تخطى الى المحتوى

انتخابات 23 نوفمبر 2013: أمل وصدمة و يقظة

جدول المحتويات

 

وذلك بناء على الظروف المتميزة التي هيئت لانعقادها مثل نتائج حوار 2011 المعروفة ووثائق مدنية مؤمنة والروح التي خلقها الربيع العربي لدى المواطنين في الرغبة في التغيير والتطلع إلى المشاركة السياسية الفعالة في حياة البلد. لكن التقويم الأولي لنتائج ما جرى في 23 نوفمبر 2013 صدم الموريتانيين في نواح كثيرة وجعل اليقظة ضرورية مستقبلا بالنسبة خصوصا لمن يحمل هم تطوير الديمقراطية في بلدنا أو ينوي المشاركة في الانتخابات الرئاسية المقبلة أو غيرها.  

 

نتذكر جميعا أن وزارة الداخلية هي التي كانت تشرف على الانتخابات بمختلف أصنافها وفق ضوابط قانونية وإجراءات تطبيقية ديناميكية غالبا ما تميزت بمشاركة كل الفرقاء السياسيين رغم النواقص الملاحظة آنذاك بالنسبة للنصوص وعدم تكافؤ الفرص بين المتنافسين والتخوف الدائم من انحياز الإدارة للنظام القائم على حساب غيره. وفي كل استحقاق انتخابي كان المواطن البسيط يلاحظ ممارسات مريبة يتنافس فيها الموالون للنظام في الإدارة مع المعارضين له داخلها وذلك أيام كان التزوير والمال والقبيلة والأثينية والجهة سلاحا يستعمله كل من النظام ومعارضيه من أجل كسب ولاء الناخبين الكبار  واستقطاب بقية الناخبين من جميع مكونات الشعب العرقية وأطيافه السياسية.

 

وبعد استبدال النمط القديم لبطاقة التعريف بآخر قيل إنه غير قابل للتزوير عام 2001 احتدم الصراع أساسا حول توظيف العلاقات الاجتماعية وشراء الذمم بالمال وتجنيس الأجانب أو تزويدهم ببطاقات تعريف لأغراض انتخابية في الوقت الذي انفرد فيه النظام بسياسة الترغيب والترهيب اتجاه العاملين في الإدارة العمومية وبتوظيف المال العام تحت مصوغات استوعبتها آنذاك غالبية الشعب دون عناء.

 

وباستثناء ظاهرة المستقلين والحماس الذي ميز المترشحين ومناصريهم بعد انقلاب 2005 كانت الانتخابات البلدية والنيابية 2006 والرئاسية 2007 و2009 قد جرت هي الأخرى في ظروف مشابهة إلى حد بعيد لما عهده الموريتانيون في الانتخابات السابقة.

 

وفيما يتعلق بالأمل الذي راود الناس بخصوص الانتخابات الجاري التحضير لشوطها الثاني فهو مشروع بالنسبة لمن قارن ما سبق ذكره حول الفترة 1986ـ2009 بالظروف التي تم فيها تنظيم استحقاقات هذا العام ومنها نتائج حوار 2011 حيث مهدت لتنظيم هذا الحدث وشكلت له أرضية زاد من صلابتها خصائص بطاقة التعريف الجديدة ووجود مرصد ومراقبين وطنيين ودوليين للانتخابات بالإضافة إلى إرادة القائمين على شؤون الدولة في تنظيم انتخابات نزيهة أي عادلة وشفافة؛ وهي عوامل تبعد في نفس الوقت المسؤولية في أي إخفاق محتمل في العملية الانتخابية عن الدولة وتحملها للجنة الوطنية المستقلة للانتخابات علما بأن مسؤولية اختيار أعضاء هذه الهيئة تتحملها أساسا المعارضة المحاورة.

 

ومن مدعاة الأمل أيضا ما انتظره المراقبون السياسيون من أثر إيجابي للربيع العربي على مجريات الأحداث بعد أن كسر حاجز الخوف من السلطة لدى الشعوب وبعث فيها روح التضحية من أجل إزالة الظلم والمشاركة في تغيير أوضاع البلدان؛ فهؤلاء المراقبون عولوا في هذه الحالة على إقبال المواطنين في هذه الانتخابات وعلى تصويتهم لمن يأتمنونه على مصالحهم ويرون فيه خيرا للوطن وأهله بدل الانصياع الأعمى وراء السلطة أو أشخاص مل الشعب رؤيتهم وأصواتهم وسئم مراوغاتهم السياسية وتلاعبهم بمصالح العامة من الناس.

 

أما الصدمة فأصابت من ظنوا أن الجهود التي بذلت من أجل نجاح العملية الانتخابية كانت كافية لضمان مشاركة كل معارض يؤمن بأن طريق الوصول إلى الديمقراطية كثقافة وسلوك للمواطن وممارسة فعلية للحكم من طرف القائمين عليه هو طريق طويل ومليء بالعثرات والمصاعب؛ وهم الذين اعتبروا أن المقاطعة شاهد آخر على أن هاجس الأحزاب التي تبنت هذا الخيار ليست المساهمة في تطوير ديمقراطيتنا الوليدة ولا الحرص على استقرار البلد وأمنه وإنما البحث عن مصالح فردية أو حزبية قد تتهيأ أسباب تحقيقها عبر فشل التجربة الانتخابية الحالية وانزلاق موريتانيا ـ لا قدر الله ـ نحو شبه ربيع عربي عجز المقاطعون وحلفاءهم في السابق عن استنساخه محليا.

 

وبعيدا عن الجدل حول صواب قرار المقاطعة من خطئه فإن النتائج الأولية لهذه الانتخابات تظهر من خلال نسبة المشاركة عدم التزام المواطنين بالقرار كما أن هناك من المحللين السياسيين من يرى أن الأحزاب التي غابت عن هذه الانتخابات سيلحقها الضرر من جراء قرارها وأن آثاره ستلاحقها في الرئاسيات المقبلة وفي الانتخابات البلدية والبرلمانية حال تقررت إعادة تنظيمها قبل أوانها.

 

وبخصوص اللجنة الوطنية المستقلة لانتخابات فقد صدمت الموالاة وصدقت ظن المعارضة في الجوانب الفنية واستاء من أدائها كل الموريتانيين الذين عودتهم وزارة الداخلية على احترام الأمور الشكلية الأساسية للعملية الانتخابية وعلى إعلان نتائجها النهائية في الوقت المناسب. وقد يعذرها عذالها لو اطلعوا على الطريقة التي تم فيها اكتتاب العمال وعلى القدرة البدنية والفنية للكثير منهم بالإضافة إلى مدة ونوعية تكوينهم مقارنة مع جسامة المسؤولية وحجم العمل وتعقد العملية الانتخابية هذه المرة.     

 

وفي كل الأحوال تجب اليقظة وأخذ الحيطة علما بأن العمل السياسي المستقبلي يتطلب تقويما دقيقا وشاملا لانتخابات هذا العام من أجل توظيف نتائج تلك العملية في التحضير للانتخابات الرئاسية القادمة ولو كنا جميعا ندرك أن تصرف الناخب في انتخاب النواب والشيوخ والمجالس البلدية يختلف تماما عندما يتعلق الأمر بانتخاب رئيس الجمهورية؛ وعلى الاتحاد من أجل الجمهورية خاصة وهو يقوم بذلك التقويم أن يتساءل عن أسباب فشله أو ضعف نتائجه في دوائر معينة وعن انعكاسات خروج منتسبي الحزب على قراراته، فقد رأيناهم يترشحون تحت ألوان أحزاب تارة ويدعمون أشخاصا ضد حزبهم تارة أخرى متحججين بتمسكهم بمساندة عزيز وبالبقاء ضمن الأغلبية الداعمة له. كما عليه أيضا كحزب حاكم أن يأخذ بعين الاعتبار بعض القضايا التي أظهرتها هذه الاستحقاقات أو طبعتها مثل:

 

عدم فوزه بأية بلدية في المدن التي تتميز بالوعي نتيجة الحضور الكبير للشغيلة وأصحاب الرأي مثل انواكشوط وانواذيبو و الزويرات وحتى مدينة روصو؛

 

ضعف نتائج اللوائح الوطنية في الولايات والناتج عن غياب العدالة في اختيار أعضائها حيث اشتكت منه ولايات اعتبرت  أن الحزب جعل من اللوائح الوطنية فرصة فقط لمن ليس لهم حظ في النجاح في مناطقهم الأصلية ولمن يرفضهم ناخبوهم بعد تجربتهم محليا أو حرقهم من طرف النظام؛

 

سوء اختيار بعض المرشحين خارج انواكشوط بعدم مراعاة قيمة الفرد محليا وهو الشيء الذي استغله الخصوم ونجحوا في الكثير من الحالات ؛

 

جرأة الناخب هذه المرة على الابتعاد عن خيارات حزب الدولة وتصويته لصالح أحزاب أخرى منها المساند لرئيس الجمهورية ومنها المعارض له، وهي ظاهرة لوحظت حتى في المناطق الشرقية الداعمة عادة للسلطة بصفة تلقائية؛

ترحال الناخبين من مكان إلى آخر أغضب الكثير من الأعيان والوجهاء والسياسيين المحليين بعد ما رأوا في تسجيل أناس أجانب بمفهوم القانون في قراهم تهديدا لمكانتهم في مجتمعاتهم ولمصالحهم المحلية، وتكرار هذا التصرف مستقبلا قد لا تحمد عقباه؛

 

تعدد الأحزاب قد يعالج مشكل الترحال السياسي بالمفهوم الذي عرفه الموريتانيون في السابق وتضرر منه البعض ولكن مساوئه كثيرة ومنها أنه سلاح ذو الحدين؛

 

سوء الاختيار وكثرة الأحزاب المحسوبة على النظام من العوامل التي شجعت القبائل الكبيرة وذات الانتشار الواسع على الخروج على إرادة الحزب الحاكم؛

 

تراجع دور الموظفين نتيجة سياسة تفقير الإدارة وسيف المفتشية العامة للدولة المرفوع فوق الرقاب، ويا ويلتاه لمن خسر حزب الدولة في الأماكن المحسوبة علية أو لمن ادعى شعبية وكذبته النتائج؛

 

الأسباب التي جعلت حزب التواصل يشارك في هذه الانتخابات هي ذاتها التي ستفرض عليه سياسة المهادنة والمداهنة سواء دخل الحكومة أو حصل على ما يؤهله من النواب لرئاسة هيئة المعارضة الديمقراطية (14ـ16 نائبا)؛ 

 

التصويت في انتخابات 23 نوفمبر 2013 جرى في الغالب على أساس قبلي وجهوي وأثيني وبالتالي فإن الجمعية الوطنية المقبلة ستكون كشكولا تقل فيه الأوجه الكاريسماتية وتغيب عنه تغريدات لرجال ونساء من أحزاب تمثل الرمز التقليدي للمعارضة بالنسبة للداخل والخارج.

 

وقد لا يختلف اثنان على أن تقويم هذه الانتخابات البلدية والنيابية سيظهر مدى الإحراج الذي سببته لبعض السياسيين والموظفين السامين كما سيؤدي إلى قرارات تهيئ اللجنة الوطنية المستقلة للانتخابات وحزب الاتحاد من أجل الجمهورية وحكومته لخوض الرئاسيات المرتقبة 2014، لكن هناك من المراقبين السياسيين من يخشون اتخاذ تلك القرارات قبل انتهاء تلك العملية وبعيدا عن دراسة موضوعية وكافية للتجربة الحالية. وفي كل الأحوال على الحكومة الحالية والقادمة متابعة تطبيق سياسة المرونة اتجاه الإسلاميين في موريتانيا مراعاة للتوجه الفطري للمجتمع ولطبيعة إسلامنا السياسي ولتقبل الموريتانيين المضطرد له طالما بقي معتدلا ومبتعدا عن العنف بشتى أصنافه.

 

الأحدث