جدول المحتويات
وإذا كانت دعاوى هذا الحزب – التليد في شخوصه، الطريف في شكله وترخيصه – بتبني خيارات محاربة الفساد وقمع المفسدين إضافة إلى تجديد الطبقة السياسية، تقابل بسيل جارف من التشكيك؛ نظرا لإعادته الثقة في العديد من رموز هذا الثالوث المدمر، فإن نتائج الجولة الأولى من الانتخابات النيابية والبلدية الحالية، قد كرست حضوره كحزب "حاكم" أو محكوم به – كما يحلوا لبعض المتابعين تسميته – وهو ما يضاعف المسؤولية الأخلاقية والسياسية على عاتق هذا الحزب، ويجعله محط أنظار الموريتانيين؛ مما يفرض عليه إيجاد القدوة الصالحة في التعاطي مع الشأن السياسي ومحاربة إفساد الحياة السياسية في البلد.
غير أن المتأمل لما رصد – ويرصد – من مخالفات قانونية وانحرافات سياسية خلال الحملة الانتخابية وأثناء وبعد عمليات التصويت؛ يلاحظ أن أصابع الاتهام وأكف الشكوى فيها كانت تتجه إلى الحزب "الحاكم" والقدوة السياسية المفترض؛ استخداما للمال العام وتكريسا لمفهوم حزب الدولة، وشراءً للذمم، إضافة إلى التأثير المباشر والاستغلال البشع للسيطرة على اللجنة "المستقلة" للانتخابات.
لست شاهدا مباشرا على كل ذلك، وإنما كانت شكاوى خصوم ومحاوري بل وحلفاء حزب الاتحاد من أجل الجمهورية "الحاكم" غير أنني كنت شاهدا على نمط جديد من تزوير إرادة الناخبين المحليين وفرض خيارات بلدية ونيابية على ساكنة بعض المناطق، بطرق أبعد ما تكون عن الشفافية والديمقراطية، كان بطلها حزب الاتحاد من أجل الجمهورية "الحاكم" والقدوة المفترض ومحارب الفساد والإفساد.
أجل لقد كنت شاهدا على الحملة في مقاطعة وديعة وجديدة هي مقاطعة الشامي، ترشح بعض أبنائها لعرض أنفسهم على أهل المقاطعة للحصول على شرف تمثيل المقاطعة الوليدة في البرلمان، وللبلدية؛ بغية تقديم الخدمات البلدية الضرورية لساكنة المنطقة، وهنا أفتح قوسا لأقول إن ترشيحات الحزب الحاكم في هذه المقاطعة؛ كانت ترشيحات نوعية (شبابا محترمين ومن أبناء المنطقة المحترمين).
وكانت حظوظهم في النجاح – حسب نظري – عالية جدا، غير أن الإشكال كان في عدم الاكتفاء بعرض الترشيحات على ناخبي المقاطعة، بل والاعتياض عن ذلك بإغراق المقاطعة بسيل من الناخبين الغرباء على المقاطعة، لفرض خيار الحزب على ساكنة الشامي، الذين كان بالإمكان أن يصوتوا له ليكون مسؤولا أمامهم على الأقل! وهو مشهد من مشاهد إفساد الحياة السياسية تكرر الحديث عن وقوعه في أكثر من منطقة.
إن تصرفا من هذا القبيل يجعل المواطن فاقدا للثقة في أهمية صوته ويجعل المنتخَب (العمدة أو النائب) لا يرى لساكنة البلد منة عليه، بل إن لديه الحق أن لا يعتبر نفسه مسؤولا أمامهم، وإنما العلاقة بينه وبين ناخبيه "المجولقين".
إن هذه التصرفات وأخواتها لا تليق بحزب حاكم (أثبتت النتائج الأخيرة أنه الحزب الأول في البلاد) ولا بحزب عريق في شخوصه؛ حيث إن جلّ منتسبيه وقادته وصلوا إليه سراعا من حزب عادل، يوم أن انقلب قائد الحرس الرئاسي يومها على الرئيس ولد الشيخ عبد الله وأنشأ حزب الاتحاد من أجل الجمهورية، وهم بالمناسبة نفس الوجوه التي شكلت قوام الحزب الجمهوري أيام الرئيس ولد الطائع قبل أن تغادر الحزب – وعلى وجه السرعة – صبيحة الانقلاب الذي الذي أطاح بالرئيس معاوية… وهكذا..
لا تليق كذلك بحزب جديد في شكله وترخيصه؛ استولى على غالبية المنتخبين من نواب وشيوخ وعمد، وهو لمّا يشارك في أي استحقاق انتخابي… لا تليق بحزب بهذا الحجم ينتظر منه أن يقدم القدوة الحسنة في جودة الأداء السياسي واحترام قواعد اللعبة الديمقراطية، حتى لا يستعير الموريتانيون من إخوتهم المشارقة عبارتهم الشهيرة أن "حاميها حراميها".
نقلا عن أسبوعية الأخبار إنفو