جدول المحتويات
لقد ذكر حجة الإسلام أبو حامد الغزالي في الوزير الصالح كما يراه صفات لا نرى اليوم لها عيناً ولا أثرا في وزائنا، فالغزالي رحمه الله يؤكد في "التبر المسبوك" أن"أعظم فساد ينشأ فيالدولة يكون من أمرين؛ أحدهما من الوزير الخائن، والثاني من نية السلطان الرديئة الفاسدة". (كأن الغزاليّ الراحل عن الدنيا قبل عشرة قرون تنبّأ بما نحن فيه اليوم).
إن من صفات الوزير الصالح كما قررها الغزالي أن يكون محمود الطريقة إذا رأى من السلطان خلة مذمومة غير رشيدة رده إلى العادة المستقيمة، وأن يكون يقظاً ذا تجارب ليسهل الأمور رئيسه وليدرك عواقب الأمور قبل إتيانها، وهو مع ذلك يجب أن يكون ساكنا متمهلا شجاعا واسع الصدر حسن المقال يُحسن الصمت والكلام في أوقاتهما، مترفعا عن مواطن التهم.
وفي الإجمال فإن أهم ما أراده الغزالي في الوزيرأن يجمع الكفاءة والتجربة لحسن التدبير وجودة التعبير وحسن الخلق، هذا مضافا إلى نظافة الذمة ونقاء الصحيفة.
لكن وزراء أبي رصاصة الحاكم بأمر الجيش في بلاد السيبة لم يجلسوا مجالس الغزالي ولم يقفوا مواقفه قط، إنهم وزراء من بنات أفكار الجنرال، كانوا يستترون في مكاتبهم الفخمة، لكن الانتخابات الأخيرة كشفت عنهم حجب المظاهر المرصعة بنمنمات الحاكة البارعين، وخرّقت غوالي الثياب فوق صدورهم حتى نفذت بالشعب إلى وجه الحقيقة الموبوء بالجدريّ.. القوم باختصار: أجسام بلا أحلام؛ أجسام ترتدي فاخر الثياب وتركب فاره السيارات، وتحمل تحت قشور رؤوسها قرائح منكمشة وخليطا من الأفكارالمخلدة إلى الأرض.
كان الشعب يعرف حقيقة الحاكم، وبعد هذه الانتخابات عرف حقيقة المحكوم بهم، عرف "عبيد العصا" الذين تجمعهم صيحة وتفرقهم نعقةٌ كل أسبوع في صالة التكوين الميكانيكي بالقصر الرئاسي، وما أبعد ما بين الصوريتين؛ صورة الثياب المحشوة ودلائل الرزانة والدواوين المفتوحة في تلك الاجتماعات وصورة الخفّة والطيش والتهديد والوعيد في الحملات الانتخابية.
لقد خرجت مجموعة من الوزراء من الانتخابات مهزومة هزائم منكرة في جودة عقولها وحسن أخلاقها وفي أهليتها للمناصب العامة؛ ففي روصو هوى الوزير – الذي أباح قتل منافسيه في الحل والحرم – في جبّ الهزيمة السياسية بعد أن بان كلل بصيرته وخطل تدبيره وآب بمرارة تغلي في كبده، وفي كرو أفسد خطاب الوزراء قلوب الناس على السلطة فاجتثوا أرومتها من سائر المناصب الانتخابية، كما أفسد قلوب بعض الأصدقاء الدوليين وتوشك العلاقة بهم أن تبلغ مدى السوء الأقصى.
أما في جكني والنعمة والطينطان فقد حصد الوزراء سوء بذرهم؛ حصدوا وعودهم المخلفة وتنكّرهم سنين عددا لمآسي الناس، لقد وضعهم الناس مع منافسيهم في موازين اختيارهم فرجح المنافسون وشال الوزراء في الميزان، وعادوا من معاركهم الانتخابية بهزائم كبيرة خسروا فيها جلّ البلديات وأهمها وأهم النيابيات، ولولا حملات النجدة التي سيّرت إلى بعضهم من مشارق الوطن ومغاربه لما فاز بشيء يذكر.
هي إذا حسنةٌ لهذه الانتخابات المحملة بأوقار الأوزار.. حسنة أن أدرك الشعب حقيقة وزراء العقول الذاوية والبصائر الكليلة والتدبير السيء وأن جرب بنفسه عيّنة من قرارات الجنرال المزاجية.. هؤلاء وزراء "البامبرز".. كفاءتهم فريةٌ وعقولهم في المهد.
نقلا عن صحيفة الأخبار إنفو