تخطى الى المحتوى

ليس دفاعا عن الرئيس محمد غلام، ولكن...

جدول المحتويات

 

تذكرت هذه الكلمات وأنا أتابع – كما تتابعون – تلك الحملة المنظمة التي تشنها "جهات ما" تعليقا على تصريحات إعلامية سابقة لسفير الحرية ورمز مقاومة التطبيع الصهيوني، الرئيس محمد غلام ولد الحاج الشيخ؛ هذا يقول: "لقد كان صديقا لي وهو فتى يافع في سنوات الطلب، وقد كان ذكيا ومجتهدا ولكن…" وهذا يقول: "لقد كان معنا وهو شاب في سنوات العمل في الغربة، وقد كان شهما معطاءً نقي العرض، ولكن.." آخر يكتب مقالا وغيره يدبّج بيانا سياسيا، وهكذا..

 

لا أستطيع أن ألوم أقران الرجل وقد خلّفهم وراءه على قارعة الطريق وذهب صاعدا في مدارج العلم ومراقي الدعوة وعلياء الدفاع عن قضايا أمته العادلة، بهمته وتصميمه وانحيازه للحق وأهله، في حين بطّأ بهم خلودُهم إلى الأرض واصطيادهم في الماء العكر، فهم وإن كانوا على ظلم للرجل إلا أنهم أشبه الظلَمة بالمظلومين على حدّ تعبير الإمام الحسن البصري إذ يقول: "ما رأيت ظالما أشبه بمظلوم من حاسد"

 

 أجل! لقد تابعت – إلى جانب هذه الأحاديث الشفهية – تلك المقالات والبيانات التي يخيل إلى قارئها أنها تصدر من مشكاة واحدة؟! فإلى جانب كونها اقتناصا للحظة الحرجة التي يعيشها الحزب الحاكم أو المحكوم به – الذي يسعى المخلّفون منا إلى كسب ودّه بشكل مطّرد ما دام في الحكم، ويتقنون الانفضاض من حوله عند أول عثرة يعثرها – في نزاله الانتخابي وتصيدها في الماء العكر فإن تصديرها أوتضمّنها لكون مُصدرها تابع الحلقة (مثار الجدل) باهتمام بالغ (لقد تابعت/ تابعنا باهتمام بالغ…) يطرح تساؤلا جديا حول إمكانية صدورها من مصدر موحد!

 

أُكبر في جميع الكتّاب والساسة "المدافعين عن العلم وحمَلته" اقتناصهم للحظة واهتبالهم للفرصة تقربا إلى أسد (لم أقل: ديكٍ) جريح أو إمعانا في محاولة الغضّ أو النيل من رموز حزب أثبت الموريتانيون أنهم يعتبرونه ممثلَ المشروع الإسلامي المعتدل الجادّ في البلاد. وأعترف للجميع بقوة حدسهم وصدق فراستهم في خطب ودّ الحاكم وحزبه بالهجوم على حمَلة المشروع الإسلامي المعتدل الجادّ في موريتانيا – أعني حزب تواصل – ليس انطلاقا من النتائج المحترمة التي حققها على المستوى الوطني، بل ولا انطلاقا من التحدي الحقيقي الذي شكله ولا يزال في معاقل لم يكن يفترض أن تخترق من طرف الأحزاب المعارضة. ولكن لقوّة الحجة ورصانة الخطاب وطهارة الحملة التي تعرّف الموريتانيون من خلالها على رسالة "تواصل" وعلى خطابه ورموزه بشكل أكثر وضوحا ودقة…

 

بيد أنني لو كنت مكان هؤلاء السادة؛ في التصدّر لحملة مزايدة على الرئيس محمد غلام – وعلى مشروعه الذي يمثل وحزبه الذي ينتمي إليه –  في الدفاع عن مقدسات الأمة لاقتنيت بعض حيائي وآثرت السلامة من مقارنات سيقوم الموريتاني المنصف بعقدها بين مواقف الرئيس غلام وحمَلة مشروعه الذي ينتمي إليه – أعني المشروع الإسلامي المعتدل الجادّ في البلاد –  ومواقف أصحاب هذه المقالات والبيانات المحترمين، من الدفاع عن مقدسات الأمة وقضاياها العادلة…

 

أين كان الرئيس غلام وإخوانه أيام محاولة نظام الرئيس معاوية تأميم المساجد وتجفيف منابع الدعوة ومظاهر التدين في البلاد؟ وأين كان كتّاب ومدبجو هذه المقالات والبيانات؟!

 

أين كان الرئيس غلام وإخوانه أيام التطبيع والزيارات المتبادلة مع الكيان الصهيوني الغاصب؟ وأين كان المزايدون عليه يومها؟ أي الفريقين قدّم من حريته وعرضه وماله وبدنه، فداء للمقدسات واحتراما للعلماء؟ في يوم كان للمواقف ثمنها! وأيهما كان يشدّ على يد السلطات – التي تسجن العلماء وتسعى إلى محاربة مظاهر التدين وتصرّ على التطبيع المخزي – بفتاواه المشهودة ووظائفه الوفيرة وتصريحاته النارية؟ 

 

لا أقول إن الرئيس محمد غلام (الرجل بالمناسبة إمام وعالم يحمل كتاب الله تعالى في صدره!) فوق الوقوع في الخطأ، أو أنه قد حالفه التوفيق حين قبل الاستدراج إلى الحديث عن الأئمة والعلماء في هذا الموقف، وإن كنت قد تابعت تحفظه في اختيار كلماته والتركيز على البعد عن الإساءة إلى أي كان. 

 

لكني أقول للمتحاملين على حمَلة المشروع الإسلامي المعتدل الجادّ في موريتانيا وعلى رموزه وحزبه، أن عليهم أن يدّخروا بعض جهودهم وأن يقتنوا بعض تحاملهم؛ ذلك أن هذا المشروع – حسبما يبدو لي كمتابع – لا يزال في بدايات عطائه وأوائل نجاحاته، وأن الشعب الموريتاني قد شبّ عن الطوق وبلغ سن الرشد وأصبح بعضُ اللوم في حقه إغراءً.

 

 

الأحدث