تخطى الى المحتوى

الحكامة السياسية بعد 53 عاما من الاستقلال

جدول المحتويات

 

وفي بلد كموريتانيا حيث الإقليم الصحراوي الجاف والتضاريس التي تتميز في معظمها بوجود السهول والمنخفضات وبقاطرة لا متناهية من الكثبان الرملية كلما اتجهنا نحو الجنوب ثم بوفرة الهضاب والمنخفضات كلما اتجهنا شمالا وشرقا، في بلاد تحوي الكثير والكثير من الموارد الاقتصادية الضخمة والنادرة في باطن الأرض وظاهرها.

 

 هذا حال الإقليم أما حال الشعب فهو مزيج من عرقيات ثلاثة ( البيظان ـ لحراطين ـ والزنوج ) ولكل منهما أثنيته الثقافية الخاصة به وعاداته وتقاليده وأعرافه المنسجمة في هذا الشعب المتسامح بطبعه والذي يدين بالإسلام و يكره العنف بكل أشكاله بعد أن تسامى وتجاوز بعض أخطاء الماضي المقيت ـ كاستعباد بعضه للبعض الآخرـ وإن كانت مازالت هناك حالات من ممارسة الرق في الأوساط الريفية الشاذة والمريضة والمتخلفة إلا أن غالبية المجتمع تخطو ولو ببطء شديد نحو محو مخلفات الرق كالفقرـ والأمية ـ والتفاوت الطبقي مبرزا بذالك قطيعة تامة مع تلك الرواسب التاريخية المشينة.

 

وبالتالي هذا الانسجام التام بين الإنسان والأرض لم يأت من فراغ و لم يكن وليد صدفة فهو نتيجة حتمية لولادة سابقة للزمان والمكان ويوجد من شواهد التاريخ و الأدب بشقيه الفصيح والشعبي ما يدعم ذالك، وهذا التفاعل هو ما تشكلت منه موريتانيا أو ما يطلق عليها بلاد "المورو" أي بلاد السمر.

 

لذا كنا هنا أمام حتمية تاريخية ملحمية تربط الإنسان بالأرض، وكنا هنا نسبح بين روابط تمتد من هضاب آدرار إلى سهول شمامه ، وكنا هنا بين وشائج قربي تمتد من ضفاف الأطلس حتى "حاس سيدي".

 

 وفي تاريخ البلاد الموغل في القدم تعاقبت حقبا من السلط على هذه الأرض من مملكة "غانا" مرورا بدولة المرابطين فالإمارات العشائرية المتناحرة في ما بينها مما نتج عنها تسمية أخرى لهذه البلاد وهي" بلاد السيبة" التي كانت السبب المباشر لاستنجاد بعض القيادات العلمية بالمستعمر الفرنسي ليبسط سيطرته على البلاد لعله يضع حداً لهذا الفلتان الأمني المعروف حينها بـ "السيبه" ؟

 

 وبالفعل جاء هذا الوافد المستعمر الذي لم يأت فقط من أجل حمايتنا ، بل كانت له مآربه الخاصة حيث حكم البلاد عقودا من الزمن سالبا خيراتها ومتطاولا علي شعبها وقاهرا ومكبلا لكل من تسول له الخروج أو التمرد على إدارة "سينلوي".

 

 لكن كل ذالك لم يثن الشعب والأرض عن التفاعل والترابط أكثر والوقوف في وجوه المستعمر ومقاومته ثقافيا في كل شبر من بلاد شنقيط بل وإعلان العصيان المدني عليه، وهذا ما جعل فرنسا تضيق ذرعا بهذه البلاد وإنسانها لتبدأ جديا في التفكير في منح موريتانيا استقلالها ـ وإن كان شبه مجاني ـ وخاصة بعد فشلها الذريع في ثورة الجزائر العظيمة.

 

***

 بعد استقلال موريتانيا عن فرنسا في الثامن والعشرين من نوفمبر 1960 عرفت البلاد نمطين من الحكم كان لكل منهما خصوصياته التاريخية والسياسية في تشكيل بنية الدولة الوليدة ؟

 

 

أولا الحكم المدني الشمولي:

ويمثله نظام الأب المؤسس الرئيس المختار ولد داداه حيث تم التحكم في دهاليز الدولة الوليدة وإبعاد كل الأصوات التي لا تنسجم مع نمط الحكم الشمولي السائد مما ولد فتورا بين السلطة والشعب وهي فترة شهدت فيها الدولة تأسيس وتشيد الكثير من البني التحتية كالطرق والمدارس والمقرات الحكومية والسدود وتأسيس العاصمة انواكشوط، رغم ضعف أو انعدام التفاعل بين الأركان بالشكل المطلوب أو المقبول وهو ما ولد نوعا من سيادة الحكم الفردي الأمر الذي نتجت عنه الكثير من الإخفاقات السياسية والاقتصادية والعسكرية كدخول البلد في حرب الصحراء تلك الحرب التي استنزفت القوي الاقتصادية والعسكرية للبلد الوليد وأدت لأول انقلاب عسكري في البلاد يوم العاشر من يوليو 1978.

 

 وهذه السلطة المدنية الفردية هي نمط من أنما ط فشل الحكم المدني الشمولي على الرغم من أن الرئيس المختار يحظى بتقدير الوسط الموريتاني بشكل مضطرد.

 

ثانيا الحكم العسكري الديكتاتوري:

وقد جسدته المؤسسة العسكرية بعد انقلاب 10 يوليو بعد وصول العسكر لسدة الحكم حيث تم تهميش الغاليبة العظمي من الشعب مما ولد نوعا من عدم الرضي عن الحكم لكن العسكر تداركوا الأمر حيث اعتمدوا سياسات قبلية وعشائرية وكانت جميع الامتيازات تمر من هذا الباب الضيق وحاولوا استنساخ الحكم المدني أكثر من مرة وفشلوا في ذالك أكثر وأكثر لتتولى عدة انقلابات داخل المؤسسة و يتم استبدال وجه بوجه في مسرحية هزلية مكشوفة.

 

 وتبقى التجربة المدنية المبطنة للعقيد معاوية ولد سيد احمد الطائع ( 1984 ـ 2005 ) هي العنوان الأبرز في الحقب العسكرية المتعاقبة وذلك باعتماده تطبيق النموذج الديمقراطي دون أن يدرك ما معناه فاصطدم بالواقع وزور الانتخابات مرات عدة معلنا بذالك فشلا نمطيا وتشويها خلقيا وخلقيا لتجربته الرائدة في القمع وتكميم الأفواه وتفقير الوطن والمواطن وسد أفق الحريات العامة والخاصة.

 

 وهو ما أفرز احتقانا لدى الشعب ورفضا شعبيا متزايدا لنمط الحكم العسكري القائم على الفساد والاستبداد ، والذي لم تكن النخب الثقافية والسياسية بمعزل عنه ، بل على العكس من ذلك كانت مشاركة فيه بقوة وما تزال، تلعب نفس الدور المنوط بها من قبل دوائر الأمن والمخابرات لوأد أحلام الشباب وتطلعات الشيوخ ..

 

وهذا ما ولد قطيعة بين أركان الدولة الفتية نتيجة لاستياء المواطن من رداءة الخدمات وانعدام البنى التحتية التي لم ينجح هذا النظام العسكري أن يحقق فيها إنجازا معتبراً، وهو ما حدا بالمؤسسة العسكرية أن تترجم الاحتقان المتزايد إلي انقلاب على النظام من أجل المحافظة على التموقع والتكيف من جديد والظهور بمظهر الأب الوصي والفارس المخلص محاولة بذالك رأب الصدع واحتواء الكراهية المتزيدة للحكم الديكتاتوري وهذا فشل آخر ..

 

كل هذا الوعي الشعبي بخطورة الحكم العسكري على مستقبل البلاد، فرض على المؤسسة العسكرية أن تغير حساباتها وأن تفكر بطريقة أخرى تحكم بها الشعب والبلاد من وراء ستار.

 

وما كان دعمهم لوصول الرئيس سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله لسدة الحكم إلا نوعا من مغازلة المدنين لامتصاص غضب الشارع المحتقن قبل انقلاب 2005 وليس رغبة منهم في الإصلاح وهذا ما تأكد حين تمت تنحيته في انقلاب سافر لا يستند لأبسط قواعد قانون اللعبة الديمقراطية لتدخل الدولة في نفق مظلم منتجة من جديد زواج متعة بين العسكر والغالبية العظمى من النخب السياسية في البلد لأمر الذي أدي إلى اختطاف البلد وإبعاده عن جادة التنمية المتعطلة منذ 1978 وانتشار الفساد بشكل ممنهج بين أوساط خاصة من الشعب الذي يتقاسمه الجوع والجهل والمرض.

 

فكل الإصلاحات المزعومة من طرف السلطة لم تزد النظام إلى عزلة في الداخل والخارج.!!

 

وكل الاستحقاقات الزائفة التي دخلتها البلاد لم تنجح في تثبيت أركان النظام بشكل مقبول ومقنع لأفراد هذا الشعب الذي يئن من وجع الواقع المرير والمزري.

 

وكل المشاريع البراقة كمكافحة الفقر والأمية ومكافحة الرق والخطط الإستعجالية لم تزد النظام إلا سقوطا وترديا..

 

وعلى هذا الأساس لم يبق أمام الدولة من خيار داخل النفق المظلم سوى خيارين اثنين لا ثالث لهما:

 

ـ الخيار الأول: مواصلة العسكر للمسرحية وتعاقب القيادات العسكرية على سدة الحكم حتى يحين أجل التغيير الشامل الذي قد لا تتوفر فيه الضمانات اللازمة لتماسك كيان الدولة في ما إذا اتجهت الأمور في هذا الإتجاه وهو الخطر المؤرق والخيار الأسوأ.

 

ـ الخيار الثاني: وهو تخلى المؤسسة العسكرية عن السلطة بشكل طوعي وجاد، والإشراف على انتقال سلس للسلطة إلى المدنين مما يضمن استمرار النواة التكوينية للدولة وتماسكها وهذا الخيار هو الأفضل لأنه سيؤسس لمرحلة من التطبيق الديمقراطي الجماعي وتأسيس دولة القانون والمؤسسات بعيدا عن شمولية الحكم المدني الفردي وديكتاتورية العسكر وهذا ما يضمن التماسك الاجتماعي وتدعيم السلم الأهلي وتجسيد الديمقراطية كواقع معاش يعزز للشعب كرامته من جهة ومن جهة أخرى يضمن للمؤسسة العسكرية استرجاع هيبتها المفقودة في الدولة. وعندها ينعم البلد بالعدالة والحرية والتنمية الاقتصادية الشاملة مما سينعكس إيجابا على البنية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في البلد.

 

بقلم : محمد ولد عباد

الأحدث