تخطى الى المحتوى

جدول المحتويات

 

يقول الجاحظ – رحمه الله – عن المعاني وعلاقتها بالألفاظ: إن "المعاني مطروحة في الطريق، يعرفها الأعجمي والعربي والقروي والبدوي، وإنما الشأن في إقامة الوزن وتحبير اللفظ وسهولته وسهولة المخرج، وفي صحة الطبع وجودة السبك".

 

وكذلك الدين بعث الله به النبي صلى الله عليه وسلم لجميع الناس بألوانهم وأعراقهم ودياناتهم وأجناسهم، فهو مطروح في الطريق للجميع، والناس في أصل الحق فيه سواء، لكن المتعلمنين في عمومهم لا يقربون الدين ولا يريدون غيرهم أن يقربه، وهم في حقيقة أمرهم يرون التدين ردة عقلية ويؤمنون أن البشرية قد بلغت سنّ الرشد العقلي وتجاوزت التفسير الديني للحياة، لكن أكثرهم إنما يرفضون الدين الذي يوجههم ويأمرهم وينهاهم ولا يرفضون الدين الذي يوجهونه؛ أي أن مشكلتهم مع الدين ـ الغاية، وليست مع الدين ـ الوسيلة؛ فدين بلا حياة قد يكون أفضل من حياة بلا دين.

 

أما المصفّقة فقد ضربت هي وجنرالها الحاكم أمثلة مخجلة من اتخاذ الدين قناعاً ومركوبا إلى غايات سياسية لا يبدو قصد وجه الله فيها ظاهرا ولا خفيا، وسأورد في ذلك أمثلة:

 

ـ في حكومة انقلاب 2008م عيّن الجنرال فقيهاً وزيرا للشؤون الإسلامية، لكنه سرعان ما اتهمه بعدم الأمانة، فصار يصفه بأوصاف غير لائقة، مثل: "كَبـَيْ" و"شيفْ دَ بانْـدي" وجعل يتندّر عليه أمام بعض الوزراء فيسأل قائلا: "شيفْ دَ بانْـدي ما فاتْ جَ" ، ثم لم يلبث أن عزله فظن الناس من الرجل صدقا في محاربة الفساد كما يدعي، لكن ذلك الظن لم يغنِ من الحق شيئا؛ فالجنرال يستغل اليوم مكانة هذا الفقيه وزعامته الروحية لمنافسة حزب "تواصل" ذي المشروع الإسلامي، ويدفعه وغيره دفعا إلى الدعاية الرسمية باسم العلماء وسفارة الرسول عليه الصلاة والسلام لجلب ناخبين قد يتأثرون بذلك.

 

ـ يوم الأحد 29 أبريل 2012 خرج الجنرال إلى مجموعة من المتظاهرين ضد حرق منظمة "إيرا" لكتب الفقه المالكي، كان مُعتجراً عمامةً من "بلْعلْمَة" وقد لفها من تحت ذقنه متمظهراً بمظهر الموريتاني الأصيل، فتعهد أمام الغاضبين والعالم بتطبيق الشريعة الإسلامية "بكل صرامة" على حُرّاق الكتب، وقال إنه لا يقيم للعلمانية وزنا، وإن "الدين فوق كل ديمقراطية".

 

لكن الأيام كشفت أن هذا محض تضليل واستغلال للدين لشغل الشعب عن مطلب الرحيل والتشويش على المعارضة التي كانت توشك أن تعصف بحكمه؛ فبعد ثلاثة أشهر عفا الجنرال عن حُرّاق الكتب، ولم يعرف الشعب هل طار حكم الشريعة أم نزل؟ وليت هذه كانت خاتمة التضليل وخداع الشعب بالتدين الزائف؛ فقد ارتكب الجنرال سيئة كبرى ومخالفة جسيمة للشريعة عندما دسّ – لأسباب مشبوهة – في قرار العفو أسماء عصابة مخدرات دولية معروفة كانت في السجون الموريتانية، مستغلا انشغال الناس بخبر العفو عن مجموعة "إيرا".

 

ـ يوم الإثنين الماضي حشر كبير أحزاب المصفّقة في نواكشوط مجموعة من بسطاء الأئمة الراغبين في عيش بارد ورواتب غير مقطوعة ولا ممنوعة يتقدمهم بعض فقهاء الموالاة بالفطرة، فحرق وجوههم ووجاهتهم في مهرجان سياسي يفيض تناقضا ووصولية، ويتقنّع بالدين ولا يقتنع به. لقد اعتبر الأئمة المأمورون الحديث عن المرجعية الإسلامية في البرامج الانتخابية استغلالا للدين في السياسة، ثم وقعوا على بيان تأييد لحزب المصفّقة والجنرال، ثم انصرفوا..

 

إن حالة التعبير عن الدين للملتفتين إليه في شؤون حياتهم تختلف باختلاف المعبّرين وإدراكهم، وباختلاف صدقهم وإخلاصهم في الأساس؛ فالآكلون بالدين الذين لا يعطونه إلا فضول برامجهم وأموالهم ولا يتذكرونه إلى في المضائق السياسية والانتخابية إنما يتخذونه قناعاً أو عمامة من "بلْعلْمَة" يكورونها على رؤوسهم عند الأزمة ـ كما فعلوا ـ وينقضونها بعد انفراجها.

 

الدين في بعض البرامج الفكرية والسياسية الموريتانية مؤسس معرفي أصيل وقناعة منصوبة، لكنه في بعضها مجرد قناع ومدرج نفعي وصولي.. وإن بين القناعة والقناع ما لا يقلّ عن فرق واحد.. وقريبا ستعلو القناعة ويسقط النصيف إن شاء الله.

الأحدث