جدول المحتويات
كانت العنصرية والتمييز يمخران عباب التاريخ متطوين تطور الجينات في كينونة الإنسان ويلازمان الإنسانية بلا اندثار، تارة على أساس العرق كما كان لدى الإغريق ضد غيرهم، ولدى الأتراك ضد الأرمن، واليهود ضد بقية الأعراق، وعلى أساس الدين مثلما كان لدى المذهب المسيحي لبروتنستانتي ضد المذهب الكاثوليكي، وعلى أساس اللون كما كان في جنوب إفريقيا ضد السود، وعلى اساس الشريحة كما في موريتانيا ضد لمعلمين، وفي مجمل هذه الحالات تتغذى العنصرية من الخرافة والكاهنية والتلفيق.
إنها ليست ظاهرة مثل الظواهر الطبيعية التي تظهر لفترة من المواسم وتختفي كالحصاد والمطر، أو كسوف الشمس وخسوف القمر، بل سلوك مريض يعشش بأصماخ الموبوئين به، يأخذ أشكالا وألوانا ليتعدد بتعدد أقنعة وجوه ممارسيه، فيتطور من سلوك عارض إلى واقع متجذر حتى يصبح إيديولوجيا وعقيدة لدى أجيال كاملة من البشرية في مجتمع ما، فيقدسوها تقديسهم للإله أو أكثر، وتختلط مع الزمن على الدهماء الجاهلة مع ضوابط الدين وأركانه وأحاديث الأنبياء، فتضحي غير قابل للشك في نجاستها، ولا الطعن في منبتها أو التحقيق و التفكير في ثناياها.. تماما، كما هي العقيدة الجمعوية للمجتمع الموريتاني النازي اليوم تجاه لمعلمين، التي جُمع فيها لهم -أي نازية المجتمع- كل أصناف العنصرية عبر تاريخها التطوري المقيت لبضربوا بها بلا تقصيد.
ومعاناة الإنسانية من العنصرية على أديم المعمورة المفجوعة مريرة مرارة العلقم على اللسان.. لفحت كل الأجناس وأخذت صورا متشابهة في اقاليم مختلفة، والغريب أن ما لحق بالمعلمين من عنصرية وتمييز على مر القرون، اجتمعت فيه كل اوساخ ما انتج الإنسان القذر من عنصرية جعلته مجتمعا نازياً للمعلمين بكل ما تعنيه الكلمة من التفاسير والإصطلاحات، وغريب كيف تقاطعت معها النازية الهتليرية.. فلو أن الإنفتاح الكوني على التكنولوجيا الحديثة ووسائل الإتصال ظهر قبل العام 1900 لما نسبت النازية لألمانيا، ولظلت ملكية فكرية تنسب لأصلها موريتانيا.
وإذا كان الرايخ الثالث لألمانيا أدولف هتلر قد اخرج ذات هيجاء حالكة عقيدة النازية لألمانيا تجاه اليهود، له في ذالك ماله من الأعذار وعليه ما عليه من المآخذ دفعه لها إضراب عمال مصانع الأسلحة اليهود عن العمل وتوقيف إمداد جيش ألمانيا بالذخيرة وهو على الخطوط الأمامية للدفاع عن ألمانيا، وقدَّر عليه القدوس ما قدره خلال عقدين ونيف من السنين مما حُرف بعد ذالك خدمة لروح الإنتقام الفطرية في الإنسان، فإن عذر هتلر تلقفته ألمانيا وكان مصدر قوة وإلهام لها، نحتت به قسمات العظمة في وجه الحضارة، مثلما تطورت جنوب إفريقيا بتبنى نظام الفصل العنصري لتصبح دولة نووية،
إلا أن موريتانيا لم تجني من عنصريتها ونازيتها تجاه لمعلمين ولحراطين، سوى إرث متراكم من الزيت تحت قدَّاحاتٍ مشتعلة معلقة فوق قنابل موقوتة، يُنميها الإستعلاء والانكار،كما ينمي الماء النعناع في بطاح توجنين، فالنازية بشكل عام إتجاه عنصري انتشر في أروبا الغربية قاطبة، وامتد من النمسا إلى آيسلند ومن بلجيكا إلى هولندا ، واستهدف الأقليات السود والآسيويين والساميين والشرق أوسطيين العرب والأتراك، بدعوى الحفاظ على الجنس البشري لهذه البلدان المهددة بالإنقراض، ودُعمت النازية من طرف الدوما وملاك القرار والنواب البرلمانيين والقادة الروحيين،
وخلال وقت قصير صار لِكل بلد نازيته الخاصة تجاه فئاته المضطهدة، ولكن الغريب أن النازية رغم انتشارها واستخدامها للعنف الشديد، فشل منظروها في استنفاد كافة مخزون أبجديات النازية المقيتة ليسلطوها على المضطهدين مثلما فعل المجتمع الموريتاني بالمعلمين، فمثلا خلال العقود السوداء ظل نمط التمييز والعنصرية النازية يتمحوران حول (العزل العنصري والخطاب العنصري والفعل العنصري، والتمييز على أساس اللغة واللون والعنصرية العمرية والعنصرية الصنفية وعنصرية الزينوفوبيا فحسب،) ولم تحضر أبدا أصناف النازية الأخرى التي تزيد على العشرين عنصرا في الفعل الهتليري مثل الخرافة السوداء والكاهنية والمحسوبية والتمييز الإقتصادي والإنعزالية والعنصرية الطبقية والعنصرية النخبوية والتشهير العنصري إلخ…
وهذا ما ساعد في القضاء على النازية في ألمانيا ودول أوروبا الشرقية في اقل من عقدين، لأنها لم تأسس لتكون جزءا من المعتقد الإنساني، ولقد برع المجتمع الموريتاني براعة لا نظير لها في جمع كافة مبادئ العنصرية النازية تلك عبر القرون الخمسة الخوالي وتسليطها على لمعلمين، مما كان نتاجه الحتمي معيشتهم الضنك واحتقارهم وذلهم، بالإضافة لخاصية اخرى محترفة ابتكرها المجتمع ليضيفها لأبجديات العنصرية وهي الإنكار، _أي إنكار المعانات_ وذالك لا يقل خطرا عن الجريمة السابقة للمجتمع لأنه إنكار مؤسس لنفي الظلم والتعامل معه على أنه جزء من السلوك البشري الطبيعي تجاه لمعلمين.
ولما كانت ابجديات النازية الهتليرية أو الألمانية هذه تجاه بقية الأعراق تمييزا وعنصرية، فقد عايشها لمعلمين منذ ما يربو على خمس قرون من الزمن خلت ولايزالون.. سحَّقها في المجتمع ممارسته لأبجديات الخرافة السوداء، والكاهنية، والخطاب العنصري، والتمييز على أساس الفئة، والمحسوبية والتشهير العنصري، والعزل والإنكار مما لم يسعف بهتلر الزمن لتسليطه على ضحاياه، فكانت نازيةُ موريتانيا نازية ملحدة مدمرة ومتوحشة، طبعت آلاما وجرعت لمعلمين ذلا لايقاربه سوى ذل الرقيق في قيود الغالب، تجلى في السلوكيات العنصرية الشاملة للخصائص آنفة الذكر المتفق على بغضها إنسانيا بإسراف من قبل الغالبية العظمى من المجتمع الموريتاني، وشرعها صمت المؤسسة الدينية المعاصرة، وهذه العنصرية اقتات على عوامل هي:
الخرافة السوداء
فالخرافة تختلف اختلافا متضادا عن الأسطورة، حيث أن الأسطورة غالبا ما تكون ذات علاقة بأمجاد المجتمع وتختزل ملاحم معينة من ماضيه المجيد قد تكون قائمة على الخير أو الشر، وغريب كيف أن هذا المجتمع على مر القرون لم تستطع مخيلته النازية أن تبتكر أساطير تؤرخ لقيم الخير والبطولة والمروءة، وهو إن عُزي إلى شيئ فإنما إلى عقله المريض بالتسلط ولإنشغال بتوافه الحياة، أما الخرافة فهي في غالب الأزمان خدعة وتدليس واحتيال ساعدت سلطة مؤسسة الدين التي قد يترجمها كهنة أو سحرة أو علماء خونة لله العلي القدير على حياكتها، ويراد منها عند التأسيس منفعة مادية، وتعكس الخرافة ضحالة المخزون العلمي وتغلغل الروح الجاهلية البربرية للمجتمع الذي ينتجها، وما أكثر الخرافات في مجتمعنا اليوم فمنها ما عاصر نوح، ومنها مالا تزال العقول المريضة حبلى به.
وأول ما ولدت الخرافة في المجتمع النازي كتمهيد لنزيِ لمعلمين تأسست على أصل المنشأ، وساق المجتمع خرافته البذيئة في أن لمعلمين من أصل روثة حمار عزيرٍ عليه السلام بعدما تحولت الروثة إلى دودٌ ومن الدود خرج القين أي (لمعلم)، هذا بالإضافة إلى الخرافة الثانية التي في غالب الأحيان ما تحاك لتكون بديلة الأولى لما لا تستوعبها الأجيال مع تطور عقولها، لذالك كانت الخرافة الثانية في حق لمعلمين أن أصل منشأهم يهودي، والخرافة لا تستقيم إلا على عكاز الكاهنية التي تغذيها وتحدثها مع الزمن لتظل العقول تستقطبها دون طرح أي تسائل تنتج عنه معرفة الحقيقة وكشف الخرافة..
الكاهنية (الزاوية)
تلك الكاهنية التي شكلت ماهية العكاز الذي استندت عليه الخرافة في حق لمعلمين مثلها الزوايا بلا شريك، والسبب في ذالك أن ما قبل القرن الخامس عشر لم تكن هذه النازية لها اصل في بقاع هذه الأرض، فرغم ما كان يسودها من السيبة إلا ان لمعلمين ظلوا في مأمن منها نتاج سلطتهم الصناعية التي بوأتهم مكانة البرجوازية أو على الأقل مكانة الطبقة الوسطى، حيث كانت الطبقية في المجتمع لا تتعدى: المقاتلين وتشمل المقاتلين من كافة الأعراق والصناع والموالي، بغض النظر عن ما جاء به المؤرخون الحداثيون من مجلدات التحريف وما ذكروه من مكذوب التاريخ، ولما نفض المرابطون يد الرجاء من الأرض مولين وجوههم شطر المغرب لِما أستشرفوه من شر مستقبل الكاهنية في البلاد – نشبت تلك الحرب ولا أريد ذكرها هنا- حرب جردت الكاهنية من سراويلها في رابعة النهار، فألقت الكاهنية باللوم على الصناع أي الطبقة الوسطى لصناعتهم السلاح الذي أنتج الفرق في تلك المعركة التي كان نتاجها الهزيمة والتعرية، وهذا النوع من الأحداث في غالب الأزمان تخلق عنه الكاهنية التي تمثل الأوصياء على الدين خرافات لتصرف أذهان وذاكرات الأجيال عن فضيحة الهزيمة، ولم يكن هنالك من حل إلا أن تُخلق تلك الخرافة، خرافة روثة الحمار وخرافة اليهودية، فباركت الكاهنية بعلمائها هذه الخرافات وساقت لها قبائح الخصال، حتى تعادل أفعال المهزومين أمامها كما يعادل سكب غرفة من بحر في نهر عذب جاري أفيكون له طعم في فم الشارب.. كلا.. وكذالك أرادوا، فبالإضافة إلى خرافة المنشأ ألحقت بالمعلمين خصال النفاق والكذب، وضعف العزيمة والدناءة بالعلم، والشره والعجل، ولتبقى في اذهان الأجيال عززت الكاهنية هذه الترهات بقصائد تأتي تارة على ألسنة كبار العلماء، وأحيانا على ألسنة عظام الجهلاء، ففي ترسيخ ظالم للقبائح، يندى جبين المسلم عندما يطالع قصيدة العلامة الكبير "الشيخ سيدي محمد ولد الشيخ سيديا" يضرب فيها المثل بالمعلم (القين) في استماتة لتقنين الخصال المثبتة للخرافة إذ يقول:
ومن شرخ الشباب اعتضت حلمـا === وحــال الـحـلـم إحـــدى الحسنـيـيـن
وكنـت إذا عزمـت عـلـى ارعــواء === وجـــدت عزيـمـتـي إســـراء قـيــن
وفي خرافة روثة الحمار يقول أحد الكاهنية في مطلع قصيدة أخرى تجذر خرافة أصل المنشأ للمعلمين من روثة حمار:
وروث حمار عزير === منه جاء الدود والقين
وغريب كيف تجرأ علماء الكاهنية على الله عز وجل وكأنهم ينفون خلقه لآدم من الأصل، أو يدَّعون بهذا شريكا له في خلقه وملكه، فالحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك والله أكبر.. الله أجل واكبر.
أما في خرافة اليهودية فقد صدر أحد كبار علماء الكاهنية كتابا عنون ب "الوسيط في تراجم أدباء شنقيط"، مع استماتة عصبته القبلية منذ عقد إلى اليوم في محاولة لسحب ذالك الكتاب بطبع نسخة جديدة تخلوا من ذكر الخرافة حتى لا يظل دليل على إدانة الكاهنية المجرمة ومجرحة لعلمائها وتعرية لهم أمام الإنسانية جمعاء ودليل على خيانة أمانة الله عز وجل التي حملهم وجعلهم بها ورثة الأنبياء ومبلغي دينه.
إن الغريب في الكاهنية عبر التاريخ ليس في موريتانيا فحسب بل في بقاع المعمورة، أنها لا تتقي إلاً ولا ذمة في المستقبل وكأن المستقبل بالنسبة لها لا يعدوا عمر الأحياء منهم ولسان حالهم (إذا ما شربت فلا بأس إذا تهدم البئر)، ولا عجالة في هذه الفقرة من استحضار قليل من كوارث ومنكرات الكاهنية على الإنسانية، فهي من كانت وراء إبادة البرامكة في عهد الملك هارون الرشيد، وهي من كانت خلف سقوط بغداد أمام جحافل المغول، وهي كانت خلف الحروب الدامية والأنهار الجارية في العالم العربي اليوم بفتاويها المنافقة، وعودا على المجتمع النازي الموريتاني، هي من كانت خلف أحداث إينال العنصرية الدامية وهي اليوم التي تريد أن تبعث حرب أهلية طاحنة في هذا المنكب، وهي التي تبعث العنصرية في أقبح ملابسها: وأعني هنا الكاهنية الكلاسيكية صانعة الخرافة في حق لمعلمين، المصدرة لبيان تدعوا فيه إلى ترسيخ القبلية والعنصرية واستبعاد مرشحة مسلمة مؤمنة بالله وبوطنها قد تكون خيرا من ألف واحد منهم.
- التشهير والخطاب العنصري
ولما كانت الخرافة كما حللتُها، والكاهنية كما استعرضتها، كان لابد مع الزمن أن ينتج لدى الأجيال نوع من الإستعلاء على لمعلمين يطابق ما ينتج لدى النازي الذي يتصور عرقه فوق كافة الأعراق وهو نتاج تفاعلات تاريخية ما بين الخرافة والكاهنية كما تتفاعل العناصر الكيميائية، يتولد عنه التشهير العنصري المختزل في تلقين الصغار سيسيولوجيا مخزونا هائلا من الأكاذيب الإنتقامية والخرافة السوداء حتى يشبون على الحذر من لمعلمين وعزلهم عنصريا ونزيهم اجتماعياً، لأنهم في نظرهم مجموعة من أوساخ المجتمع لا عهد لها، كاذبة لاخير فيها، ولو كانت متدينة محافظة، ولعل أكثر ما يصور هذا التشهير والخطاب العنصري ما تحفظه الذاكرة الشعبية اليوم وما تردده مما يكبر عليه النشأ ، وإنه لأكثر أنواع التشهير العنصري فداحة لِما يتقمصه من حرب نفسية حيث نجد من الأمثلة عليه: لاخير في الحداد ولو كان عالما.. حلة إيفلاون.. اكذب من أمعلم شايف يدما.. لمعلم لا يؤم الناس وليس أهلا للكفاف.. من تزوجة أمعلمة جاء يوم القيامة وإصبعه في دبره.. لمعلم جن === تحت المرجن… إلخ
وأُذكر هنا إلى أن التشهير العنصري من أكثر الآثار التي خصها إعلان الأمم المتحدة للقضاء على كافة أشكال التمييز العنصري الصادر يوم 20 نوقمبر 1963 بمفردة "التمييز العنصري" لما له من خطر على المنشأ وسلبيات أمنية في مستقبل الدول التي تجيزه أو تتعامى عنه، ولذالك تحاربه أوروبا اليوم حتي في الملاعب فيما بين الأندية استشعارا بخطره، بينما لا يعتبره هذا المجتمع النازي شيئ إلا إذا كان تجاه سدنة الكاهنية البغيضة.
- العزل
ونتاجاً لهذه الممارسات طيلة خمس قرون من الزمن، وتعاقب أجيال المجتمع النازي الموريتاني على ممارستها يوميا بوفاء مطلق كممارستهم للتنفس وشرب الماء، عزل المجتمع لمعلمين عزل المجذوم، وإن أكثر أنواع العزل العنصري يتجلى في ما يقوم به هذا المجتمع من منع التزاوج والتهميش من القبيلة الوصية والعائدة بقوة لمراكز القرار، فا لمعلم في القبيلة فاقد للقيمة حتى في إطار حيزها التكافلي الاجتماعي، ومنع التصدير من المحاظر ولو نهل طالب المحظرة المعلم آلاف الكتب وفاق شيوخه الكاهنيين فلا يُصدر كفقيه ولا كعالم مطلقا، وأتحدى في هذا المقام من يأتيني باسم واحد بينما لدي عشرات الأسماء ممن تعفنوا في المحاظر وصاروا ورثة أنبياء دون أن يجازوا حتى عادوا عمالا في مهن اخرى وهجروا طلب العلم، وقلة منهم فهموا المؤامرة فأسسوا محاظرهم ووصل علمهم آفاق المشرق كمحظرة "تيد املين" 152 كلومتر على طريق الأمل التي أسسها ويتولى مشيختها لمعلم العلامة الجليل "الشيخ محمد ولد محمد محمود"، وإن قطع آخرُ ثائرٌ القيد وخرج في بلاد الله الواسعة يبتغي فضلا وعلما وعاد لوطنه يكُن عوده كعودة وحشي دفين في الذهب والحلي يتنجس منه المؤمنون كما حاصر المجتمع العلامة الجليل محمد عالي الشنقيطي.
إنه لأمر مؤلم موجع يحز في النفس ألما ووجعا، يورث الآهات والحسرات وتقليب الكف على الكف ذات اليمين والشمال ندما على العيش بين الأخوة في الدين والعرق كما تحيى الضأن بين الذئاب والأسود، وما يورِث إلا الكره والنفور والتضاد، كما ينفر المشرق من المغرب والماء من النار لا يلتقيان أبداً.
- الإنكار
كان كل هذا ليهون هوان ظلم أخوة يوسف على يوسف لو أن المجتمع نكف عنه وراجع دينه وتراثه، وأنصف لمعلمين فيقولون لا تثريب عليكم يغفر الله لنا ولكم، لكن الإنكار هو أكثر سلاح هدام استخدمه ولا يزال يستخدمه المذنبون، ضيع حقوقا وتلاشى به الضمير الجمعوي، وأحيانا يكون أكثر مرارة من الذنب نفسه، أرأيت إمرأة يجمعها برجل عقد شفوي على زواج فتحبل منه ولما تضع مولدها ينكرها وينكر الذي جائت به، أرأيت رجلا يودع آخر كنزا فلما يطالبه به ينكر وديعته، أرأيت رجلا يأتيه دين الله بينا ويختم الباري حياة نبيه بخطبة الوداع قائلا إن كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه، فيأتي هو ليحرف وصية الرسول وينكر على بعض المسلمين الحرمة ويجيزها للبعض فيقول لا خير في الحداد ولو كان عالما، كل الأثر الذي تحز به نفوس هؤلاء المنكورين لا يساوي ذرة هباء مما يعانيه لمعلمين لما يقف شاب ممن هذبتهم الحضارة ونهلوا من التاريخ ليقول بأعلى صوت حنجرته "لمعلمين أنتم لا تعانون من شي"، وإذا ما قامت عليه الحجة ردد في تكران للمسؤولية "أنتم سبب ذالك فقد قبل أسلافكم الخضوع للواقع" وهذا هو لسان المثقفين والأئمة وأصحاب الوعي اليوم.
لم يتقبل المجتمع الموريتاني لمعلمين على مر القرون الخمسة الماضية كجزء منه، ولم يحررهم من قيوده، وإنما أرادهم كالأسئلة المعلقة بلا إجابة، لا هو تقبلهم واحتضنهم، ولا تركهم إثنية مستقلة عنه، لها فلكرورها وما يميز الإثنيات عن بعضها البعض، بل اختار لهم النازية حضنا، والتشريد في قفار الظلم والنكران مسكنا، كشجرة طلح في فيافي تسومها العواصف الراعفات هزاً حتى إذا ما أنحنت عبرت عنها لِأرض تسحبها بمزن ماطرات تخرج لها ثمرا حميدا، وتبقى شجرة الطلح بعد ذاك معوجة لا تستقيم ولا تخرج صمغا ولا ورقا، وكما تمحوا الطلاسة الإسفنجية أثر الطبشور من السبورة، محى المؤرخون الموريتانيون المعاصرون كل فضيلة تاريخية للمعلمين على هذه الأرض.
لكن مصيبة التاريخ أنه منافق كبير، ففي الوقت الذي يساير فيه أمة على فعلها، هو نفسه الوقت الذي يفضحها فيه بمكان آخر، فمن قرأ ذات يوم لمحمد يوسف مقلد اللبناني كتاب "شعراء موريتانيا القدماء والمحدثون" وراقبه وهو يجلد التاريخ بسياط البحث ويسلخه سلخا في 700 صفحة وتزيد ليخرج له من عباب قرونه مئات أعلام الشعراء الموريتانيين الذين دفنهم هذا المجتمع ولم يأت لهم بذكر أبدا، لا يأمن للتاريخ ولا يراهن عليه، فمن يدري.. ربما يكون هنالك من كبار المؤرخين العرب المبرزين من يعكف الآن على تتبع مسيرة مئات الأشراف الأدارسة الذين رست بهم سفينة النجاة ذات يوم قبل ست قرون على شاطئ المحيط الأطلسي في هذا المنتبذ القصي هربا من دولة الموحدين ولم يوجد لهم بعد ذالك أثر.