تخطى الى المحتوى

جدول المحتويات

 

قبل أشهر كتبت مقالا في صحيفة "الأخبار إنفو" أسميته : "جكنّي .. المعزولة العطشى"، تحدثت فيه عن ويلات العطش والعزلة التي تصطلي بنارها هذه المقاطعة ، وكانت الأيام حينها أيام صيف وحرّ وعطش يجتاح مقاطعات وقرى كثيرة في البلاد، وكان أهل هذه المقاطعة يتظاهرون يومياً أمام وزارة المياه التي وعدت ولم تفِ وتعهدت ولم تفعل.

 

حينها كان وزير النقل ومنتخبو المقاطعة وأتباع حزب السلطة فيها ينكرون مآسي الناس ومظالمهم ويتهمون المطالبين بالماء وفك العزلة بأنهم ذوو أغراض سياسية وغايات مشبوهة.. لقد كان هؤلاء يقفون في وجه تلبية مطالب الناس لأنهم يرون في ذلك (وهم مخطئون) مكسباً لحزب معارض أعمتهم منافسته لهم عن أمراض الناس وهلاك مواشيهم وغلاء معيشتهم بسبب العطش والعزلة.

 

كان ذلك في فصل الصيف وكان شبح الهزيمة الانتخابية يومذاك نائيا وبعيدا؛ لذلك وقف وزير النقل ومنتخبو المقاطعة مع معسكر العطش والمرض والفقر والتهميش ضد سكان المقاطعة، أما اليوم فقد تغيّرت مواقفهم ومفردات خطابهم بعد أن عاقبهم المواطنون بهزيمة حزبهم في إحدى بلديات المقاطعة السبع وإرساله إلى الشوط الثاني في خمس أخرى بينها البلدية المركزية التي كاد يهزم فيها في الشوط الأول أمام حزب "تواصل".

 

الآن أصبح وزير النقل نفسه حامل لواء سقاية المقاطعة وفك العزلة عنها..! لقد قرر حلف السلطة رشوة الناس بالماء والمال ، فأمر بإعادة تشغيل محطات ضخ المياه الصالحة للشرب التي كانت معطّلة طيلة فصل الصيف وأيام الحرّ أيام كان الوزير يرى أن السكان لا يحتاجون إلى الماء.. وفي سياق "المواقف المشرفة" نفسها جلب الوزير زميله في وزارة الإسكان إلى المقاطعة آخذا عليه العهد أمام بعض أنصاره أن يشرع في "خطط" طموحة لإعادة تخطيط المدينة بـ"طريقة عصرية".

 

وكما جيء بالماء بين الشوطين، جيء بالأموال الطائلة لتوزيعها على التعاونيات النسوية في المقاطعة، خصوصا تلك التي يعجب الرأي السياسي للقائمات عليها سعادة الوزير أو تلك التي يطمع في تغيير رأي القائمات عليها.. كل هذا يحصل في خضم استجلاب موجات من الغرباء الذين قد يفيدون في التأثير القبَليّ.

 

ورغم ذلك، فقد أصبحت حملات الضغط والترهيب بـ"الإرهاب" وأساليب التودد والشفاعة والوعود الوافرة – التي أطلقها الوزير وحلفاؤه – مصدر سخرية وتنكيت من كثير من السكان؛ خصوصا وعد وزير الإسكان بتخطيط المدينة؛ الذي بات يوصف محليا بأنه "سينما".  

 

إن الوزير وحزب السلطة يعتقدون أن ضخّ الماء الآن وتمويل التعاونيات ووعود التخطيط وشراء الذمم أمور ستكون في صالحهم الانتخابي، لكن الحقيقة أن هذه الأفعال كشفت للسكان أن الوزير وحزبه هم من كانوا يحاصرون المقاطعة، وأنهم كانوا قادرين على مساعدة الناس أيام العطش، لكنهم لم يفعلوا ذلك لأسباب سياسية فقط، ويفعلون ما يفعلون اليوم لغايات سياسية كذلك وليس عن قناعة أو رحمة بالضعفاء من المواطنين، والأهم من هذا وذاك أن السكان جميعا يعلمون علم اليقين أن المشاريع التي يوعدون بها هذه الأيام هي مواعيد ستنتظر بعثَ عرقوب من قبره يوم القيامة للوفاء بها.   

 

إن الثقة هي رأس المال الحقيقي في السياسة وفي جميع مناحي الحياة ولا يمكن تعويضها بالملايين أبدا. إن هناك فرقاً كبيرا بين سياسي يقبلُ الناس منه مجرد الوعد المسطور في برنامجه الانتخابي وآخر يأتي بالدنيا يجرّها بقرنيْها، لكنها دنيا لا يحترمها أحد ولا يثقُ فيها.

 

في المحصلة، ليس أمام الوزير وحلفه في جكنّي إلا التزوير الصريح لأصوات الناس في المحاضر والصناديق؛ فهم بدون ذلك هم مهزومون لا جَرَم، لكنهم بالتزوير أيضا مغامرون باستقرار المقاطعة وسيرورة الحياة فيها، وهم يعلمون ذلك.

 

 

الأحدث