جدول المحتويات
أحمد ولد محمد المصطفى ahmedou0086@gmail.com
فهي تأتي بعد فترة يسيرة من تأكيد الحكومة الموريتانية على لسان وزيري الداخلية والإعلام أن زمن “غزوات القاعدة لبلادنا قد انتهت” وحان وقت غزو القوات الموريتانية لها في عقر دارها، ونقل ميدان المواجهات إلى معاقل التنظيم بعيدا عن أماكن الخطر في قلب المدن، وداخل الأماكن السكنية الموريتانية، كما تأتي بعيد إعلان مدير المخابرات الموريتانية عن اختراق غير مسبوق لهذا التنظيم المسلح، والقدرة على إيقاف عملياته العسكرية التي كلفت الدولة الموريتانية تكاليف باهظة في الأموال والأنفس وأفقدتها زمام المبادرة في أغلب – إن لم تكن كل- المواجهات التي جمعت الطرفين حتى اليوم.
وذلك ما تكشف عنه تعليقات وزارة الدفاع الموريتانية، من خلال حرصها الدائم على تأكيد “الطابع الاستباقي” لكل عمليات الجيش الموريتاني ضد تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، ومما يثير الاستغراب أن الوكالة الرسمية وصفت العملية الأخيرة التي تمت على مشارف العاصمة “بالعملية الاستباقية” ناقلة عن وزير الدفاع تأكيده على رصد السيارة “وهي على بعد خمسة وسبعين كلم جنوب شرق العاصمة!!”.
حول الهدف…
فهل كانت الحكومة الموريتانية تدرك حجم المخاطر المقدمة عليها حين قررت دخول هذه الحرب، بغض النظر عن الدوافع وراء ذلك، وهل كان ممثلاها في المؤتمر الصحفي الذي أعقب المواجهات الأخيرة في الأراضي المالية يعيان فعلا ما يتلفظان به، وينطلقان من معطيات موضوعية، أم أنهما كانا يطلقان الكلام على عواهنه، وطفا بهما الحماس والانتشاء بالنصر المؤقت للتفكير في المستقبل، وحقيقة الإستراتجية الأمنية المناسبة، ومصارحة مواطنيهم بحقيقة الأوضاع.
تكتم وغموض
يحتاج الأمن الموريتاني بكل تشكلاته، بل والسلطات التنفيذية إلى إدراك التغيرات من حولها، ومواكبة التطورات التي عرفتها الحياة، والمبادرة بإعطاء الحقائق قبل انتشار الأكاذيب والشائعات، والشفافية مع المواطنين لأن مصادر المعلومات أضحت كثيرة، وما “عتمت أنت عليه” سيأتي من يكشفه، ويمنحه بالمجان، بل ويزيد فيه ما يخدم أهدافه ويوجه الأحداث لصالحه، لقد انكسر قيد المعلومة بشكل نهائي، ولم يعد بالإمكان استعادته، وعلينا “تقديم المعلومات الصحيحة” أو التعرض “لهجمة شائعات” سيكون ضرها أكثر من كشف معلومات كنا نتصور في عصر مضى أن كشفها سيشكل خطرا على الأمن الوطني.
على الطرف الآخر
فهل يمكن أن يكون تنظيم القاعدة ف بلاد المغرب الإسلامي أراد من خلال عمليته اختبار الأمن الموريتاني، والبحث عن موطئ قدم داخل الأراضي الموريتانية بعد التضييق عليه في الأراضي المالية، خصوصا في ظل الصفقات التي يقوم بها الغربيون مع قبائل المنطقة، وتحريض هذه القبائل على تأمين مناطقها وإغداق المال عليها، لكن الهدف تغير في النهاية بعد أن اكتشف الفريق من قبل حاجز للدرك الموريتاني في كيدماغا، وهو ما دفع فريق القاعدة للانتقال من الخطة “أ” إلى الخطة “ب” والتي تعنى استهداف الحكومة الموريتانية في أي مفصل من مفاصلها، مع عدم إغفال الجانب المعنوي فكان اتجاه مجموعة إلى نواكشوط، وأخرى إلى روصو، وسعي المجموعة الثالثة للعودة إلى القواعد لترتيب الأمور فيها؛ هي إحدى الروايات التي تم تداولها كتفسير لهذا النزوح الجماعي الكبير لمقاتلي القاعدة في عملية افتقدت الكثير من “بصمات” التنظيم الصحراوي المقاتل.
وكما كان هدف العملية غامضا، جاء الإعلان عن تبنيها مخالفا لأعراف التنظيم، حيث جاء الإعلان عن تبنيها سريعا، خلافا لكل العمليات السابقة، والتي عادة ما ينتظر التنظيم قرابة الأسبوع قبل أن يكشف عن تفاصيلها، وهو درس مستفاد من التفجير الانتحاري الذي قامت به قاعدة العراق واستهدف فنادق في العاصمة الأردنية عمان، حيث أدى تبني التنظيم السريع للعملية وكشف أسماء منفذيها إلى القبض على أم عميرة السيدة الوحيدة التي كانت بين المنفذين والتي تراجعت قبل التنفيذ (ساجدة مبارك)، وقد استفاد التنظيم من هذا الدرس، ودفعه في عملياته التي جاءت بعد ذلك لمنح الفرصة لنجاة من ينجو من أفراده من العمليات، حيث ينتظر عادة لأيام ثم يعلن تفاصيل عملياته، وهي الطريقة التي اتبعها في كل عملياته على الأراضي الموريتانية.
وعد التنظيم خلال تبنيه العملية ببث وصايا المنفذين لتأكيد الهدف من العملية، مؤكدا أن الدافع وراء اغتيال الرئيس الموريتاني هو فتحه لموريتانيا للحرب على التنظيم من فرنسا، وسماحه باستخدام الأراضي الموريتانية لشن هجمات على قواعد التنظيم في الأراضي المالية والموريتانية، لكن كثرة العدد، وتعدد الجهات التي قصدتها سيارات التنظيم، ومسار العملية ككل، يثير الشكوك حول الهدف الحقيقي من العملية، ويدفع للتساؤل بجد عن دوافع التنظيم المقاتل في التضحية بهذا الحجم الكبير من مقاتليه ومقدراته، في “عملية” تكون نهايتها مقتل عدد من عناصره واعتقال آخرين، مطاردة البقية أو محاصرتهم على الحدود السنغالية الموريتانية.