جدول المحتويات
لكن تسبقه حملة تحسيسية تسوق وجهات نظر القادة والمناضلين الفعلييين ما يجعله يتناسب في النهاية مع إرادة القيادة. ولعلنا نستذكر أهم قرارات الحزب التي أثرت عليه سلبا وأضرته في الصميم نقصد هنا قرار دعم المرشح صالح ولد حننة، الذي تم بضغط من الصف الثاني في قيادة الحزب، لكنه قرار لم يفق الحزب فيه، وكشف ظهره في أول استحقاقات كان يمكن أن يستثمرها في تعزيز انطلاقته الأولى نحو المعترك.
لكنه خضع في ذلك القرار لاعتبارات مؤسسية وليست اعتبارات سياسية، وهنا مكمن الخطأ. توقعت حينها أن يدعم الحزب المرشح الزين ولد زيدان، وما زلت أجزم انه لو فعلها لكانت موازين القوى تغيرت كثيرا في تلك الانتخابات.
ولكان حزب تواصل وفي أول خطوة يخطوها أثبت للنخبة السياسية الأيدلوجية منها والتقليدية أنه حزب سياسي ينطلق في اختياراته من رؤية استراتيجية تخدم في البداية مصالحة ومكاشفة مع جميع الاطر السياسية وخصوصا القوى التقليدية المنفتحة على المجتمع، ولكنه ركن وخضع في قراره ذلك لضغوط وعناوين تصلح للنضال الحر أكثر منها للنظرة السياسية الحصيفة، وراعى ردود فعل آنية من جهات ورفقاء جمعتهم مواقف مشتركة استفاد منها الطرفان وكانت استفادة الإسلاميين منها أقل بقليل من استفادة غيرهم.
حيث كانت بعض القوى السياسية تستغل موقف الاسلاميين القانوني الضعيف والفيتو الرسمي المتخذ ضدهم من قبل السلطات، لابتزاهم في مواقفهم وشن حملات إعلامية مكثفة قبل وبعد كل قرار يتخذه الإسلاميون للضغط عليهم والتأثير على قرارهم، بالمن والسلوى وذكر ايام المطاردة والسجون، وظل هذا السيف مسلطا على رقاب الاسلاميين، قبل وبعد ترخيص حزبهم، وبدى واضحا من خلال اعتراف حزب تواصل بفوز محمد ولد عبدي بالريئسيات أن الحزب بدأ يشب عن الطوق، ويتخذ مواقف مستقلة وآحادية.
وكانت الفترة التي قضاها في ما سماه بالمعارضة الناصحة أزهى فتراته السياسية -حسب وجهة نظري- لكن أحداث الربيع العربي والثورات الشعبية أفسدت عليه تخطيطه، وركب موجة الرحيل التي تحمل بوادر فشلها من البداية نظرا للاختلاف الجذري بين الاوضاع في موريتانيا الخارجة لتوها من انتخابات، وبلدان الثورات العربية التي تحكمها أنظمة مستبد ومعمرة.
القرار الأهم:
تقاس حنكة وخبرة أي حزب سياسي بمدى توفيقه وتقديره للمواقف السياسية، وتغتفر كل الأخطاء المؤسسية إن نجحت القرارات السياسية في لاحق الأيام، ورغم أن قرار حزب تواصل بالمشاركة لم تترتب عليه نتائج واضحة لحد الساعة قد يمكن القياس عليها إلا أن القرار من الناحية السياسية قرار موفق وصائب وستترتب عليه نتائج مغايرة تماماً لما ترتب على القرار المؤسسي اللاسياسي -قرار دعم صالح ولد حننة- من أهم تلك النتائج مواصلة الاستقلال في اتخاذ القرار بغض النظر عن مواقف رفاق النضال الأمس، بكل حرية ودونما حرج رغم كل السهام الغادرة التي توجه للحزب وقراره، وما هي إلا تأكيد لما ذكرته آنفا فأغلب الأحزاب المعارضة تنظر إلى تواصل نظرة استغلالية وتستخدم إمكاناته التعبوية والتنظيمية لتمرير أنشطتها.
النتيجة الثانية:
تغير النظرة العامة للحزب من طرف كثير من النخبة السياسية باعتباره حزبا سياسيا كباقي الأحزاب بعيدا النظرة الأيديولوجية الضيقة وهذا إنجاز مهم، وفر على الحزب كثيرا من الوقت والجهد ومحاولة إقناع الناس بهذا المعطى المهم، قد يقول البعض إن المنضمين الجدد للحزب ماهم إلا أصحاب مصالح يذهبون حينما تنقضي، وأنا متفق تماماً مع هذا الطرح لكن تحالفهم مع حزب تواصل وخدمتهم في فريقه البرلماني أو البلدي تعطيهم فرصة مهمة للحكم على الحزب بشكل عملي وميداني، بعيدا عن الإعلام والاتهامات الجزافية باستغلال الدين أو احتكاره أو غير ذلك من التهم الجاهزة، لكن التحدي الحقيقي للتواصليين هو تقديم صورة معتدلة وسياسية صرفة ناصعة للمناضلين السياسيين غير الحركيين، والتقليل من الموافق الحدية، والحد من لغة الخطاب الحركي الصارم والموجه.
النتيجة الثالثة:
وهي نتيجة سياسية آنية قد تكون أقل النتائج السابقة أهمية على المستوى الاستراتيجي وتتمثل في استغلال الفرصة للتقرب من المواطنين وشرح برامجهم وتصحيح الأخطاء التي حصلت إبان الحملة الرئاسية، ومعرفة البعد الشعبي الحقيقي للحزب على مستوى الجمهورية.
بالنظر إلى النتائج المتوقعة من قرار المشاركة في الانتخابات القادمة من قبل حزب تواصل ندرك أنه من أهم القرارات في تاريخ الحزب إن لم يكن الأهم رغم شعوري وامتعاضي الشديدين من نظرة كثير من مناضلي المعارضة التقليدية لحزب تواصل وهجومهم الغير مبرر على كل قرار لا يتماشى ونظرتهم للواقع، من خلال جيوش إعلامية لازتاخذهم في الحزب وقراته إل ولا ذمة، ولا سابقة نضال ومودة، إلا تلك الأحزاب تبقى من أهم الأحزاب واكثرها إيمانا بالدولة والديمقراطية وبقاء التواصل معها في الحد المطلوب أمر مهم مع فتح قنوات أخرى لاستدراج القوى التقليدية ذات البعد الشعبي المرجح.
فالسياسة كما يقال فن الممكن وتكييف المواقف والخطط لا يتم حتما إلا من خلال التماشي مع الواقع وتحوير ميكانيزماته شيئا فشيئا في النهاية يعجبني في حزب تواصل تنظيمه وموسسيته، لكني أعتقد أن المعيار الأول في اتخاذ القرارات السياسية الحاسمة هو بالتأكيد معيار سياسي أكثر منه مؤسسي، وما قرار دعم صالح عنا ببعيد.
سيدي محمد ولد ابهادي