تخطى الى المحتوى

ريادة شنقيط المجهولة للنهضة العربية الأدبية

جدول المحتويات

 ومها يكن حجم الصدمة الناشئة عن الانتقال من جهل مشاركة موريتانيا في هذا السياق، إلى دعْوى ريادتها بشكل حاسم، فإنَّ لكلِّ دَعْوَى بَيِّنَة، وذلك ما سنستعرضه في هذه العجالة.

 

 

أولا: الريادة من حيث الزمان والمكان:

 

 

وهنا نرى الدكتور محمد المختار بن أباه قد تتبع مُنْحَنَى رحلة الإبداع في حضارة العرب وأدبها عبر فضاءيها المكاني والزماني، فإذا هي "قد نشأتْ وتفجَّرتْ في قلب الجزيرة قبل ظهور الإسلام وبعده، وتفتقتْ أزهارُها في العِراق والشام خلال القرن الرابع والخامس، وازدهرتْ في السابع والثامن في مصر وأفريقية والأندلس، واحْتضَنها المَغرب الأقصى في القرنين التاسع والعاشر،  وقبْل أنْ تعودَ إلى المَشرق من جديد، فإنَّ صحراء شنقيط من مُنْحَنَى النيْجر، إلى ضِفاف الأطلس، قد حملتْ لواءَها وأعادتْ لها نضرة الشعْر الجاهلي ومتانة أسلوبه، وزخرفة الآداب العباسية ومالها من حسن البيان، وغذتْها بقيمها الروحية، فانصهرتْ عناصرها في أدب متكامل وغني".

 

ولقد أدرك د/ طه الحاجري- بشيء من الاستغراب والاندهاش – أن واقع الأدب الشنقيطي في هذا الصقع العربي البدوي النائي خلال تلك الحقبة الحالكة من تاريخ أدبنا العربي ،كان يمثل استثناء منقطع النظير، يكسر سيادة مفهوم الانحطاط أو الضعف المهيمن على الأدب العربي في مشمول زمانه ومكانه من سقوط بغداد، وحتى دخول نابليون لمصر، فقال: إن الصورة التي أتيح لنا أن نراها لشنقيط في هذين القرنين 12 و 13 هـــ جديرة بأنْ تُعَدِّلَ الحُكم الذي اتفقَ مؤرِّخُو الأدب العربي على إطلاقه في هذه الفترة التي يغطيها كتاب "الوسيط في تراجم أدباء شنقيط"،مؤكدا أنه إذا كانت صورة الأدب العربي الذي أطلق عليه هؤلاء حكمهم ،تبرر ذلك "بما تمثل من الضعف والركاكة والفسولة في صياغته وصوره ومعانيه"، فإن صورة الأدب الموريتاني كما يقول: "تمثل لنا الأدب في وضع مختلف يأبى هذا الحكم أشدَّ الإباء"

ولكي نضعَ النقاطَ على الحروف، في سياق استثناء موريتانيا من سيادة عصر الضعف، وريادة الأدب الشنقيطي للنهضة العربية الحديثة، يذكرنا الأستاذ الخليل النحوي في كتابه (شنقيط المنارة والرباط)  بأن الشاعر سيد عبد الله ابن رازكة رائد الشعر الشنقيطي ومُحْيي الشعْر الأندلسي البعيد عن الانحطاط، قد توفي سنة 1731 م قبل ميلاد البارودي بـ107 سنوات ، كما انبرى د/ أحمد بن الحسن (جمال) في أطروحته عن الشعر الشنقيطي في القرن 13هـ لدعم وجهة نظر الحاجري بمعطيات تاريخية دقيقة، حيث أثبت أن الشاعر محمد بن الطلبة مُحْيي الشعر الجاهلي في موريتانيا، قد ولد سنة 1774 أي قبل البارودي بـ64 سنة وتوفي عام 1856 والبارودي يومها ابن 18 سنة ، وذلك قبل ميلاد شوقي بـ13 سنة ، كما أن ابن الشيخ سيديا -و قد طرح في  قصيدته العينية المشهورة إشكالية التجديد والتقليد- توفي سنة ميلاد أحمد شوقي 1869

 

 

ثانيا: من ناحية الكم:

 

 

لقد استطاع أحمد بن أمين الشنقيطي نزيل القاهرة مع غياب مراجعه ووثائقه أن يُدَوِّنَ في كتابه (الوسيط في تراجم أدباء شنقيط)  نماذج شعرية لـ82 شاعرا من أبرز شعراء البلاد خلال القرنين 12 و 13 هـ ، أورد لهم حوالي 4500 بيت، ثم أضاف الأديب اللبناني يوسف مقلد إلى ما جاء في الوسيط نماذج لـ 25 شاعرا ضمن كتابه (شعراء موريتانيا القدماء والمحدثون)، فارتفعت مدونة الشعر الشنقيطي المنشور بصدور كتابه إلى نحو 6000 بيت، كما أضاف د/ محمد المختار بن أباه في كتابه (الشعر والشعراء في موريتانيا) ستة آلاف بيت أخرى موزعة بين 94 شاعرا ، 53 منهم لم يذكرها الوسيط ، ونحن هنا ننبه إلى انه ما تزال – في البلد- نصوص لم تُدَوَّنْ، ولم تنْشَرْ،قد تَصِلُ بهذه المُدَوَّنَةِ إلى أضعاف حجمها المنشور حتى الآن.

 

 

ثالثا من ناحية الكيف:

 

 

إذا كان رُوَّادُ النهضة في الأدب العربي قد اكتسبوا صفة الريادة من احْتذائهم لنماذج الشعر العباسي وغيره، والعودة بالشعر إلى تلك الحِقَب المُضيئة، والارتفاع به عن درك الإسفاف الذي كان يتردَّى فيه طيلة ما سُمِّي بعصر الضعف، فان في المقولات السابقة ما يشهد على عودة شعراء نهضتنا الشنقيطية الرائدة إلى أجمل هاتيك العصور، حتى صنف نقادنا مدونتنا الشعرية على أساس انطباعها بالبصمات الفنية لتلك الحقب، فكانت هناك المدرسة الجاهلية بريادة ابن الطلبة، والمدرسة الأندلسية بريادة بن رازكه … مع أن معظم النقاد حرصوا على أن يُبَيِّنُوا أنَّ علاقة هؤلاء الشعراء بالتراث في عصوره المختلفة لم تقتصر على التقليد الحرفي، وإنما أضافت إلى قوالبه ومضامينه بصماتها الذاتية المتميزة.

وفي هذا المضمار يقول الأديب العراقي عبد اللطيف الدليشي في كتابه (من أعلام الفكر الإسلامي في البصرة: الشيخ محمد أمين الشنقيطي ): "إن الدارس قد يعجَبُ لكثرة ما يجد من الأعداد المُتزايدة من هؤلاء الشعراء الفُحول المُجيدين العريقين في الجزالة اللغوية، والصور الشعرية الجميلة الرائعة المبتكرة، في شتى الأغراض … إن هؤلاء الشعراء الشناقطة شعراء فحول لا يَقِلُّونَ مُسْتَوًى عن أمثال المتنبي والبحتري وشوقي والرصافي".

وقد يكون هذا الإحساس موجودا لدى الشعراء الشنقيطيين أنفسهم ، وهو ما يمكن أن نجد له صدًى واضحا في النقاط التالية:

 

 

–         ظاهرة المعارضات الشعرية:

          

 

تلك الظاهرة التي سادت الشعر الشنقيطي، وتزعَّمَها الشاعر محمد بن الطلبة، الذي عارض ميمية حميد بن ثور، وجيمية الشماخ بن ضرار، ولامية الأعشى، وكان يثق بالتفوق على هؤلاء المتقدمين العباقرة، في هذه المُبارزة الفنية، ويستشرف إصدار الحُكْم الفصْل من قِبَلِ لجْنة تحكيمٍ من أهْلِ الجّنَّة "في دار الحق" لا يَتَطرَّقُ إلى حُكُمِها الرَّيْبُ، وهنا يجدر التنبيه إلى أن الأستاذ سيد احمد بن الدَّيْ، سفير موريتانيا السابق في تونس، لم يستبعدْ أنْ يكونَ أحمد شوقي – في معارضاته للشعراء القدماء- قد تأثر بابن الطلبة ،في معارضاته هذه ، وخصوصا أن كتاب الوسيط قد نشر في مصر سنة 1911.

 

–         إشكالية التقليد والتجديد:

 

وهي مربط الفرس في النهضة الثقافية الحديثة ، وقد طرحت إشكاليتها المؤرقة أوضح ما تكون-قبل البارودي- عند الشاعر الشنقيطي الشيخ سيد محمد بن الشيخ سيديا في قصيدته العينية، التي تشخص أزمة الإبداع بعمق، منطلقا مما حام حوله عنترة في قوله:(هل غادر الشعراء من متردم)، حيث يقول شاعرنا في ثقة مطلقة بذاته:

 

يا معشرَالبُلغاء هلْ منْ لوْذعي     

يُهْدِي حِجِاهُ لِمَقْصَدٍ لمْ يُبْدَعِ

إني هممتُ بأنْ أقولَ قصيــدةً    

 بكْرًا فأعْياني وُجُودُ المَطْلَعِ

لكمُ اليَدُ الطُّولَى عليَّ إن أنتمُ    

  ألْفَيْتُمُوهُ بٍبُقْعَةٍ أوْ مـــــوْضع

… إنَّ القَريضَ مَزَلَّةٌ مَنْ رامَهُ  

 فهو المُكَلَّفُ جَمْعَ مَا لمْ يُجْمَعِ

إنْ يِتْبَعِ القُدَمَا أعَادَ حَدِيثَهمْ     

 بَعْدَ الفُشُوِّ وَضَلَّ إنْ لمْ يَتْبَـــعِ

 

 

الخلاصة

 

 

الواقع أن ريادة بلاد شنقيط لهذه النهضة العربية الثقافية لم تقتصر على مجال الشعر، وإنما امتدتْ إلى غيره من الحُقول، حيث يقول الأديب العراقي عبد اللطيف الدليشي :"من الشناقطة علماء قد لا نغالي إذا قلنا عنهم إنهم لا يَقِلُّون أهمية عن جمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده ،ورشاد رضى، وأبي السناء الألوسي،وعثمان بن سند، وأضرابهم".

ولعل مثال ابن التلاميد والمجيدري وغيرهما حاضرة في الذاكرة المشرقية، وعلى الرغم من هذا كله فان الإسهام الشنقيطي في هذه النهضة ظل مغيبا، مما جعل الدكتور أحمد بن الحسن (جمال) يقول: "إن الأحكام المتداولة في تاريخ الأدب العربي قائمة على تدوين ناقص، ينطلق من المركز، ويتجاهل الأطراف" وانتهى إلى التساؤل المشروع :"هل يؤدي بنا هذا إلى القول إن النهضة الحديثة في الأدب العربي بدأت في بلاد شنقيط ،ولكنها كانت ضحية مؤامرة صمت"؟!

ولعله من الإنصاف أن نوضح هنا مع د/ محمد المختار بن أباه أن المسؤولية عن تغييب هذا الأدب وإدماجه في سيرورة النهضة ،هي مسؤولية مشتركة، "فيظلمه أبناؤه من موريتانيا إذا لم يجتهدوا في التعريف به، ويظلمه العربُ إذا اعرضوا عن التعرُّف عليه".

وقد لخص الأستاذ الخليل النحوي ذلك، حين دعا مؤرخي الأدب العربي إلى توسيع دائرة اطلاعهم ما أمكن ، واعتبر أن الشناقطة  لم تتهيأ لهم الفرص الكافية للنهوض بقسطهم، ولعل الدليشي كان أكثر صراحة في هذا المجال حين قال: "إن للأقطار العربية خاصة والإسلامية عامة أنْ تُدْخِلَ في برامج مدارسها دراساتٍ وافيةً ضافيةً عن علماء وشعراء وأدباء شنقيط".

ولكن من المُفارقات المُخْجلة أنْ يعلمَ الدليشي أنَّ القطر الموريتاني نفسه أحوجُ إلى أنْ توُجَّهَ إليه هذه الدعوة، فنحن -ويا للأسف- لا نضَعُ أدَبَنَا في مُقَرَّرَاتنا الدراسية بشكل كاف، فأبناؤنا يعرفون عن جمال الدين الأفغاني، والبار ودي وغيرهما ما لا يعرفون عن ابن التلاميذ وابن الطلبة وسواهما من أدبائنا.

فإلى متى تبقى المسؤولية عن تغييب دور موريتانيا في هذه النهضة مشتركة بين أبناء البلد وإخوانهم من العرب؟ وهل تجد هذه الصرخة صدى في داخل موريتانيا وخارجها،حتى نتلافى مؤامرة الصمت المزدوج؟

الأحدث