تخطى الى المحتوى

جدول المحتويات

 

الأولى لم تكن على مستوى من النضج السياسي لـ"حماية "المشروع الديمقراطي الوليد، في حين أن الثانية لم تستطع احتواء ذات المشروع وتبنيه بل أبعد من ذلك لم تجد فيه سوى سحب لبساط طالما تمتعت به طيلة عقود من الزمن _ ولا تزال _ألا وهو بساط النفوذ والتحكم والسلطوية… ما يظهر وبجلاء عدم صدق "نية "المؤسسة العسكرية أو بعض أجنحتها على الأقل في مسألة تسليم السلطة للمدنين، الأمر الذي فجر أزمة دستورية خانقة ما تزال تبعاتها السياسية قائمة حتى الآن كان طرفا هذه الأزمة متمثلا في جناح الانقلاب بشقيه المدني والعسكري، والجبهة الوطنية للدفاع عن الديمقراطية بزعامة السيد مسعود ولد بلخير رئيس الجمعية الوطنية، وتحت لواء هذه الجبهة انضوت تكتلات وأحزاب سياسية رافضة للإنقلاب العسكري و"حركته التصحيحية.

 

 أبلت الجبهة حينها بلاء حسنا وتمسكت بشرعية الرئيس "المخلوع" وناضلت _ إلى حين _ من أجل مشروع طالما حلم به سياسيو ومثقفو هذا الوطن الجريح، ولم تعترف بانقلاب 6 أغسطس سوى زعيم المعارضة الديمقراطية السيد أحمد ولد داداه وآخرين…!!

 

وتلك مفارقة غريبة مفادها أن السياسي المعارض البارز الذي طالما عانى من ظلم وتزوير المؤسسة العسكرية إبان حكم أشد رجالاتها معاوية ولد سيد أحمد الطايع كان أول من أعطى إشارة الضوء الأخضر لما سمي بالحركة التصحيحية (الانقلاب) لحاجة في نفس يعقوب..!!

 

غير أن خروج الجبهة بالمسيرات في الشوارع وحشدها للجماهير كان كافيا لأن تجعل من نفسهاطرفا بارزا وقويا لمقارعة الإنقلاب العسكري الذي أدخل البلاد في عنق زجاجة لما تخرج بعد…!

 

 وفي سياق كهذا ومع اتساع الهوة بين الطرفين وعدم وجود أرضية مشتركة للحوار كان البحث جار عن وسيط إقليمي ودولي يسعى لحلحلة الوضع المتأزم سيما وأن المجتمع الدولي آنذاك _ وإن بشكل نسبي _ لم يكن راضيا عن الإنقلابيين بالرغم من الحجج والتبريرات التي ساقها دبلوماسيو 6 أغشت كما كشفت عن ذلك وثائق ويكيلكس المسربة من السفارة الأمريكية بانواكشوط وخصوصاالوثيقة المسربة عن اللقاء الذي دار بين وزير الخارجية الموريتانية آنذاك محمد ولد محمدو والسفير الأمريكي بانواكشوط حيث عبر الأخير عن عدم اقتناعه بما يسوغ له هرم الدبلوماسية الموريتانية… وبحكم الانتماء "الإثني" لموريتانيا كان اللاعبان البارزان في دور الوساطة هما الجامعة العربية والاتحاد الإفريقي ومن وراء هذين اللاعبين ضغط المجتمع الدولي ممثلا في مجموعة الاتصال الدولية على الأطراف من أجل تقديم تنازلات والدخول مباشرة في حوار برعاية إقليمية ودولية ليفضي ذلك الحوار فيما بعد إلى ما يعرف بـ"اتفاق دكار…".

 

 كان المراقبون حينها والمتتبعون للمشهد السياسي يرون في مضامين بنودالاتفاق "انتصارا" ولو طفيفا لوفد الجبهة المعارض وذلك بحصوله على مكاسب رابحة في ميدان المعترك السياسي تتمثل في تشكيل حكومة انتقالية ذات توافق وطني تتمتع المعارضة فيها بحقائب وزارية سيادية: (الداخلية، الاتصال، المالية…) وإجراء انتخابات رئاسية مبكرة تتولى الإشراف عليها لجنة وطنية مستقلة للإنتخابات… غير أن الواقع لم يكن كذلك إذ أنه للأسف وبحكم ممارسة المؤسسة العسكرية الطويلة للسياسة ودهاليزها كان الانقلابيون مستعدون لتقديم كل التنازلات ككبش فداء لبند واحد يبدو أنه فيما بعد هو الأساس المغذي للمشكل ألا وهو ترشح محمد ولد عبدالعزيز للرئاسيات القادمة؛ ففي لحظة من "اللا عقل السياسي" قبلت نخبتنا السياسية المفاوضة في دكار هذا البند دون النظر في أبعاده وتأثيراته ضف إلى ذلك عدم أخذ ضمانات إقليمية ودولية تجبر الانقلابيين على تطبيق بنود الاتفاق كاملة غير منقوصة…

 

وكأن خلع العسكري لبزته العسكرية واستقالته من الجيش لأجل الترشح أمرا كافيا لأن يجعل من حكمه حكما مدنيا ديمقراطيا!!!

 

 بيد أن حكم الانقلابيين فترة _ ولو قصيرة _قبل الانتخابات وزيارة الجنرال وقادة المؤسسة العسكرية للداخل ولقاء شيوخ القبائل وظهور مبادرات الدعم والمساندة اللا مشروطين كلها أمور كانت كافية لأن تضمن للرجل مساره الانتخابي في مجتمع القبيلة فيه أقوى من الدولة، وأن تنسف كل المكتسبات الشكلية لوفد الجبهة المفاوض وذلك ما اتضح جليا في انتخابات يوليو 2009، والتي انتهت لصالح الرئيس محمد ولد عبد العزيز بنسبة 52%  انتخابات كانت الداخلية حينها بيد المعارضة والإعلام بيد المعارضة والاتصال بيد المعارضة والفشل أيضا كذلك بيد المعارضة…!!  لتسفر الأيام فيما بعد أن حكم ولد عبد العزيز ليس إلا طبعة من طبعات الحكم العسكري بسلوكه وتصرفاته وأن رجال "الأحذية الغليظة" ما يزالون موجودون وبقوة على أرضية الملعب السياسي يغيرون تكتيكاتهم في هذا الملعب تبعا للظروف والمتغيرات من خلال برلمانيي النفاق وأحزاب الورق… ومع مرور عامين تقريبا من حكم ولد عبد العزيز يبدو أن نخبنا السياسية فاقت من غيبوبة دكار لتجد أنها كانت ضحية "خداع "الرئيس ووفده المفاوض معه وأن ما تبقى من بنود دكار لم يعد يعيره رئيس الجمهورية كثير اهتمام فالأزمة في نظره انتهت مع شرعية الصندوق و"اتفاق دكار"  ليس إلا قنطرة عبور للوصول إلى سدة الحكم، غير أن "شرعية الصندوق" هذه لم تنه أزمة 6 أغسطس بالكامل ولم تزح ضبابية المشهد لأن بندا أساسيا من بنود دكار لما يرى النور بعد ألا وهو البند السابع الذي ينص بالحرف على "مواصلة الحوار الوطني الجامع الذي يبحث في إمكانية وضع ترتيبات سياسية للشراكة في ممارسة الحكم والارتقاء بالحكم الراشد ودولة القانون واحترام حقوق الإنسان…إلخ " يبدو أن هذا البند كان آخر ورقة في صالح المعارضة ومع ذلك _ وكعادتها _ لم تحسن استغلاله بآلية سياسية تشعر الرأي العام بأن اتفاق دكار لم تنفذ بنوده _ كاملة _ بعد…!  لكن أنى للمعارضة ذلك وقد بدا كل حزب من أحزابها (وذلك ملمح من ملامح الفشل المستمر) في اتخاذ استراتيجيته الخاصة في الـتعامل مع النظام الجديد فوق الطاولة أحيانا وتحتها أحايين أخرى، وهي بذلك تكون قد قدمت للنظام – من حيث لا تشعر – هدية سياسية على طبق من ذهــب"…!! هدية "ستحصد المعارضة ثمرتها حتى ولو بعد حيـــن… إلا أن إستراتيجية قوى المعارضة تلك لم تعمر طويلا لأن الحكم العسكري ليس من أدبياته الشراكة في الحكم ولا الحقب الوزارية التوافقية… لتعود الأزمة السياسية  الحاضر الغائب – من جديد وتكشف مرة بعد أخرى فشل نخبنا السياسية في التصدي للمؤسسة العسكرية وألاعيبها وتحمل معها هذه المرة مفردات من نوع آخر بدأت تنضاف إلى قاموس المشهد السياسي المتلبد لتزيده ضبابية وتعقيــــدا، حينها كان الربيع قد فعل فعلته في تونس ومصر وبدأت شرارته تمتد إلى دول الفساد والاستبداد، غير أن تقييم نخبتنا "المتواضع" للوضع الإقليمي وتداعياته – رغم اختلافه طبعا- لم يكن على مستوى الحدث فقد أعطى الربيع العربي للمعارضة ورقة ضغط قوية يمكن استغلالها لأكثر من مكسب سياسي غير أنها أضاعتها – وأي فتى أضاعوا – في متاهات الحوار مع النظام والمطالبة بالرحيل مع أن كلا الأمرين لم يحقق نتائج مهمة تحفظ للمعارضة ماء وجهها المسكـوب…!! وإبان هذه المرحلة (الحوار… الرحيل) كان هناك شد وجذ ب فـي الساحة السياسية لم يثمر سوى الجدل واللغط السياسي كانت وحدها مؤسسات الدولة هي الضحية لذلك السجال وأصبحت منتهية الصلاحية وعرضة لتصرفات النظام وحاشيته دون رقيب أو حسيب… عونه في ذلك أغلبية سياسية تمتهن الكذب والتزلف وتحسن الطـمع والاسترزاق على مائدة "ولي الأمر" حربائية اللون صبيانية الطرح لا تعرف معروفا ولا تنكر منكـــــــرا… ليستمر العسكريون في إكمال مسرحية 6 أغشت الانقلابية متجاوزين بذلك "العقل السياسي" بالقوة طورا وبالحيل والمراوغة أطوارا أخرى ما يطرح تساؤلات عديدة عن مدى قدرة النخب السياسية على مواجهة الانقلابيين في ميدان المعترك السياسي وعن آلية بناء عقل سياسي وطني قادر على انتهاز الفرص ومواكبة الظروف والمتغيرات…؟؟

 

مرة أخرى يسعى الانقلابيون في تكريس شرعيتهم من خلال الصندوق في انتخابات "عرجاء" تغيب عنها قوى معارضة وازنة يحسب لها حسابها انتخابات لا تحل المشكل ولا تنهي أزمة 6 من أغسطس بل وعلى العكس من ذلك تعمق الأزمة وتزيد الطين بلة، غير أن ثقافة تأجيل الأزمات والترويج لها أمر من شأنه أن يجعل الرأي العام يتقبل وبطريقة لا شعورية ما أوصل إليه الانقلابيون والــساسـة وطنهم الجريح من ردة ديمقراطية وفشل سياسي محبط ليبقى الوطن والمواطن البسيط هما الخاسر والضحية… إلى أن تخرج الديمقراطية من أصلاب هؤلاء من يؤمن بها حق الإيمان ويضحي من أجلها (فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين).

الأحدث