تخطى الى المحتوى

مالي بين تحديات الارهاب وضرورات الامن

جدول المحتويات

ولعل الاعتراف بتسارع وحدة الإشكالات الأمنية بهذه المنطقة والإيمان بترابطية انعكاساتها يؤسس للبحث فى جذور هذه الازمات بغية استشراف مآلاتها.

 

وعلى الرغم من تعدد الاتجاهات النظرية في دراسة أسباب الصراعات الأفريقية عموما فإنه يمكن الإشارة إجمالاً إلى المتغيرات الأربعة الأساسية ممثلة في:


– (1) الهوية العرقية في مواجهة الهوية الوطنية 
– (2) السياسات الاستعمارية 
-(3) إخفاق مشروع الدولة الوطنية 
-(4) العولمة ودور العوامل الخارجية


كما يمكن إجمال أنواع الصراعات في الدول الإفريقية في الأنماط التالية :


– 1 نمط الصراعات العرقية العنيفة؛ كما حدث ب (منطقة البحيرات العظمى).

  
 -2نمط العنف السياسي المرتبط بالتحول الديمقراطي كالكوتديفوار، وأنجولا، وبوروندي.


-3 نمط الدولة المنهارة : مثل الصومال ومالي التي أجتمعت فيها كل المتغيرات السابقة وقد شكلت  الحرب علي مالي  انفراجا  كبيرا   بحساب   النتائج الظرفية   التي حققتها   للدولة الشقيقة   بعدما فقدت سيادتها  علي ثلثي  أراضيها  وسقط نظامها الديمقراطي ، وقامت امارة اسلامية  علي جانبها الشمالي مهددة بالسيطرة  علي باقي المراكز الجنوبية بما فيها  المدن الكبري المالية.

 

 وقد  شكلت منطقة الساحل  عموما شريطا هشا  بحاجة الي  تحقيق الترابطية بين الأمن والتنمية الحقيقية وتعزيز البني التحتية للدول الفاشلة وإعادة صياغة أولوياتها وفق المقتضيات المحلية  في محيط هش اقتصاديا واجتماعيا تعذر علي الدولة الوطنية فيه  تحقيق اندماج  المواطنين بالدولة الوطنية و فشلت في تسيير الخلافات و التمزق الهوياتي وتلبية المطالب والمظالم الوطنية التي تزداد حدة بعد أي تطور أمني  وهو  ما ستتم ملاحظته في النموذج المالي.

 

   وستعمد  هذه المعالجة السريعة على  تقديم  طرح  عن المسار التاريخي للأزمة المالية قبل  أن نعرض أهم النتائج  المترتبة علي الحرب  في مالي   سواء علي المستوي  الداخلي  أو في  مستو ي العلاقات بين دول المنطقة  وتأثيرات ذلك علي  التعاطي  مع  جهود محاربة الارهاب علي المستوي الاقليمي.

 

 الاستقلال الملغوم :

 

 لقد استقلت جمهورية  مالى فى عهد الرئيس القوي مديبوكيتا 1960 وقد ضمت آنذاك ولايتي كيدا وتنكبتوا اللتين تشكلان أكثر من ثلث أراضي البلاد وقد أحس الطوارق حينها بالخطر الذي يتهددهم وبدؤوا ثورتهم في العام 1961 انطلاقا من كيدال ولم تستطع الجمهورية الوليدة ان تتغلب على التخلف والجهل والأمية بسبب الفقر من جهة وعدم التوازن فى التنمية بين المركز (الجنوب) والأطراف فى الشمال المالى فلم يقم الحكام الماليون منذ الاستقلال حتى الآن ببناء جسور الثقة والأمل التي تحتاجها دولة متعددة الأعراق والقوميات، ومالت كفة التنمية فيها لصالح العاصمة ومدن الجنوب.

 

وليس من قبيل الصدفة أو سوء الطالع أن تتحول جمهورية مالي ـ ذلك البلد المترامي الأطراف الواقع في غرب أفريقيا ـ إلى ملاذ آمن لعصابات التهريب والجريمة المنظمة والجماعات الإرهابية  المتشددة، فهذا البلد بتركيبة الاتنية المعقدة ومساحته الشاسعة وإمكانيته الاقتصادية المتواضعة مرشح أن يقع في وحل النزاعات والصراعات المهلكة.

 

ومما فاقم الأمور وأكسبها خطورة متزايدة هو الضعف الذي اتسمت به الدولة المركزية المالية وهشاشة بنيتها الأمنية والعسكرية، حتى أصبحت مالي بدون منازع بؤرة للإرهاب في منطقة الساحل الإفريقي،  ولم تتمكن حتى من مجاراة الخطة الأمنية لبعض البلدان المجاورة الأقل منها إمكانية كالنيجر مثلا , وبالرغم من أن البلاد شهدت نوعا من الاستقرار السياسي النسبي خلال الفترة مابين 1992، حيث نظمت أول انتخابات رئاسية حرة وحتى الانقلاب الذي جرى يوم 21 مارس 2012 فإن الحكومات المتعاقبة خلال هذه الفترة عجزت عن فرض الأمن في نصف البلاد الشمالي حيث التواجد الأكبر لاتنية الطوارق وبعض القبائل العربية ، كما عجزت الدولة عن وضع برنامج تنموي حقيقي يقلل من معاناة سكان إقليم أزواد ويقطع الطريق أمام مطالبهم في العدالة والمساواة التي تطورت في وقت لاحق إلى مطالب انفصالية.
ولئلا يطول بنا سرد اكرونولوجيا الأحداث فى الشمال المالي فإننا نشير الى أن مالي نجحت مجددا في إبرام معاهدة تمنراست الثانية (11 أبريل/نيسان 1992).

 

وقد حجمت سقف المكاسب الطوارقية إلى مستوى اللامركزية ومنح الإقليم نصيبا من التنمية إضافة لإنشاء مكتب شؤون الشمال في باماكو لتفعيل بنود الاتفاق والعمل على استيعاب وتشغيل أطر الطوارق، وقد كان هذا كافيا لتندلع خلافات عميقة داخل الجبهة التي وقعت الاتفاق بعد ذلك بقليل مما قاد العديدين لتأسيس تنظيمات وأجنحة عديدة.


التدخل الاجنبى وأرضية الحرب الأهلية

 

وبالفعل  لقد مكنت الحرب  من تراجع الجماعات السلفية عن احتلال محتمل للمراكز المالية,وحققت استعادة الوحدة الترابية لمالي ومكنت من  تقليم اظافر القاعدة ،الا أنها مع النجاحات  الهشة والظرفية  تتناسي حقيقة التحديات  المتبقية  او الثابتة علي الاصح  فالفعل الارهابي كان لاحقا  للأشكال السياسي  المزمن   الناتج عن التجاهل الكامل والتهميش المتعمد للحقائق الميدانية جعل التربة خصبة لأي قادم  وهيأ السكان علي  هشاشتهم للتعويل علي أي كان في تحقيق مطالبهم الفعلية أو  أحلامهم   الطوباوية.

 

وكان النظام  المالي مستعدا للتخلي  عن الشمال لذويه ومن بعده للإرهابيين.

 

وظل  وفق  مسار متواصل من التنازل  المتواطئ  يتخلي عما  يعوزه  حله   فيدفع الضريبة  اكثر  ليس بالتضحية بكرسي انما  بوطن  تآكلت سيادته  وفشلت سياسته في لم أجزائه    واستعادت الميلشيات  العسكرية سيطرتها علي ديمقراطيته التناوبية وتحول ثلثاه الي مرتع للإرهاب واقتصاد الجريمة  بمختلف تجلياته وأنواعه.

 

وقد  كشفت  الازمة المالية بجلاء تجذر الابعاد  الإقليمية وبنيوية الصراع  وحتي مع النفس الجديد الذي  تملك  الماليين بعودة الحوزة الترابية   والشرعية  بعد تنظيم الانتخابات  ونجاح ابيبكا فان التحديات  ما زالت ماثلة  امامه  بشكل كبير جدا ومن أولوياتها :

 

    استعادة المصالحة  والتخلص من ترتيبات   الحرب الصامتة   وما اثارته وأذكته  من  شعور بالعنصرية المقيتة والتهميش المتواصل  لفئات عريضة  من المواطنين  الماليين  

 

 وبعد عملية إيجاد المخاطب الشرعي  بمالي  اثر الانتخابات  الرئاسية   والدعم  الدولي في تحجيم الفعل الارهابي وعقلنة المطالب السياسية  للأزواديين  تبقي مرحلة البناء والتنمية الجهاد الاكبر ليتملك المواطن  دولته ولتتفرغ مالي  لتسوية الاشكال السياسي بالشمال  الذي  راكم  حوله كل  الانعكاسات اللاحقة.

 

إن الأزمة  المالية  لم تكن يوما في حقيقتها  الا تجليا  من تجليات الدول الفاشلة في تحقيق التعاطي  مع  شعبها ومطالبه   وهو تجاهل  ترتب  عليه الاقصاء الممنهج والشعور المتزايد بالغبن   المتأصل  والاستعداد للتحالف  مع أي قادم  حتي ولو كان جماعات ارهابية .

 

   التأثيرات الاجتماعية والنفسية للحرب بأزواد


أثبتت التجارب أن الآثار النفسية للحرب تختلف بين الأشخاص الذين عاشوا داخل الحدث وغيرهم ممن كانوا في منأى عن الخطر المباشر، بمقدار الإحساس الشخصي بهول الحدث، وبمدى تفاعل الفرد مع الأحداث وشعوره بأنه معني بالحرب القائمة، خصوصاً ان تتابع الأحداث في هذه الحرب كان سريعاً جداً .


ففي الحرب يستنفد المرء كل طاقته في تفادي المخاطر والبقاء على قيد الحياة.

 

 ومن الناس من يعبّر مباشرة عن حالة الصدمة بالقلق والأرق والبكاء، وغيرها من العوارض، ومنهم من يعتمد آلية دفاعية هي التأجيل، تسمح للشخص بعيش فترة من الكمون شبه طبيعية، ليعيش الصدمة بعد فترة؛ وهذا ما نسميه حالة ما بعد الصدمة.

 

لذلك، نلاحظ أن الأعراض النفسية الناتجة عن الخوف والقلق لا تظهر عند الكثيرين الى حين زوال تهديد الحرب. وتتخذ هذه الأعراض عدة أشكال، من بينها الحركة الزائدة، والقلق الحاد، والانحلال الجسدي، والكوابيس الليلية والهلوسات الناتجـة عن اسـتعـادة مخاوف الـنهار في أثناء النوم. وقد تصل الى حدّ غرق المرء في حالة من الغيــاب.


وفي كل حالات الحروب تعاني النساء والأطفال- رغم أنهم لا يشتركون مباشرة في القتال – من الموت والإصابة والاغتصاب والخطف والاعتداءات الجنسية والتفكك الأسري والنزوح وفقدان الملكية.

 

ويعانون من الخوف والاضطرابات النفسية والإحساس بفقدان الأمل ويعيشون كنازحين في أوضاع تغيب عنها الحاجات والخدمات الأساسية والشريحة الأكثر تأثراً من السكان بهذه الأوضاع هم النساء والأطفال إذا تتحمل النساء عموماً مسئولية رعاية الأطفال والمسنين علاوة عن المعانة بسبب الحرب فيشهدن موت أطفالهن وأزواجهن وأقاربهن.

 


إن الأوضاع الحالية في مالي, تعكس مدى تطور وتصاعد الصراعات داخل منظومة دول غرب أفريقيا, ومدى تصاعد التوتر في المنطقة مستقبلاَ  مما يزيد من إتساع مدى التدخلات الخارجية فى المنطقة, خاصة من جانب فرنسا, التى تعمل على الحد من تمد د النفوذ الأمريكى فى مناطق نفوذها التقليدى, والذى أسهم فى تآكل إستثماراتها وخسارة شركاتها لأكبر عقود فى المنطقة لاستخراج اليورانيوم, بينما يسعى الانتشار الأمريكى الواسع فى منطقة غرب أفريقيا, عبر غطاء مكافحة ما يسمى بالإرهاب, لتغيير الخارطة الجيوسياسية لمنطقة غرب أفريقيا بشكل يسمح للولايات المتحدة الأمريكية بالاستحواذ على المخزون الهائل من النفط الإفريقى الخفيف فى منطقة غرب أفريقيا, وعلى اليورانيوم الموجود بكميات كبيرة فى المنطقة, بينما يشكل إبعاد الولايات المتحدة الأمريكية للصين وفرنسا وبقية الدولة الصاعدة فى المنطقة, أحد الخطوات الهامة فى اتجاه إعادة صياغة المنطقة برمتها من أجل خدمة مصالح الأمن القومي للولايات المتحدة الأمريكية, الذى يعتبر كل مناطق العالم هى مجال حيوى لمصالحه.

 

 ثوابت  يمكن الخروج بها

 

لقد اعادت  الحرب في مالي  التأكيد علي ثوابت  متعددة من بينها /:

 الحكامة الراشدة  وانعكاساتها  علي الاوضاع  السياسية*

 * تعذر المحاربة القطرية  للآفة الارهابية

 * الترابط الحاصل بين التنمية الاقتصادية والتسوية السياسية

 *الترابط بين بين  تطور الإرهاب وغياب التنمية

ولكن  الحرب في مالي  خلفت, العديد  من  المصاعب  وزادت  في بعض منها  :

– استمرار بل وتجذر  الأزمة في تجليتها الإنسانية بتشريد مئات الآلاف

– الابقاء بحدود الإشكالات ألكبري في أبعادها السياسية   المتعددة القضية الأزوادية

 اعادة انتاج إشكالية التعايش بين المكونات الشعبية    –

 طرح اشكالية التدخل الاجنبي-

خطر الارهاب المبعد الذي سيكون من المجازفة الاعتراف بزواله-

– استمرار فضاء الساحل كمرتع لاقتصاد الجريمة  تنشط فيه عصابات المخدرات وتجارة الأسلحة.

 ومن هنا  سيكون من  الوجيه التساؤل عن  حقيقة المكاسب  التي تحققت  وحجم  المصاعب   المنتظرة   في الدولة المالية  فهل  بذلت  كل هذه  الجهود والفاتورة  السياسية والسيادية والاقتصادية.

 

 والإنسانية  لمجرد ضمان  العودة  الي المربع  الاول  أم أن الأمر كان يتطلبا علاجا بالصدمة  لتنقية الارضية  السياسية للانطلاق يتم فيه التخلص من  الخطر الارهابي والتفرغ  لمعالجة الاشكالاات  الوطنية  السياسية.

الأحدث