على مدار الساعة

غياب ثقافة الصحافة

15 مايو, 2017 - 09:38
الولي ولد سيدي هيبة ـ كاتب صحفي

إذا كانت حرية الصحافة أو الصحافة الحرة هي الضمانة التي تقدمها الحكومة لحرية التعبير و يكفلها دستور البلاد للمواطنين، فإن الدولة قد حققت هذا الأمر فكفلت هذه الحرية حتى امتدت و شملت مؤسسات بث الأخبار وتقاريرها المطبوعة و الالكترونية و المسموعة و المرئية؛ كما أمدت تلك الحرية لتشمل جمع الأخبار والعمليات المتعلقة بالحصول على المعلومات الخبرية بقصد النشر. و بهذا فقد نَعِم الفضاءُ الإعلامي في هذه البلاد نظريا بترسانة قوانين مكتملة و حامية لأهل الحقل و أبعدت عنه نهائيا مقص الرقابة الجائر المعروف بالمصادرة تحت طائلة المادة إحدى عشر.

 

من هنا، فإنه لا شك أن الصحافة تنعم، نظريا، بالحرية المطلقة في التعبير و لو أن ذلك يحدث كله بفوضوية عارمة و في ظل غياب أية ثقافة للصحافة و بعيدا كل البعد عن التقيد بالمقومات المهنية من جهة، و الضرب بعرض الحائط أخلاقياتها العالية و ضوابطها المحكمة من جهة أخرى.

 

و بالطبع فإن هذه الوضعية البنيوية المختلة هي التي أفقدت حقل الصحافة في شكلها و مضمونها القدرة على التنظيم و المأسسة و منعتها أن تقوم و تنتظم في قوالب ناضجة، و أضرت بالصحفيين أنفسهم في مستوياتهم و مخرجاتهم التي كان من المفروض أن يظهروا بها و يؤدوا بكفاءة و حرفية ليحملوا المهنة على أكف الالتزام و محمل الجد و يرقوا بها إلى مقام السلطة الرابعة الوازنة مكانتها الطبيعية و حتى يتقمصوا هم صفاتها المثلى.

 

و هو الضعف البنيوي الذي أفقد الصحافة - منذ أول وهلة من الإعلان عن تحرير الفضاء السمعي البصري - دعامة الالتزام بمرتكزات الإعلام الديمقراطي الذي يقصد به توفير أقصى قدر ممكن من الدقّة في نقل الأخبار والسعة في وجهات النظر والوقوف مواقف مستقلّة تجاه المؤسسات العامة والسياسية و الارتكاز إلى دستور مبادئ السلوك والآداب يشمل التحليل الانتقادي ونقل المعلومات الموثوق بها يتم التقيد به و العمل بمقتضاه.

 

و المتتبع للتخبط إلى إعادة كرة فشل الروابط و النقابات من خلال المنافسة المحمومة على كسب رهان التربع على خوائها و سوء أدائها و انقسام المنتسبين إليها بين التيارات السياسية دون المهنية لا بد أن يلحظ هشاشتها و النفعية المقصودة من ورائها دون إصلاح حقل مائع، فاسد و متخلف عن ركب الحداثة.

 

و إذ يقول قائل إن البلد تربع للمرة الرابعة أو الخامسة على رأس الدول العربية في مجال حرية التعبير و هي المفتقدة إلى حرية الرأي و الصحافة، و يحسب الأمر نصرا وطنيا، فإن واقع هذا التربع ناتج عن مبالغة في الحرية الاعتباطية الناتجة عن عقلية "المشِ اعل القرظ" التي تبدو للآخر ضربا من حرية بناءة، و لكنها في الواقع بلاء مبرم من نتاج عقلية انفلات المنظومة الاجتماعية من قوالب الضبط و الانصياع للنظام المركزي و لو تقديريا، بما تسببه من الإرتباك و الخواء، و لما لا تسعى إلى تحقيقه من توجيه و نقد فعال للأداء السياسي الخائر، و التنموي الضعيف، و الإصلاح الاجتماعي المحكوم بقيود الماضي في أسوء أثواب الارستقراطية القبلية العشائرية المتسلطة، و الجهوية العرجاء، و الشرائحية، و الطبقة الاثنية الغابنة الظالمة، و الترفع عن العمل المقيد لكل بناء، و الهبوط التراجيدي في أضان الاتكالية و الانتهازية و النفاق السياسي، و النهب سوء التسيير، و الفساد المدمر و تبديد مقدرات البلد و سوء التسيير و تعميق الهوة بين الفقراء و المحرومين من جهة، و  بين القلة المتخمة بمال البلد و حقوق الشعب من جهة أخرى.

 

و هل في ظل مثل هذه الواقع الأليم، الذي يريد البعض أن لا يوصف و لا ينعت بذلك، يمكن للإعلام الموزع بين تيار الخور الارتكاسي المنتمي لخطاب و ممارسات الماضي و تيار تزكية خط الفساد و تقويض التنمية، أن يبتعد الإعلام  ـ على خلفية " ثقافة صحافة" مبتكرة ـ في هذه المرة و هذا المنعرج عن إعادة إنتاج نفس الإطارات التنظيمية الخائرة من روابط و نقابات و نوادي، و مثيلاتها الموالية لأقطاب القوة المهيمنة أو المحرضة الحاقدة، و أن ينبذ الاستكانة و يحدث المفاجأة التي تضفي عليه  و بوصفه علاما جديدا المصداقيةَ "المشتهاة" و تحدد من جديد رسالته النبيلة و ترفعه إلى مكانته الطبيعية بوصفه السلطة الرابعة؟