جدول المحتويات
بقلم الكاتب الموريتاني: الحافظ ولد الغابد
نظام بلا دولة
وحتى أنظمة الحزب الواحد تظل أفضل من هذا الأسلوب لأنها في النهاية تعتمد نوعا من توزيع القوة يساعد على سريان مستوى ولو ضئيلا جدا من تنظيم وتقنين عملية التدافع هذه ولكن نظام القذافي أجهز على كل شيء في تنظيمات الدولة والإدارة الحدية ليتمكن من التحكم في كل شيئي ويكفي لفهم طغيان الظلم أن ليبيا حكمت لعدة عقود بدون قضاء وإذا وجدت محاكم فهي محاكم تتحكم فيها “اللجان الثورية” الشبيهة بنظام هياكل تهذيب الجماهير التي محل الحزب الواحد في الثمانينات في موريتانيا ولكم أن تتصوروا كيف سيكون حال القضاء والقانون إذا تحكمت فيه مثل تلك الأدوات السياسية والأمنية المتخلفة ثم ما هو مصير العدالة في مثلك الظروف.
ويبدوا أن عملية فقدان الثقة في الليبيين من طرف الرئيس الذي واجه العديد من المحاولات الانقلابية قادته خلال السنوات الأخيرة للاستغناء عن خدماتهم الأمنية وفرغ الجيش من محتواه وبقيت كتائب الأمن الرئاسي التي تعتمد فقط على قيادة أبنائه وبعض المرتزقة من جنسيات أخرى ستكون من أهم وسائل التعجيل بالانهيار .
رسائل ضائعة
إن خروج سيف الإسلام القذافي بدل والده ليتحدث للشعب الليبي هو أكبر مؤشر على سقوط النظام الذي أصبح عاجزا اليوم عن تقديم نفسه للعالم وهو اليوم أوهى من بيت العنكبوت فالنظام اليوم عاجز وقائده ربما في حالة غيبوبة أو عجز وغضب على من حوله من الأبناء والقادة المنهارين أو هو يشعر من داخله بأن لا فائدة من الكلام لأنه ربما قرأ في تجربة خطابات ابن علي ومبارك وكيف كانت خطاباتهم بمثابة صب الزيت على النار تؤجج الثورة وتهيجها بدل أن تخفف منها.
وخطأ القذافي الكبير من الناحية السياسية هو في تقديم ابنه الذي قدم رسائل التهديد والوعيد وحاول أن يقدم للعالم ليبيا بوصفها دولة تتجه للسقوط في يد “الأفغان الليبيين” فقد كان سيف الإسلام القذافي يقدم خلال السنوات الماضية خطابا ” إصلاحيا” من داخل النظام ولكن حديثه البارحة أوضح أن “خطابه الإصلاحي” هو امتياح ممجوج من ذهنية وقاموس والده العجوز وكامل الخطاب الطويل الممل ينتمي بجدارة لـــ”نمط الهلوسة ” التي اشتهر بها العقيد وخطابه الإعلامي والسياسي السخيف على مدى عدة عقود وكان دائما مادة للتندر والسخرية بالعرب في العالم أجمع.
ومظهر الفشل الأبرز هو في تأكيد النمط السخيف للحاكم العربي الذي يريد الإصرار على فعلين قبيحين في السياسة العربية لهذا العهد هما الاستمرار في السلطة حتى الموت وتوريث السلطة من بعد ذلك للأبناء فالعقيد القذافي بتقديم ابنه “الإصلاحي” على هذا النحو يقتله سياسيا شر قتلة وهذا التصرف يشبه تماما ما فعله حسني مبارك لمدير مخابراته عمر سليمان حيث قدمه في هذه اللحظة الحرجة مستخدما ذات الخطاب التقليدي للنظام بسقفه الواطئ واستجاباته المثيرة للسخرية والاحتقار عند الثائرين.
كما ظهرت في الخطاب الذي كان نقلا أمينا من الابن لأسخف ما في أفكار الوالد.. وقديما قالوا :”ومن يشابه أبه فما ظلم” لكن في عالم التكتيكات السياسية فقد تظالم الاثنان … وهذا ربما من لطف الله بهذه الشعوب المظلومة ألا يرزق هؤلاء حسن التصرف في أوقات محنهم وأزماتهم ليحيق بهم مكرهم السيئ … وتلك سنة الله التي لا تتخلف في أخذ الظالمين وانتزاع هذه الامتيازات منهم بوسائل هؤلاء الضعفاء والبسطاء الذين طالما تجبروا عليهم واستكبروا.(ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار مهطعين مقنعي رؤوسهم لا يرتد إليهم طرفهم وأفئدتهم هواء) وهذا المصير الأخروي الموعود تبدأ إرهاصاته في الدنيا قبل الآخرة ملحقة الذلة والمهانة بكل طاغية متكبر جبار. “ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز”.