جدول المحتويات
حيْثُ كانتْ الاسْتِقلالية مَلاذَ نوْعيْنِ من الناس: المُغَاضِبين المُسْتَغِلِّينَ،الذين لا يَدِينُونَ بوَلاءٍ راسخ،لِأيِّ شيْئٍ سِوَى مَصالحهم ومَنافِعهم، والأحْرارِ المُسْتَقَلِّينَ الحقيقيين الذين،لايَجِدُونَ أنْفُسَهم في الانتماء الحِزْبي،لا للْمُوالاة،ولا للْمُعارضَة، وحتَّى لو كانوا مُعارضين صادقين،على طريقتهم الخاصة، التي لمْ تَقْتَنِعْ أبَدًا بالإطار الحِزْبي السائِد،لا هُنا، ولا هناك.
وبناءً على أنَّ خِيارَ الاستقلالية كان – في نَظَرِي- أكْثرَ مُلاءَمَةً لِطَبِيعَةِ البنْيَةِ الاجْتِمَاعِيةِ والنفسية الموريتانية العميقة،سَلِيلَةِ بلادِ السَّيْبَة،وأسْلافِها الذين قال عنهم ابنُ خلدون:إنَّهم تَوَغَّلُوا في هذه الصحْراء انْتِبَاذًا بالعِزَّةِ عن ذلِّ السُّلْطَانِ،ونظرا لأنَّ التَّعَاطِي مَعَ الاستقلالية – علَى ضوْءِ مَا تقدَّمَ- كانَ أقْوَى من التَّعَاطِي معَ التَّحَزُّبِ الهَشِّ لَدَيْنَا، فإن المُتَحَزِّبينَ منَ المُوَالاة والمُعارضة- وهُمَا اسْمانِ مُتَغَيِّرَان،يَتَبَادَلانِ المَوَاقِع –غالِبًا- حسْب سُرْعَة تغيرالمَصالح والمَنافِع- قد اتَّفَقَوا على القَضَاءِ على الاسْتِقْلالية، حِمَايَةً للْحِزْبِيَّةِ، وتَقْوِيةً لها، في زعْمِهِمَا،فَوَأدَاهَا حَيَّةً،باسْم القانون،رغم أنَّ القانونَ بريئٌ من دَمِها بَراءَةَ الذئْبِ من دَمِ يوسفَ،حيث إنَّ وظيفتَهُ الأساسية هي حِماية الحُرِّياتِ، لا مُصَادَرَتُها،ولِهذا فهو يَصونُ الحُقُوقَ،ولا يُقيِّدُها ، بدُونِ سَنَدٍ شَرْعِيٍّ، وهنا لا شك أنَّ ضَعْفَ المُؤسَّسَةِ الحِزْبية،وسُوء اسْتِغْلالِ الاسْتِقْلالِ منْ قِبَلِ الانْتِهَازِيِّينَ لايَكْفِيان مُسَوِّغًا لإلْغَاءِ حَقِّ الاسْتقلالية، مع أن هذا الحظرَ ليسَ فاقِدًا للشرْعية وحْدَها، وإنَّما هو فَاقِدٌ لِلْجَدْوَائية أيضا.
والدليلُ على ذلك أنَّ هذه الانتخاباتِ المَوْعُودَةَ، أوْضَحَتْ أنَّ المُتَسَيِّسِينَ مَازالوا يُمَارسُون استقلاليتَهم،ولوْ داخلَ إطارها الحِزْبِي المَفْرُوض قسْرًا،فترَحُّلُهم منْ حِزْبٍ إلى حزْب، مُغاضِبين،أومُكْرَهين،أكْبَر بُرْهان على بَقَاءِ الاسْتِقلالية مُتَجَذِّرَة،وعلى اسْتِمْرار هشاشة الولاء الحِزْبي،كما يعْني هذا أيضا أن هذه الشريحَةَ العَريضة من المُواطِنين،مهما كانت مخلصة في استقلالها، أومنافقة،جديرَةٌ بصيانة حُرِّية اخْتيارها قانونيا،لأنها تكادُ تُمَثِّلُ أغْلبيةَ المُواطِنينَ، وقد كَانتْ مُسْتَقِلَّة،وما تزالُ تُمَارِسُ اسْتِقلاليتها المَحْظُورَة، منْ خِلال رفْضِ التَّحَزُّب،حتى ولوْ كَلَّفَها ذلك اعْتِزالَ مُمَارَسَةِ السياسة مُكْرَهَةً،أومِنْ خِلالِ تَقَمُّصِ الحِزْبِية رِئاءَ القانون،ثمَّ الترَحُّلِ – داخل فضائها- بيْن الأحْزاب انتجاعًا للماء والكَلَإِ ،والمَطامِح، والمواقع،أيْنَمَا لاحَ لهذا الصنْفِ بَرْقُ طَمَعٍ،ولوْ كانَ خُلَّبًا،وحَيْثُما اغْتَرَّ بِرائِدٍ سياسي، كثيرًا ما يَكْذبُ أهْلَهُ.
وباعْتِباري أحَدَ المُؤْمِنين بالاسْتِقلالية المَوْءُودَة،فإنِّي وإياها نَنْظُرُ إلى المَشْهَدِ السِّياسِي الراهن،الأكثر فوْضَوية من أيِّ وقْتٍ مَضَى،بِنَظْرَةٍ تَهَكُّمِيةٍ،تُشْبِهُ شيْئًا ،يُسَمُّونَه الشَّمَاتَة، لا نَعْرفُه- حقا- في مَنْظومَتِنا الأخْلاقِية،مُحْتَجِّينَ : بأيِّ حَقِّ يُجْبَرُ المُواطِنُ – رغْمَ أنْفِه- على الدخول في دوائرَ وهْمِية في غالب حالها،سَاعَدَهَا جِهَازُالدَّوْلَة الإداري على انْتِحال أسْماءِ أحْزابٍ،لمْ تسْتطعْ –في أكثرها- أنْ تُقْنِعَ النَّاخبين بالإيمان بها،ولا حَتَّى مُفْتَعِلِيهَا بالبقاءِ فِيها،ولمْ تتكاثرْ بذلك الشكْل غيرِ المَوْجودِ في مَواطِن الديمقراطية الحقيقية،إلا لأنَّها تُعَبِّرُ- في اختيارات إنشائها-عن الآراء المُسْتقلة، أوالمُناوَرَاتِ المُتَعَدِّدَة،أكثرَ مِمَّا تُمَثِّلُ اتِّجَاهاتٍ حِزْبِيةً قائمةً على فلسفةٍ سياسية عميقة،وخلفيةٍ إيديولوجيةٍ راسخةٍ، وخطٍّ سياسي واضِحٍ المَعالم.
ومن هنا،نُسَجِّلُ اسْتِغْرابَنَا أنْ يتَمَالُأَ رجالُ قانوننا،ومُشَرِّعِونَا في البرلمان، وسَاسَتُنَا- معَ خَيْبَةِ مَسْعَاهمْ -على خرْقٍ قانوني وحُقوقي وسياسي بهذا الحجْم،وإذا كان ديننا الحنيف،يُقِرُّ- بعْدَ تَبَيُّنِ الرُّشْدِ من الْغَيِّ – أنْ{لا إكْرَاهَ في الدِّينِ}،أفأنْتمْ تُكْرِهُونَ النَّاسَ على أنْ يَكُونُوا حِزْبِيِّينَ ؟!
وهُنَا لابُدَّ – فِي الخِتَامِ- أنْ نتَساءَلَ باسْم الاستقلالية المَغْدُورَة:{وإذا المَوْءُودَةُ سُئِلَتْ بِأيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ} كيْفَ يُجيبُ وَائِدُوهَا والمُتَمَالِئُونَ معهم؟!
الدي ولد آدبّ