تخطى الى المحتوى

القانون والبلاستيك في موريتانيا

جدول المحتويات

وفي الواقع نجد أن من يمسك السلطة التنفيذية تنقاد له باقي السلطات ويجد نفسه في منأى عن الرقابة لدرجة تجعله لا يعبأ بالإجراءات الشكلية التي تتعين مراعاتها لإنفاذ قراراته وبالتالي لا يترتب كبير أثر على إفراغ إرادته في شكل ترتيب دستوري أو قانون أو مرسوم أو مقرر أو حتى تعميم: كل ذلك سيان لأن الغاية أن ينصاع الناس لإرادة من يمثل الدولة مهما كانت الأدوات المستخدمة غير منسجمة مع النظام.

 

ويتجلى عدم تقيد السلطة التنفيذية بالقانون في عدة مناح من حياتنا العامة أتناول منها الصفقات التي يبرم بعضها خارج المسطرة المقررة في القانون (1) والتجريم الخاطئ بمرسوم (2) ووضع السلطة التنظيمية لقيود غير مبررة على الحريات العامة في المجال الإقتصادي (3).

 

1)    صفقات خارج إطار القانون:

إن العقود التي تبرمها الدولة ومؤسساتها يتعين أن تخضع للقواعد المقررة في القانون وإلا كانت معيبة لأن من غير المقبول أن تسلك الدولة – الكيان الذي لا يهدف للربح – طرقا ملتوية وغير أخلاقية لتحقيق هدفه المتمثل أولا وأخيرا في تحقيق المنفعة العامة والذي ينافي غاية الخصوصيين الذين يسلك بعضهم السبل غير المشروعة للكسب والثراء وأتناول هنا أمثلة لخروقات جسيمة لمدونتي الصفقات والإستثمار.

 

·       إن القواعد الواجبة التطبيق في صفقات الدولة والمؤسسات العامة محددة في مدونة الصفقات العمومية المضمنة حاليا في القانون رقم 2010/44 الصادر بتاريخ 22/07/2010، إلا أن خرق هذه القواعد قد حدث فعلا في عدة حالات أبرمت السلطة التنفيذية فيها عدة صفقات عامة دون مراعاة هذه المدونة لعل من أكبرها صفقة مطار انواكشوط بين الدولة وشركة المساهمة المسماة النجاح للأشغال الكبرى (Najah Major Works S.A) والتي تنازلت بموجبها الدولة عن أراض كان بعضها ضمن حدود حزام انواكشوط الأخضر كما وعدت بجزء من أراضي مطار انواكشوط القائم مقابل التزام الشركة بإنجاز مطار دولي على طريق انواكشوط انواذيبو، وهي صفقة على بدائيتها – المتمثلة في تبني أسلوب المقايضة البائد الذي كان سائدا في معاملات ما قبل ظهور النقود – تحمل في طياتها الكثير من الغموض والمخاطرة لعدم احترامها المساطر المقررة في القانون.

 

·       وفي مجال الإستثمار أبرمت الدولة الموريتانية ممثلة في وزارة الإقتصاد والتنمية اتفاقية مع شركة بولي هوندون الصينية بتاريخ 7 يونيو 2010، مدتها خمس وعشرون سنة تمنح الدولة بموجبها إعفاءات لهذه الشركة تخرق المادة 6 من مدونة الإستثمار النافذة آنذاك (القانون رقم 2002-03 بتاريخ 20 يناير 2002) والمادة 10 من مدونة الإستثمار الحالية (القانون رقم 52/2012 الصادر بتاريخ 31 يوليو 2013) التي تضمن الدولة بمقتضاها المساواة في المعاملة بين المستثمرين.

 

وتظل  تبريرات السلطة لهذه التجاوزات غير مقنعة فمفهوم الشراكة بين القطاعين العام والخاص (PPP) المقدم لتبرير صفقة المطار لا يقتضي بالضرورة تجاوز القانون وإهدار المشروعية فأي شراكة لا تحكمها الضوابط القانونية تظل غير مقبولة كما أن حجم برنامج الإستثمار الذي تسعى شركة بولي هوندون إلى تنفيذه والذي هو في حدود مبلغ مائة مليون دولار يعتبر زهيدا إذا ما قيست الفائدة المرجوة منه بالضرر اللاحق بالدولة جراء عدم احترام نظمها وقوانينها واهتزاز مركزها أمام جمهور المستثمرين لذلك بات مثل هذه العقود غير وارد في دولة تحسب نفسها دولة قانون ومؤسسات.

 

2)    خطأ الـتـجريـم بـمــرســـوم:

نشرت منذ شهور إعلانات صحفية متعلقة بتجريم تعاطي الأكياس البلاستيكية بموجب المرسوم 157/2012 وقد حسبت الأمر غريبا لإجماع الدول المتحضرة أن العقوبات لا تتقرر بمراسيم لذلك وجدت من المناسب نقاش هذا الموضوع من منظور القانون الموريتاني.

 

إن القواعد الدستورية (les normes constitutionnelles) تتصدر مبادئ الحكم التي يجب على سلطات الدولة احترامها لأنها تضبط القواعد التي تحدد السلطات وتقرر اختصاصات كل واحدة منها وقد ورد في المادة 57 من دستور الجمهورية السلامية الموريتانية ضمن مجال القانون: "تحديد الجرائم والجنح وكذلك العقوبات التي تنفذ بموجبها الإجراءات الجنائية..". وورد في مادته 45 أن "البرلمان يمارس السلطة التشريعية" كما ورد في المادة 56 أن "إقرار القانون من اختصاص البرلمان".

 

ويعتبر مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات من المبادئ المكرسة على الصعيد العالمي ومقتضاه أن العقوبة لا تقرر إلا بمقتضى نص قانوني مصادق عليه من طرف السلطة التشريعية وهذا ما كرسه المشرع الموريتاني في المادة 4 من قانون العقوبات (الأمر القانوني رقم 162-83): "لا عقوبة على المخالفة أو الجنحة أو الجناية إلا بمقتضى نص قانوني سابق على ارتكابها".

 

ولأن المراسيم هي إحدى وسائل ممارسة السلطة التنظيمية فإن التجريم ليس داخلا في نطاقها ولا يجوز للسلطة التنفيذية بالتالي أن تضطلع به فمسطرة التشريع لا تخولها أكثر من اقتراح مشروع قانون وانتظار مصادقة البرلمان عليه وإصداره من طرف رئيس الجمهورية ومن واجب السلطة التنفيذية تذليل الصعوبات التي يتطلبها تطبيق القانون وضمان احترامه بإصدار مراسيم تطبيقية، مع أن المراسيم نفسها تتدرج في تراتبيتها فالمراسيم التنظيمية (les normes réglementaires) أسمى من المراسيم الفردية ولو كانت التنظيمية صادرة عن سلطة تابعة فيتوجب على المتبوع احترام ما يصدر عن تابعه ما دام قد تصرف في حدود اختصاصه. ولعل من الوارد لفت الإنتباه إلى أن تدخل رجال الإدارة في أعمال السلطة التشريعية واتخاذ قرارات ترمي إلى إصدار أوامر أو نواه إلى المحاكم معاقب بالحرمان من الحقوق الوطنية بموجب المادة 127 من قانون العقوبات السالف الذكر.

 

وعلى كل حال فقد صدر المرسوم رقم 157/2012 بتاريخ 21 يونيو 2012 ونشر في عدد الجريدة الرسمية رقم 1268 بتاريخ 30 يوليو 2012 ضمن تنظيمات وزارة التجارة والصناعة التقليدية والسياحة وتضمنت مادته الخامسة معاقبة استيراد وصناعة وتوزيع أكياس أغلفة التعبئة البلاستيكية المرنة بغرامات تتراوح ما بين 10.000 و1.000.000 أوقية وبالتالي فقد تضمن المرسوم مقتضيات جنائية تجسدت في إقرار عقوبات على أفعال غير مجرمة إلا بمقتضى هذا المرسوم وهذا ما يعتبر شططا من منظور القانون كما تقدم.

 

ولربما شعر الذين أشرفوا فنيا على إعداد الترتيب بحرج التجريم بمرسوم فاستندوا – فيما يرجع للعقوبات – على المواد 89، 90 و91 من القانون الإطار للبيئة تحسبا لما قد يثار حول عدم شرعيته ولتجنب حرج رفض القضاة "الوارد نظريا" عدم اعتبار المرسوم كمستند للعقاب وهو استناد لا يثقل المرسوم في ميزان المشروعية لأن توسيع دائرة الأفعال المجرمة يساوي سن جرائم جديدة فالمقتضيات الجنائية للنصوص لا يقاس عليها ولا يتوسع في تفسيرها ولو كانت الأكياس البلاستيكية مشمولة في القانون الإطار للبيئة لكانت السلطة التنفيذية في غنى عن سكب العقوبات في مرسوم ولاكتفت بتفعيل القانون المذكور.

 

ويمكن للمهتمين مطالعة القانون رقم 2000-045 الصادر بتاريخ 26 يوليو 2000 المتعلق بالقانون الإطار للبيئة، المنشور في الجريدة الرسمية للجمهورية الإسلامية الموريتانية عـــــــــدد 985 بتاريخ 30 أكتوبر 2000 للتأكد من عدم ذكره للمواد البلاستيكية وأن مواده 89، 90 و91 متعلقة بمسائل أخرى.

 

3)    وضع قيود غير مبررة على الحريات العامة:

ولم تقف تجاوزات المرسوم البلاستيكي عند حد التجريم التعسفي وإنما امتد أثره إلى الحريات العامة إذ حظرت مادته الثالثة استيراد وصناعة وتسويق واستخدام أكياس وأغلفة التعبئة البلاستيكية المرنة وهو ما ينتهك مبدأ حرية التجارة والصناعة المضمون من طرف الدولة بموجب المادة 10 من دستور الجمهورية الإسلامية الموريتانية وإذا كان إقرار مثل هذا الحظر من طرف السلطة التشريعية ممكنا لدخول نظام الحريات العمومية ونظام الملكية والإلتزامات المدنية والتجارية في مجال القانون طبقا للمادة 57 من الدستور فإنه لا مراء في عدم اختصاص السلطة التنفيذية في سن هذا الترتيب الذي يجسد تعسفا غير مستند على أساس من القانون.

 

فالمراسيم وإن كانت في بعض الحالات تعد تشريعا فرعيا إلا إنها قابلة للطعن والإلغاء من طرف القضاء المختص عندما يتبين أن مشروعيتها الخارجية أو الداخلية مشوبة أو أن لها مساس بالحقوق المقررة في المنظومة القانونية العليا "الدستور والقانون" ويدخل الطعن فيها ضمن اختصاص الغرفة الإدارية بالمحكمة العليا طبقا للمواد 8 و149 وما بعدها من قانون المرافعات المدنية والتجارية والإدارية ومثل هذا الطعن شائع في كل الدول المتمدنة وهو في فرنسا داخل ضمن اختصاص مجلس الدولة.

 

ولم تقتصر التجاوزات على المراسيم فقد قامت التعميمات بنصيبها من التعسف كما هو حال التعميم رقم 991 الصادر عن وزير الصيد والاقتصاد البحري بتاريخ 25/12/2012، الذي رغم دخوله حيز التنفيذ لم يتم نشره في الجريدة الرسمية (على الأقل في الفترة التالية لصدوره والممتدة من يناير وحتى 30 يوليو 2013 والتي صدرت فيها الأعداد من رقم 1279 وحتى 1292) وهو التعميم الذي فتت وزير الصيد والإقتصاد البحري بمقتضاه نشاط إيداع سفن صيد السطح إلى سبع فئات وألزم كل فاعل بممارسة نشاطه في فئة واحدة دون غيرها على أن لا يتجاوز عدد البحارة التابعين له مائتي بحار (200) وأن لا يتجاوز عدد السفن الممثلة من طرفه عشر سفن.

 

هذه الإجراءات التعسفية وعدم تقيد السلطات بالضوابط الشرعية وفرض شروط غير تنافسية ومنح المزايا للبعض أدت إلى مغادرة أغلب الأسطول الأجنبي الذي كان يعمل في المياه الوطنية وانضم أغلب رجال الأعمال الذين أريد تحجيم أعمالهم ومن تبعهم من العمال والبحارة إلى قائمة العاطلين عن العمل وانحسر النشاط الإقتصادي للبلد عموما.  

 

والخلاصة أنه بالنظر لضعف الرقابة القضائية للمجلس الدستوري الذي يناط به منع إصدار القوانين، المعروضة عليه، عندما لا تنسجم مع القواعد الدستورية ولغياب دور المحكمة العليا في الرقابة الإدارية التي تخولها إلغاء المراسيم والمقررات والتعميمات (Décrets, Arrêtés & Circulaires) عندما يتبين تأسيس الطعن في مشروعيتها الخارجية والداخلية وفي ظل غياب نشاط "المجتمع القانوني" ومحدودية التعليقات الفنية التي تسلط الضوء على التجاوزات بات من الوارد أن يستفحل الإنطباع بأن "ممارسة القانون" في موريتانيا لا تزال بدائية ولم تخرج بعد عن طور "الأعمال غير المصنفة" التي يتعذر حصر ضوابطها وهذا ما انعكس سلبا على التنمية وكان من الأسباب الرئيسية لتصاعد الإنطباع باختلال دولة القانون في هذا البلد الذي لم يعد، كما كان، "منكبا برزخيا" منقطعا عن العالم وبات من واجب مواطنيه، حكاما ومحكومين، أن يعملوا على المساهمة في تحقيق انسجامه مع المعايير المعمول بها على الصعيد الدولي حتى لا يبقى متأخرا عن الركب.

 

ومن واجب السلطة التنفيذية أن تسخر إمكانيات الدولة لتحري احترام القانون فيما يصدر عنها فالمراسيم والمقررات والتعميمات نصوص تنظيمية ذات آثار مباشرة ومحققة على حياة المجتمع الحالي وهي جالبة للخير والشر وترجمان العدل والظلم بعكس مواد التعبئة البلاستيكية التي تعد للإستخدام المؤقت قبل أن ترمى في المستودعات البعيدة أو تذروها الرياح ولو افترضنا أن المواد البلاستيكية تحمل ضررا على الأجيال القادمة فإن خطر عدم احترام المساطر وإصدار التنظيمات غير المشروعة وذات الآثار السلبية أشد ضررا ومواجهة الضرر المحقق أولى من مجابهة الخطر المحتمل.

 

بقلم المحامي/ محمد سيدي عبد الرحمن ابراهيم

[email protected]

 

الأحدث