تخطى الى المحتوى

بين شتلات النعناع .. حكاية ستيني زرع الأمل وحصد الحج وتعليم الأبناء

جدول المحتويات

الأخبار (نواذيبو) أعمل في هذه المزرعة منذ عام 1997، ومنها أعيل أسرتي إلى اليوم، ولا أبغي عنها بديلاً.

بهذه العبارة المقتضبة يختصر المزارع الستيني محمد سيدي بوي ولد أبيل حكاية ثلاثة عقود من الصمود والمصالحة مع الذات، والتعايش مع الأرض في المزرعة المركزية بمدينة نواذيبو.

في هذا التقرير نحكي قصة رجل طوّع الطبيعة في مدينة غلبت عليها الصناعة والمناخ البحري، ليجعل من الزراعة عنواناً للاكتفاء الذاتي ومدرسةً في الصبر والمثابرة.

فمن عرق الجبين وساعات العمل الطويلة استطاع محمد أن يكتب تاريخه الخاص، محوِّلاً كل شتلة يزرعها إلى قصة نجاح تُروى، ودرس بليغ في أن الإرادة هي المحرك الحقيقي للتنمية.

من صخب السفن إلى سكون الحقول

لم تكن بداية ولد أبيل، القادم من أعماق الشرق الموريتاني (مقاطعة جيكني)، مرتبطة بالزراعة في المدينة الساحلية، فبعد وصوله لنواذيبو نهاية الثمانينات، قضى 8 سنوات حارساً في الشركة الموريتانية الروسية للصيد، يراقب حركة السفن وضجيج الميناء.

0:00
/3:11

لكن الستيني محمد سيدي بوي ولد أبيل قرر - بمحض إرادته- في نهاية التسعينات الاستجابة لنداء الأرض، والتفرغ كلياً لمزرعته التي أصبحت اليوم جزءاً من هوِّيته.

الرافعة الاقتصادية

يفنّد ولد أبيل النظرة القاصرة للزراعة كمهنة ثانوية كما يراها البعض، مؤكداً أنها كانت الرافعة الاقتصادية الوحيدة لأسرته.

وتتفاوت عائدات المزرعة حسب المواسم، حيث يشهد شهر رمضان ذروة الإنتاج، ليتضاعف الطلب على الخضروات ويصل الدخل المتوسط أحياناً إلى 20 ألف أوقية قديمة يومياً.

لكن الأرقام عند محمد ليست مجرد عملات، بل هي إنجازات ملموسة؛ فمن عرق جبينه وسط هذه الأحواض الخضراء، استطاع تأمين نفقات الحج إلى بيت الله الحرام، وتكفل بمصاريف دراسة أبنائه، محوّلاً بذور الأرض إلى ثمار معرفية.

ذاكرة المزارعين

لا يُنظر إلى محمد سيدي بوي كمزارع فحسب، بل يوصف في الأوساط المحلية بـ "ذاكرة المزارعين"، فهو يمتلك مخزوناً تاريخياً عن قطاع الزراعة الحضرية في العاصمة الاقتصادية.

يستحضر بذاكرة وقّادة تفاصيل أول إضراب نظمه باعة "النعناع" قبل ثلاثين عاماً، حين توقفت عمليات البيع والشراء احتجاجاً على رفع السعر من 5 أواقٍ إلى 10 أواقٍ قديمة، وهي الواقعة التي تسببت حينها في اضطرابات في السوق المحلي، وما زالت محفورة في ذاكرته كشاهد على تطور الأسعار وتغير الأحوال المعيشية.

اليوم، وبينما يخطو محمد سيدي بوي نحو عقده السابع، ما يزال يمسك بمسحاته ويحدوه الأمل في المضي قدماً.

قصة ولد أبيل ليست مجرد قصة مزارع تروى، بل هي تجسيد ملموس لقيمة العمل في بلد يطمح أبناؤه لتحقيق اكتفائه الذاتي، ودرس في أن "الأرض لا تخون من يُخلص لها".

الأحدث