء من فوقنا حتى مارت، وتمددت فيها الحمرة قانية وازدادت توسعا بعرضها كأنها زهرة ضخمة متفتقة بميسمها وأوراقها حتى إذا ما عمَّت السماء الدنيا، انشقت عن جحيم وحقت نصفين وضمت بقوة كما يضم كتاب الوسيط الممل، ودنت شمس غير التي كانت فوق المحشورين من الناس على مد الصعيد شاخصة أبصارهم ترهقهم ذلتهم كأن رجفة أصابتهم، وما فتئت القرون تمضي والعالمين تحت وقع الحساب العسير، حتى بدأ الحشر يخف، وكان ذالك في العام تسع وتسعين ألف وواحد من حساب يوم الدين.
عزلتنا ملائكة عظيمة منذ بدء قرون الحشر الأولى واقتادتنا ناحية العرش تحت ظل من يحموم لا ظليل ولا يغني من حر الشمس ولهب جهنم، لكنه كان أخف علينا مقارنة بالآخرين، وكنا على كثيب نراقب الديان العدل يقضي بين عباده بجنهم وإنسهم ودوابهم وجمادهم، ومع محاولتي المميتة في معرفة ما يجري دون جدوى، لايفتر ذالك الجسم الطائر في التحليق فوقنا يذكرنا بتكرار (لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا)، إلا أن ذالك لم يمنع الفضول من الإلحاح والتسلل إلى عقلي لمعرفة ماهية ذالك الشيئ المرعب وهو يتراءى لنا من نهاية الأفق بمسيرة مئات السنين يرمي بحمالات صفر، ويتقدم بسرعة مفزعة ما فتئ أن ذكرني بحجم الكرة الأرضية أيام كنا نرى صورها في كتب الجغرافيا وخرافات الهوليوود في الحياة الدنيا، وانجلى الفضول عني حوله لما سمعت غيظه فتذكرت "كتاب تفسير الجلالين لجلال الدين السيوطي: يوم قرأت فيه تفسير الآية: (إذا ألقوا فيها سمعوا لها شهيقا وهي تفور)" فعرفت أنها جهنم بجلال قدرها، وعظمة خالقها..
إن المشهد مفزع وكل حركة فيه ترعب الطمأنينة، لكن ذالك الطائف الذي يحوم حولي منذ انتبهت لجهنم كان يبعث الطمأنينة في نفسي، وكل زمن أنظر إلى الأفق نحوه أجده يقترب مني أكثر من ذي قبل حتى باغتني يوما على غفلة ونزل عن يميني مبتسما ملتزما الصمت لا يزيد على تلك البسمة كلما تقدمت قرون الحشر.
لم أكن أفهم شيئا رغم الرغبة الجامحة في الفهم، وكنت مثلما البقية من المحشورين لا نملك من شيئ إلا أن نراقب الديان يحجبه النور الساطع المستحيل التديق فيه، وهو يقضي ويعدل بين عباده.. يزف للجحيم من يزف وما ظلمه شيئا، ويزحزح عنه بفضله من يفوز فوزا عظيما.. يختم على أفواه الملايين وتحدث أطرافهم حديثا مخجلا.. ويقدر الدواب إلى ترابا ومن ثم غبار ومن بعد تكن كأن لم تكن..
واختفت مع القرون زحمة المكان وصار كالسهل صافي الوجه فارغ من الناس كفراغ سهل شمامة من أشجار البرتقال، وانقشع ظل اليحموم وعرجت الشمس إلى أبعد مما كانت عليه، وخف العطش وجف العرق.. وأقبلت ملائكة نيرة تتمتم في وقت واحد تمتمة ترج المكان وتهزه وتقشعر الجلود.. وشرعت تصفنا صفا وتسبح بحمد الله تعالى تسبيحا حتى إذا ما استوينا تحلقت من فوقنا كالصقور على نبع الماء وتغنت (وإنا لنحن الصافون وإنا لنحن المسبحون)، ثم نادى منادي ملأ صدى صوته خوافر المكان:
ليتقدم "لِمْعَلمين"
كنت من تلقاء ذاتي اتقدم كأن يدا قديرة عليمة تقدمني، ولما مضى مقدار عقود من الزمان تمايز الجمع وبان أن لم يعد ببطحاء المحشر سوانا وآخرين لم اعرفهم بعد، وأثناء ذالك نطق الذي نزل عن يميني والتزم الصمت لسنين قائلا: أنا "طَيُّور" ملَك.. فحلت عقدت لساني وما استطعت أن أزيد يتعريف نفسي له على "وأنا أمعلم".
كانت الملائكة تحف تحت عرش الرحمن برجال انتابني الفضول مرة اخرى بشدة حولهم منذ بدء البعث فلاهم ممن علمت في الدنيا أن الله يظلهم بعرشه في ذالك اليوم، وكان الفضول إليهم بشدة العطش قبل عروج الشمس حتى كدت أصرخ وما أستطيع لذالك سبيلا، لاسيما بعد تقدمهم لصفوف لمعلمين، ومع إلحاح الفضول علي نحوهم ناجاني "طَيُّور" قائلا:
أولئك ايها العبد الفضولي هم لمعلمين من الأنبياء والصحابة والرسل.. ذاك صف لمعلم دوود عليه السلام وآله والأنبياء، وذاك ذي القرنين وصفه من الصالحين، وأولئك لمعلمين من الصحابة والتابعين.، فأردفت أنا لا أفهم شيئا يا "طَيُّور".
لماذا انضموا لينا؟، وقبل أن يجيبني نادى المنادي مرة أخرى:
ليتقدم الزوايا
فكانوا قد تمايزوا بعد فصل لمعلمين عنهم وصرنا فريقين متقابلين لا يفصل بيننا فصل ولا يحول بيننا حائل، كل العيون في العيون تنظر وتحدق، وأمر بالأوزار والأقوال والأفعال فخرج من العدم الخوض في الأعراض والكذب على الرسول والظلم وآلاف الأشكال التي لم أعد أذكر اسمائها وضمت لفريق الزوايا وقالت بلفظ واحد الحمد لله أن جمعنا بعدما فرقنا الموت.
كان الإختصام أمام الديان منشيا للقلوب ووَهب الحق وحرة الظلم لمعلمين ألسنة صدق بثت بها الشكوى إلى الله فكانت حججهم مبهتة للزوابا، فالمعلمين كانوا يدافعون عن عرض مرغ بوحل الظلم والإضطهاد والتكبر والإفتراء لقرون فرض الله على المسلم حفظه لأخيه المسلم، وعن حقهم الذي حرموا منه بالعيش بسلام بين أبناء الوطن الواحد وعن الجهد الحضاري الذي قدموه للوطن بكرم بالغ دون انتظار جزاء وما قوبلوا به من احتقار منقطع النظير، فعرضت الشواهد الغير قابلة للتكذيب من الكتب المشوهة لهم، وقصص الجدات للصغار ما قبل النوم، والأحاجي والأمثلة والأساطير والخرافات والأحاديث المكذوبة على رسول الله، وجاءت الملائكة بمن سنوها وحاكوها وافتروها وكتبوها، فعرضوا على الله الديان أمام النبيين والصديقين والشهداء فكان جوابهم "أن الأساطير والظلم اغترفوه في لحظة (اتشوعيرة) ذات مساء على كأس من الشاي ونقلها الناس ومالهم بذالك مسؤولية" وما يفتئ الواحد منهم يدفع بمثل هذا العذر حتى يصدح صوت من خلف الحجاب ناهرا "لقد بلغكم رسولي أن الكلمة يقولها الواحد لا يلقي لها بالا تلقي به في جهنم سبعين خريفا" ولكنكم قوم جبارين، ولما اكتملت الشواهد رج الصعيد وزلزل زلزاله وانشق، فانبجست منه متقدمة واثقة الخطى عطرة الأثر تسحر المحشورين بجمالها تجاه فريق المعلمين، الدواة يرقرق فيها المداد، والقلم المجدف، واللوح وأغلفة المصاحف وافرشة الصلاة (إلويش) وإناء الوضوء (المغرج) وسبحة الإستغفار (تسبيح سانقو) وآلاف الأشكال التي لم اعد اذكر لها إسما واصطفت ونادت بصوت مهيب تخاطب النور الذي يحجب الملك الديان مستأذنة في الحديث، ولما أذن الديان لها أثنت عليه ثناءا ما سمعت له مثيلا إلا عند العام الألف الأول من الحشر لما تقدم الرسول إلى الله طلبا للشفاعة في أمته، ومكثت تلك الأشكال في سجودها وثنائها قرابة عقد من زمان الآخرة، فأذن الله لها فشفعت في لمعلمين عن ذنوب الدنيا وما اغترفوه من خطايا، واصطف ما كتب من حروف القرآن على كل لوح نحته امعلم أو خط بقلم جدفه تشفع ليُغفر للمعلمين ما تقدم لهم في الدنيا من دنب وحق.
ولما انتهوا من شفاعتهم، ماكانت ألسنة الزوايا تنطق إلا ب "هذا ما وجدنا عليه آبائنا. ويتبعوه.. رب آتهم ضعفا من العذاب فقد أضلونا".. واعترفوا الزوايا بذنوبهم وجرمهم تجاه لمعلمين، وإن كان يوجد في تلك اللحظة ما هو أشد عليهم من وطأة الإدانة فليس إلا تنبههم أن إسائتهم "للمعلمين" وما دبروا لهم خلال قرون الدنيا كانت تمس من الأنبياء والرسل قبل لمعلمين، وأحاطت ملائكة عظيمة الخلقة مثيرة الفزع بمن أدين وعزلتهم عن قلة قليلة من الزوايا الذي كانوا يتبرؤون في الدنيا من أفعال رهطهم تجاه لمعلمين، حتى إذا أحاطت بهم نبتت من العدم مثلثات بقدر قامة كل واحد كأنما فصلت على جسده ضيقة صفراء من خالص الذهب المخلوط بالنحاس، وحشر كل زاوي مدان في واحد من الصناديق وكان الكل يصرخ مكررا (ربنا ارجعنا نعمل صالحا)، ولكن كان الأوان قد فات وكان الصوت من خلف الحجاب يردد خلفهم (كلا إنها كلمة هو قائلها)، ورمت الملائكة الصناديق في بحر يتطاير من الشرر كان هو الجحيم الذي حذرهم منه آخر النبيين وإمام المرسلين، وكانوا هم آخر من يدخله..
وبدأت الملائكة تستعد من جديد للرحيل به إلى المجهول، فحمله مليون وأربعمائة ألف ملك بسلاسل متدلية من اطرافه واختفوا في العدم ولم يعرف بعد ذالك ماذا حل بجهنم، وما أكثر الذين تهاووا في سقر في ذالك اليوم من علماء وفقهاء عرفناهم في الحياة الدنيا كان سبب دخولهم للجحيم ارتكانهم إلى الظالمين ومحابات المجتمع..
قال لمعلم داوود عليه السلام ذالك اليوم بعدما أدين الزوايا "ما أقرب الموعظة منكم أيام كنتم في الدنيا جبارين، ولكنكم نسيتم يومكم هذا"، لقد آثروا الحياة الدنيا على الآخرة وما أصعبها من قرون دنيوية عاش لمعلمين فيها من صروف العذاب النفسي ما تنوء به الروح، لكنها توشك في ذالك اليوم أن تكون كأن لم تكن.
جمع بقية الزوايا المنصفين الذين نجو وضموا إلى لمعلمين، ثم جاء الصوت الجليل من خلف النور هذه المرة مسكر للقلوب ملأنا رهبة وخشوعا ونطق <<سيروا أيها لمعلمين إلى مأمنكم واركنوا إلى السلام الأبدي الذي لايزول ولا يتغير>>.
وسرنا يتقدمنا مئات الأنبياء والصحابة لمعلمين، ميزت منهم لمعلم داوود عليه السلام ولمعلم ذي القرنين ولمعلم خباب ابن الأرت، ولما بلغنا حدود الظل الظليل، التفت خلفي لأتبين عاقبة مكان الحساب فوجدت الديان قد جعل ما جئنا منه كأن لم يكن من قبل، ورددت بصرى إلى أمامي فأذهلني النهر العظيم وشاح شرودي إلى عظمة نهر الأوزون في الحياة الدنيا، وما يبلغ له مبلغ عين الإبرة في البرميل، وماهي إلا هنيهة من دهر الآخرة مقدار الخمس سنين حتى لمحته واقفا منتصبا فارع القامة ساحر البسمة رطب الشعر كأنما خللته أنامل بماء در وصمغٍ، فأقبلت عليه أشرب من كفيه الشريفتين ومسح على رأسي فزال مع الرشفة إعياء الحشر وهم المصير وكنت آخر الشاربين، فوضع جناحه المباركة على عنقي ولا أعرف متى اكتستني واكتست ملايين لمعلمين الموريتانيين والزوايا الناجين تلك الحلل الخضراء البراقة كأوراق الزيتون المرصعة بورود باستل.. إلا أني أسيرٌ في ذالك الوقت لعطرها الفواح الذي غصت به باحة للامكان، وكنت أخشى في قرارة نفسي أن يُصر الرسول كما بلغني عنه في الحياة الدنيا من كرم أن أدخل قبله باب الجنة، فاستوقفته مكرها واستأذنته في الحديث قليلا مع "رضوان" فأذن لي وتقدم ليغيب عني بين الملائكة المتحلقة به، ولما دنوت من "رضوان" حارس الجنة سألته متى يدخل الرسول، فقال لي إنك على باب الفردوس وهو أدنى مراحل الجنان، فمحمد ستعرج به تلك الملائكة إلى أعلى مراتب الجنان منزلة وهي المقام المحمود وتلك دونها جنة النعيم ودون تلك مرتبة جنتي المأوى والخلد ثم جنة عدن والجنة التي أنت واقف عند بابها ويدخلها غالبية المؤمنون من غير الأنبياء والشهداء والمخلصون.. فقلت له لا تؤاخذني، فعندنا حرفوا الدين وأخفوا عنا حقائقه حتى أوهمونا بأن الفردوس هي أعلى الجنان.. فأردف رضوان قائلا " تبا لهم ما أوضع أمانتهم تفضل أدخل".
دخلت وابتعدت مقدار العقد من السنين فصفدت أبواب الجنان إلى أبد الآبدين، حيث لا موت أبدا ولا خروج أبدا ولا كدر ولا عنصرية ولا تمييز ولا ظلم، ولا دونية ولا افتراء، لكن اسئلة معلقة رافقتني من الدنيا إلى الممات إلى الحشر، ما تزال تمخر عقلي تمنعه السلام الأبدي وراحة البال، وتمنيت فعلا أن أسئل من لا علم له بها إلا هو، لكني خفت أن يكون في ذالك تجاسرا على ألوهيته مع أنه علام الغيوب ويعلم ما تسر النفس وما تعلن، غير أني وأنا اقطف رمانة خطر لي تخفيفه جل جلاله عن أمة محمد للصلاة من خمسين إلى خمس صلواة بمجرد أن خطر التخفيف في نفس الرسول ليلة الإسراء والمعراج، فتقدمت حتى نافورة رقراقة شيدت بلبنات من ذهب وفضة تداخلت لتصرخ بوحدانية الملك الديان وألوهيته وبديع خلقه، وجلست على حافتها تحت اشجار مدهامة نبتت أوراقها، ورقة من ذهب وورقة من فضة ناصعة البياض مركبة على أغصان من حمرة الياقوت، لو أني رأيت مثلها في الحياة الدنيا لأقسمت أن أنامل "امعلم" صاغتها في خشوع وهي تدرس صبي سورة أم الكتاب.
قضمت من الرمانة فكان "طَيُّور" بجانبي ترتسم على محياه الوسيم ابتسامة أردف بعدها (نعرف ألا عنك كركارة ابلا نهاية.. أنت ذللي ادور تعرف شنهو؟).. فبادلته الإبتسامة متسائلا:
هل.. هذه نهاية الأمر..؟، هذا الإله الجميل الرائع الذي لا يمسه لغوب ولا تأخذه سنة ولا نوم، لا بد أن يظل يعبد إلى أبد الآبدين وأبد للا شيئ وللا مكان، فهل سيخلق مخاليق أخرى في دنيا أخرى، ليعبده بعضهم ويعصه بعضهم ويكفر به بعضهم ويحتقر بعضهم بعضا؟ أم انها أيها الملَك قد قامت فعلا منذ غابر الأزمان، والكون كله بعض الأمم لكل منها قيامة ويوم آخر في صيرورة أبدية لا نهاية لها؟ وهل تلك الأكوان والأمم فيها ما يشبه أولئك الزوايا في القسوة والظلم والعنصرية وانعدام الرحمة؟.
زاد الملَك ابتسامة أخرى ورفع من مقامه ولف ذيل ردائه على جناحه قائلا:.. هذه هي قوة الإيمان والعقيد بالله الملك الديان، وكان ذالك يكفيني من الأجوبة، وعرفت أن وجوده من البدء أيام الحشر لم يكن صدفة، ومضى دون أن يزيدني على ذالك فصرخت في أثره:
أسنتقابل بعد اليوم يا "طَيُّور"؟
لا.. نحن أيضا لنا يوم تقبض فيه الروح إلى باريها، فعزرائيل ينتظرني وما خلف النافورة سيشغلك عن تذكري.
كانت الروح تميل أخيرا إلى السلام، ولم يكن السلام في غير المكان الذي نحن فيه، ولا أعلم ما حدث بعد الْتهام تلك الرمانة كاملة سوى أني لم أعد كما كنت من الضيق، فلم تعد تسعني في تلك اللحظة أرض الجنان من السرور والفرح، لكني شخصيا أعرف أن تلك الرموش والعيون التي أوجدها القدير الديان أمامي مقصور عليها طرفي لما حباها الله به مما لم تبتكر قواميس لغة الضاض في الحياة الدنيا ما يكفي لوصفه، كان كفيلا بإزالة الأحزان، وأدركت أني أمام واحدة من حوريات الجنة، فرميت قشرة الرمانة وخطوت ناحيتها ونتفت من ردائي زهرة باستل وأنشبتها فوق أذنها وجثوت على ركبتي اليمنى وحدقت في مقلها الزرقاء وشعرها المنساب، وقبلت ظهر يدها اليمنى وأردفت قائلا في هدوء: "عندي آلاف القصص يا حوريتي سأخبرك عنها.. سأنبئك كيف كان الإنسان من حيث أتيت"..
وضعت سبابتها على شفتي في ابتسام وناجتني في أذني تقول: "سأسأل الرحمن أن ينسيك الخطوب فما لرحمته أفق ولا جدران، وسأعصر لك يا مولاي عطرا من ورود خضاب وخميلة، وزهر وأحور ومنور، وأحيك لك من ورود سوسن وشقائق الكافور سعادة ابدية الخلود".
وسرنا نحو القصر البهي نردد في آن، الحمد لله رب العالمين وصلي اللهم على سيد المرسلين محمد عليه أفضل الصلاة والتسليم..