جدول المحتويات
النيران التهمت كل محتويات الكوخ
سبعة أكواخ في حيز جغرافي لا يتسع لسكن واحد على الأكثر، في تلك الليلة الفاصلة في حياة محمد الأمين ولد باب ذو الستة عشر عاما ، حيث كان يراجع دروسه ، كما يفعل كل ليلة ، لأن اختبارين في انتظاره صباحا ، كما قالت لي أخته مريم السالمه التي أوصته بعدم النوم حتي يطفئ القنديل ، لكن النعاس غلبه ونام .
تروي مريم السالمة من سريرها المجاور لباقي الأسرة في المستشفي الوطني كيف كانت تفاصيل تلك الليلة السوداء؛ حيث تتذكر كلمات أخيها محمد الامين الذي فارق الحياة بعد يوم واحد متأثرا بحروقه ، ” أوصيته بإطفاء القنديل ونمنا، في الساعة صفر.. استيقظنا علي النار تشتعل ، سمعنا أصوات أناس يريدون فتح الباب ، صرنا في جانب واحد الأطفال وأنا وأختي ومحمد الأمين يحاول إنقاذنا، كانت النار تقترب ونحن ينظر بعضنا إلي بعض ولا نقدر علي فعل شيء ، حتي وصلتنا ، ولا مفر من قضاء الله فَتح الباب وخرجنا من وسط النيران ” .
ربما لم يكن محمد الأمين ولد بابو مدركا أن مصيرا آخر ينتظره في ذلك الكوخ ، وأن الدراسة التي يراجع لها ، والتفوق الذي يخطط له ، والمستقبل الذي يريد ، كلها أحلام تسرقها مأساة الفقر ، وبؤس الأحياء الشعبية ، وتردي خدمات السلامة في عاصمتنا الجديدة .
أثر بعد عين
التلميذ محمد الأمين وافاه الأجل المحتوم قبل تحقيق طموحه في التفوق الدراسي
” ملاحف ” وحاويات مياه ابلاستيكية ، وأواني منزلية ، و “شنطات ” وأغراض أخرى كثيرة ، كلها شواهد على هول الفاجعة، ومصابة في داخلها ببطش حريق أحال ألوانها المختلفة إلي لون واحد كساها وكل الحي سوادا يزداد كلما تذكروا محمد الامين أو عاودتهم لحظة الفاجعة ، حيث تتسلل أصوات من داخل النار تطلب النجدة ، وتسمع بكاء طفل رضيع يصرخ وأنت لا تستطيع فتح الباب ، لعنة الحياة أن تري وتسمع كارثة حقيقية وأنت عاجز عن أي شيء ، يقول أحد الجيران .
بقايا كتاب محمد الأمين
متكئين عليها متقابلين
ترقد الأسرة كلها الآن في المستشفي الوطني
تقول مريم السالمة في كلمات متقطعة- الطفل الرضيع لا يجد ما يعبر به عن ألمه إلا هذا البكاء
ربما تكون” منَيه ” أخت مريم السالمة أرادت لها الأقدار أن تبقي مرتاحة البال لا علم لها بما جري ، نامت ولا زالت نائمة في المستشفي وفي حالة خطيرة ، نامت عن محمد الأمين يراجع دروسه وعن مريم السالمة تبادلها أطراف الحديث وتؤنسها ، وعن أحمد يملأ الغرفة حيوية ونشاطا ،ربما لو سئلت لفضلت أن لا ترجع إلى هذه الدنيا حتي لا تري حقيقة ما جري بعد تلك الليلة التي حولت حياتها إلي جحيم .
أمام الغرفة في المستشفي وداخلها يكابد الأطباء – كما كل الأهل – مرارة الألم وهول الفاجعة ، تتلمس الطبيبة جسد الرضيع الغض “أحمد” لتخفف من بكائه وصراخه ، لكن النيران كانت أسرع ، حيث تركت بصماتها علي كامل جسده ، ولم تترك مكانا إلا وفيه أثر .
تتجول الطبيبتان بين الأربعة وتراقبان الخامس عن طريق حالة الأم ، صراخ وبكاء ، ثم تململ علي الفراش من طرف الأم المفجوعة مريم السالمة بعد أن لم يعد البكاء يعبر عن مكنون النفس .
مأساة لا تنتهي
لي أمنية أريد أن تتحقق ،" أن أحمل الطفلة إلي أمها حتي تراها وتطمئن
تكلم عن المصيبة التي ألمت بأبنائه وتكلم عن محمد الأمين ، عن بروره، و جده و مثابرته ، وكأنه ينظر في وجهه لحظة حديثه معي ، لم يترك الأب دموعه تنزل وإن بدا في صوته ما يدل علي ذلك .
تركت الجميع وأنا أري مصيرا قاتما ينتظر هذه الأسرة ، التي قلب لها الدهر- ظهر المجن – وأحالت حياتها إلي جحيم .
أوصتني الطبيبة أن أبلغ لمن يسمع ويري أن هذه الأسرة لا تستطيع تكاليف ربع الدواء لأنه باهظ الثمن ، قالتها لي وهي تؤكد علي ذلك وتعلم أني صحفي ولست رجل أعمال تقول لي نسيبة الطبيبة المشرفة قلها لكل من صادفت ومن رأيت ” أغيثوا وأنقذوا هذه الأسرة ” .
وأنا أنهي هذه الحروف التي لم تستطع إبداء جانب بسيط من حياة هذه الأسرة ، لا زالت الصورة أمام عيني ماثلة ، بقايا الأغراض السوداء ، وبكاء تلك الطفلة ، وأسرَة المستشفي ، وكلمات مريم السالمة ، وبكاء الرضيع أحمد .
لي في خاتمتي هذه أمنية أريد أن تتحقق ،” أن أحمل الطفلة إلي أمها حتي تراها وتطمئن “.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تقرير الصحفي محمد يحي ولد ابيه