جدول المحتويات
بقلم: د. أحمد ولد محمدن والنيه (*)
يمكن تلخيص مراحل إنتاج الكهرباء في المحطات النووية كالتالي:
تنشطر نواة ذرة من الوقود النووي (اليورانيوم غالبا) فتحرر نيوترونات تهاجم بدورها ذرات أخرى ليتواصل التفاعل. وينتج عن كل تفاعل حرارة هائلة تحول الماء بخارا من حينه. ويستخدم هذا البخار لتشغيل محركات ميكانيكية هي التي تولد الكهرباء. ثم تنقل هذه الكهرباء إلى شبكات التوزيع ومحطات التخزين للاستعمالات المختلفة.
وهذا التبسيط يخفي وراءه تعقيدات كثيرة ترتبط بكل مرحلة من مراحله، فلنختبر أهمها بشيء من التفصيل.
الذرة والإشعاع النووي
والأصل أن عدد الإلكترونات يساوي عدد البروتونات ويساوي عدد النترونات. فإذا تباين كم الجزيئات المشحونة فقدت الذرة تعادلها الكهربائي وصارت “أيونا” موجبا أو سالبا، حسب ما يغلب.
أما إذا تباين عدد النوترونات وعدد البروتونات في النواة، فقد فقدت الذرة من استقرارها وتعرضت للانشطار في نواتها مكونة ذرات جديدة لعناصر جديدة أكثر استقرارا. ويكون مجموع النترونات في الذرات الناتجة أقل من العدد الأصلي في نواة الذرة الأم المنشطرة. وهذا الفرق في عدد النترونات يتحول إلى طاقة حرارية حسب معادلة أينشتاين: E = ½mc2.
أي أن الطاقة الناتجة من نترون واحد تساوي جداء كتلة النترون بمربع سرعة الضوء، وهكذا فإن ميكروغراما واحدا من النتونات ينتج ما يقارب 1.5 غيغا جول من الطاقة!
الوقود النووي
لا يتجاوز وزن القرص الواحد سبعة غرامات، ولكنه ينتج من الطاقة ما يعادل إنتاج 93.5 برميلا من النفط! واليورانيوم يوجد في الطبيعة على نظيرين: ثقيل وزنه الذري 238 غراما ويشكل ما يناهز 99.3% من الخامات، وهذا النظير مستقر ولا يشارك في التفاعلات النووية.
أما النظير الثاني ووزنه الذري 235 غراما فهو النادر الفعال، المطلوب في بقاع العالم، ولا بد من زيادة وتركيز نسبة هذا النظير في الوقود النووي لينتج تفاعلا. وهذه الزيادة والتركيز هي التي يعبر عنها بالتخصيب.
التفاعل المتسلسل والانفجار النووي
وبدهي أن هذا التفاعل إذا ترك دون تدخل فسيؤدي إلى مزيد من التفاعلات النووية ينتج عنها أضعاف هائلة من الحرارة، وهذه الحالة هي ما نعبر عنه بالانفجار النووي.
إذن، من أجل تفادي الانفجار النووي لا بد من التحكم في أمرين، الحرارة المنبعثة من التفاعل والنترونات التي تضاعف من التفاعل المتسلسل.
التحكم في الحرارة أو التبريد
ويضخ الماء البارد في البركة باستمرار فيتبخر منه جزء لامتصاصه الحرارة من ماء اللب، وهذا البخار هو الذي يستخدم في لف توربينات توليد الكهرباء، ثم يتكثف هذا البخار وينزل في القاع، حيث يبرد (تبريد ثان) بتمرير تيار ماء قادم من أبراج التبريد (تبريد ثالث).
ومن أبراج التبريد يتصاعد البخار ساخنا ليبرد في الهواء وينزل مرة أخرى إلى قاع البرج. ومن هنا فإن المفاعلات غالبا تبنى قريبا من البحار أو الأنهار لاستخدامها منابع حرارية للتبريد.
التحكم في التفاعل المتسلسل
وتأتي هذه المواد في صورة قضبان (تسمى قضبان التحكم لتحكمها في سير التفاعل المتسلسل). وهي بنفس مقاس قضبان الوقود ومرتبة معها، بحيث يكون كل قضيب وقود محاطا بقضبان التحكم من جميع الجهات. وبهذا يمكن (نظريا) وقف التفاعل النووي بشكل تام عند إدخال قضبان التحكم في أماكنها داخل حجرة المفاعل. انظر الشكل.
تكون قضبان التحكم مسحوبة من لب المفاعل للسماح بتشغيله، ولكنها تبقى جاهزة للإدخال بضغطة زر أو أي خلل في نظام التشغيل، فتوقف التفاعل النووي.
لب المفاعل النووي وحجرته
وبجوار لب المفاعل تقع بركة التبريد الأول المبين أعلاه وماؤها معزول عن التلوث الإشعاعي بالزركونيا المقواة التي تلف ماء اللب. ولكن بركة التبريد هذه تعزل مع لب المفاعل في حجرة خاصة لا تسمح بنفاذ الإشعاع هي حجرة المفاعل النووي.
وبعد وصف أهم مراحل عمل المفاعل النووي وتلخيصها، يحسن الحديث عما يمكن أن يحصل إذا اختل جزء من هذا النظام المتكامل وآثار ذلك على الإنسان والبيئة.
إن مصدر الخطر الأكبر كما ترى هو الخلل في حجرة المفاعل النووي سواء في التبريد أو التحكم. فنقص التحكم يؤدي إلى زيادة خطيرة في التفاعل المتسلسل لا يستطيع نظام التبريد تخفيض حرارتها. كما أن فشل نظام التبريد (ولو توقف المفاعل) يؤدي إلى زيادة هائلة في الحرارة، وفي كلتا الحالتين يحصل انفجار وربما انصهر المفاعل!
يؤدي الارتفاع الهائل للحرارة إلى تفكك الماء وتحرير غاز الهيدروجين الذي لا يزال ضغطه يتزايد حتى تنفجر كبسولة لب المفاعل فيشتعل الهيدروجين بمجرد ملامسة غاز الأوكسجين في الهواء الجوي، ولا تسأل عن حجم اللهب الناتج أو ما يترتب عليه من دمار. هذا بغض النظر عن تسرب الإشعاع النووي الذي هو المخوف الأكبر، فما هو التسرب الإشعاعي؟
تسرب الإشعاع النووي
ولأن الجزيئات نترونات ذات كتلة فإن إشعاعات a وb لا تقطع مسافات بعيدة، فإن أكثر الضرر الإشعاعي ينتج من الأمواج التي ليس لها ثقل يحد من سرعة انتشارها، وهي قادرة على اختراق الجلد وإصابة أنسجة الجسم الداخلية.
آلية إصابة الجسم
ويتجلى ذلك بفقدان معلومات من شفرة وراثية أو ضياع فتيل من الحمض النووي (DNA) أو سوى هذا من الأخطاء التي تترجم غيابا في عضو أو حاسة أو تشوها خلقيا لم يعرف الناس له مثيلا، فجميع الاحتمالات واردة.
ومن الممكن أن تستمر الانشطارات المشوهة في عضو معين فيحاول الجهاز المناعي محاربتها على أنها أجسام غريبة فتنطلق معركة قضاء الجسم على عضو منه وغالبا يصنف مثل هذه الحالات في الأمراض السرطانية المستعصية.
نصف العمر والنفايات
ولكن الوقود النووي يترك هذا القطار بعد انشطار اليورانيوم 235 موكلا إلى المختصين في البيئة عبء التحكم في بقية الرحلة. وهكذا يجد العالم نفسسه أمام قضبان الوقود المستعمل التي لا يأتي منها سوى إشعاعات نووية نصف عمرها يزيد على 700 مليون عام!!
ومعنى نصف العمر هو الزمن الذي يتحول فيه نصف المادة المشعة إلى مستقرها النهائي. فكيلوغرام من اليورانيوم سيتحول نصفه في هذا الزمن الفلكي إلى رصاص ثم يحتاج نصف الباقي (أي 250 غراما) إلى 700 مليون عام أخرى، وهكذا… إذن الانتظار ليس خيارا على الإطلاق!
لعلنا نتناول تخزين ومعالجة النفايات النووية في مناسبة لاحقة إن شاء الله.
نقلا عن: الجزيرة نت.
* أكاديمي وباحث موريتاني متخصص في الفيزياء.