تخطى الى المحتوى

نظرية عود الطيب وجدواها في الظرف الموريتاني

جدول المحتويات

بعيدا عن الخوض في جدلية طبيعة مراحل التاريخ السياسي الموريتاني والأسس التي قد يقام عليها أي تصنيف له فإننا نلتمس العذر من أولي الخبرة جميعا لتطفلنا عليهم وفي اعتمادنا سنتهم في هذا المقال بأربع مراحل محاولين ربط بعضها بسياسة عود الطيب وإظهار مدى جدوى اللجوء إليها في التعامل مع الأحكام والحكام.

  

والمرحلة الأولى تمثلها الفترة التي كانت موريتانيا تعرف فيها ب"بلاد السيبة" وواجهت فيها طلائع المستعمر بمقاومة تباينت في أوجهها وحدتها وطول أمدها حسب المناطق وطبيعة سكانها؛ وتلك المقاومة وما صاحبها وانجر عنها من أضرار كان بدافع منع أهل (ملة) الكفر من السيطرة على البلد وخشية التأثير في هويته الدينية والثقافية والاجتماعية أكثر من الخوف من استعباد الشعب والاستحواذ على المقدرات الاقتصادية للبلد.

 

ونختزل مرحلة ما قبل الحصول على الاستقلال عن المستعمر في ظهور حركات سياسية برزت تارة في شكل أحزاب منها ما سعى إلى الاستقلال عن المستعمر وقيام دولة موريتانية لصالح شعبها بمختلف مكوناته‘ ومنها ما عارض هذا المسعى وأنقسم ولاؤه بين مؤيد لاستمرار الاستعمار ووحدوي تنبأ قبل غيره بعصر التكتلات الكبرى.

 

وبعد الاستقلال اختفت تنظيمات سياسية وظهرت أخرى قاسمها المشترك المحافظة على الاستقلال و ضرورة العمل على تقوية الدولة المركزية لكنها تختلف في الأساسيات السياسية والاقتصادية والاجتماعية للمشروع المجتمعي الذي يمكن من خلاله تحقيق تلك المساعي والأهداف.

 

ولغاية انقلاب 1978 استطاع الحزب الواحد أن يدير الدولة ويدبر أمرها بلا منافس معتمدا على القوة التقليدية وتناقضاتها والإدارة الموروثة عن الاستعمار من وطنيين وأجانب والاستغلال المحكم لجميع عوامل التمكن لقائد يسعى إلى بناء دولة من العدم؛ وفي هذه الفترة استطاعت بعض الحركات أن ترغم الحاكم على الاعتراف بوجودها ودورها السياسي في الساحة الوطنية أفرادا وجماعات لها مرجعيات إيديولوجية وتمدها الدول الوصية بالدعم الذي تطلبته تلك المرحلة وسمحت به الظروف وطنيا ودوليا. ومن هنا بدأت استيراتجية الحكام تمزج الاعتماد على العوامل التقليدية المتعارف عليها باستغلال اختلاف مشارب القوة السياسية الصاعدة.

 

وكانت المرحلة العسكرية التي لم تنته ظاهريا إلا عند الموافقة على دستور 21 يوليو 1991 قد تميزت بتراجع شعبية الحركات اليسارية لصالح الحركات القومية والدينية وذلك لأسباب موضوعية منها طبيعة المجتمع الموريتاني وسخاء الدول العربية التي كانت تتنافس على ولاء الدولة العربية الوليدة قيصريا في غرب إفريقيا على ضفاف المحيط الأطلسي وحلقة وصل بين العالم العربي والقارة السمراء وأخيرا انتهاء الحرب الباردة بين الشرق والغرب. وكان توجه الموريتانيين نحو الديمقراطية شابه ابتداء الاعتقاد بأنها وافد جديد فرضته فرنسا على مستعمراتها السابقة عبر اتفاق لابول ولم يعيروها اهتماما كبيرا‘ ولكن سرعان ما رأوا أن ذلك الوافد الغريب فرضه أيضا الغرب بكامله في تعامله مع غيره من دول العالم.

 

 وعلى الرغم من هذه الحقائق كلها ومن التغيرات الجوهرية التي عرفها بلدنا نظريا على طريق التعددية الحزبية ظل القائمون على أمر الدولة يظنون (وبحق) أن التطبيق الشكلي للديمقراطية يقيهم شر الغرب ويضمن دعمه كما أنه يكفيهم امتصاص نقمة السذج من الناس محليا وإضعاف حجة الإفلاطونيين أمام الشعب ثم منع الجميع من الوصول إلى سدة الحكم عن طريق صناديق الاقتراع؛ وكان اقتناع الجميع بمسلمة "لا فرصة في التناوب السلمي على السلطة" وتزامن رفع هذا الشعار مع تضاءل الدعم الخارجي بالنسبة لأغلبية المعارضة النشطة كل ذلك أعاد الصراع حول التقرب من الحكام واللجوء من جديد إلى نظرية عود الطيب أو نظرية البخور التي تتلخص في "أحرقه لتستمتع برائحته الطيبة" أو"هز الخصم قويا يتساقط عليك رطبا" وهو ما يعني بعبارة أخرى أن الهين اللين المنضبط في ولائه لأي نظام يجيء يصبح مع مرور الزمن جسرا منيعا يعبر علية أصحاب هذه النظرية المبنية أساسا على الكر والفر وميراث حكم الاستعمار والجمهورية الأولى في التعامل مع الشعب. والتقطيع الإداري للدوائر الانتخابية والتقري العشوائي اعتمدهما النظام في عملية مراقبة الولاء واستخدمهما السياسيون في غيظ النظام ومعارضته.

 

 واستحضار هذه النظرية اليوم جاء بعد موجة الاحتجاجات التي عقبت صدور اللائحة العامة لمرشحي الاتحاد من أجل الجمهورية للانتخابات التشريعية المقبلة وما تلاه من تصرفات ضاغطة من لدن أفراد وجماعات وقبائل يشكون كلهم الغبن وإعطاء الغلبة لمن لا يستحقونها ويتحججون بنتيجة عملية بسيطة تقوم على إسقاط أولي لأسماء المرشحين حسب القبائل والولايات عموما وعلى إسقاط ثان لؤلئك المرشحيك على مستوى كل منطقة وإظهار نصيب كل فصيل قبلي أوعرقي. وهناك أيضا من استاء بسبب تفضيل القيمة الاجتماعية التقليدية والانتماء لحركات سياسية معينة على حساب العدالة ووفرة الحظ في النجاح. وقد أدى الفضول ببعض المستاءين إلى ما هو أخطر حيث قاموا بإسقاط الوزراء والوظائف السامية في الدولة على الولايات وبمقارنة النتيجة بالحجم الديمغرافي والقوة الناخبة لكل فصيل اجتماعي في مكان تواجده.

 

وقد لا يغيب عن الكثيرين أن ممارسة نظرية البخور عبر تاريخ دولتنا الحديثة ربما بدأت في الخمسينيات وتطورت تدريجيا حتى وصلت إلى صعود حركات متطرفة أو ضيقة الرؤى يتحكم التوجيه والدعم الخارجيين في مستوى مد عملها وجزره على الرغم من أن مسعاها لي ذراع الحكام وانتزاع مكاسب منهم. ومن أسباب اللجوء إلى مشاققة الحكام تكتيكيا رفض المحاصصة التي اتبعت في مرحلة الانتداب وطبقها الرئيس الراحل المختار ولد داداه والذين جاءوا من بعده إلى كرسي الرئاسة؛ والعارفون بمبدأ المحاصصة يرجعون اعتماده الضمني إلى تعدد القوميات وتجذر الانتماءات الضيقة داخل كل قومية وإلى مواقف أشخاص أو قبائل عبروا عنها قبل وبعد الاستقلال أو مجموعات بشرية لها امتداد خارج الحدود الحالية للدولة. وعلى الرغم من قبولنا لتطبيق الديمقراطية كطريقة في الحكم أصبح حرق عود الطيب من اختصاص الأوصياء على الشعب من قوى تقليدية ( شيوخ وأشياخ) ومن أصحاب مال تجارا كانوا أو موظفين خلقوا شعبية من خلال إمكانياتهم المادية وعلاقاتهم في الدوائر الحكومية بالإضافة إلى الحركات اليمينية.

 

فمن من جيل الاستقلال لا يتذكر أولا شخصيات وأسر خلد لهم التاريخ مواقف ما زالت تعود بالنفع لأحفادهم وقبائلهم وثانيا من هاجروا إلى دولة مالي المجاورة ولم يعودوا إلا بعد تطييب خاطرهم وهم الذين ذكروا بهذه المناسبة العام الماضي عند ما رفعوا راية ذلك البلد إبان احتجاجاتهم ضد العطش وقلة علف المواشي.

 

 ومن منكم لم يسمع بقصة من هاجروا اختياريا قبيل وبعيد الاستقلال أو حديثا بعد ما قيم به من تجاوزات وإجراءات تعسفية ضد إخوانهم مع نهاية الثمانينيات ومطلع التسعينيات أو ممن قاموا بهذا الفعل لحاجة في أنفسهم‘ والعمل جار لرأب الصدع واستقبال الأحياء وذرية الأموات وذلك لحاجة هذه المرة في نفس النظام أولا وفي نفوس الموريتانيين جميعا ثانيا.

 

ومن منا جميعا لم يسمع أيضا بطريقة احتواء ولد هيدالة لأعداء نظامه أو لم يتذكر بالأسماء والصفات الذين عادوا الرئيس السابق معاوية وتوعدوه بكل الشرور ثم تسللوا إلى نظامه فرادى وجماعات فولاهم تطبيق سياساته ومكنهم في مقدرات دولته‘ وأكثر هؤلاء نصبوا العداء للرئيس الحالي محمد ولد عبد العزيز إثر قيامه بما ضعفه راو إلى درجة انقلاب ورفعه راو آخر إلى حركة تصحيحية؛ وهؤلاء رأيناهم أيضا يقدمون وردا وردا إلى النظام تحت تأثير نفس السحر الذي استخدمه ولد الطايع مع اختلاف الساحر وحجم الأجرة. ومقال "رحلة الترحال والرحيل" الذي نشر في الأخبار إنفو يوم الخامس عشر من اكتوبر الجاري كان محاولة لتبيان ممارسات الذهاب والإياب وغيرها مما يلجأ إليه السياسيون للفوز بصماخ الحاكم (طبلة أذنه) وبعضوية نادي بطانته.

 

وعلى من أدرك فحوى نظرية عود الطيب وصدق جدواها في انتزاع الحقوق والمطامع أن لا يشاقق الاتحاد من أجل الجمهورية فقط بل النظام كله وأن لا يقتصر في التعبير عن استيائه هذه الأيام بالترشح تحت لون أحزاب مثل الحراك الشبابي والكرامة …؛ فتطييب الخاطر في هذه الحالة قد لا يكون بحجم الجرح والمأساة خصوصا إذا ما أضفنا الفرق بين عهد التسيب المالي وعهد التسيب الإداري ومكافحة الفساد والمفسدين.

 

ولما ذا لا يطلب العربون من غير النظام ورأسه؟ سؤال واجهنا به تاجر صريح لولائه السياسي ونقلناه لكم عله يوجد من بين القراء من يجادله بالتي هي أحسن فيما دون إشكالية الولاء والبراء؛ سبحان مغير الأحوال فهذا التساؤل عن حاجة عموم الناس من مناصرة الحكم وحاجة الأطر والمثقفين من خدمة الحاكم لم نسمع عن مثله طيلة حكم الرئيس السابق معاوية ولد سيد أحمد الطايع.

 د.سيدي المختار أحمد طالب

الأحدث