تخطى الى المحتوى

عشرية الاضطرابات السياسية والعرقية

جدول المحتويات

كان الاضطراب في هرم السلطة، و صدامات الأخير مع التيارات السياسية أهم سمات عقد الثمانينات ، فخلال سنوات العقد الأربعة الأولي حكم الرئيس محمد خونا ولد هيدالة ، الذي وصل السلطة في 4 يناير 1980 ، بعد اتفاق المجلس العسكري للخلاص الوطني عليه كرئيس ، ليغلق بهذا الاختيار باب الخلافات العاصفة بين حراس المعبد(المجلس)، و التي برزت للعيان في أكثر من مرة ، و التي يقال أيضا إنها كانت سببا في الوفيات الغامضة لبعض شخصياته النافذة كالعقيد احمد ولد بوسيف و من قبله جدو ولد السالك.

القمع السياسي

حكم ولد هيدالة بقبضة قوية ، وقد امتازت فترته بقمع مفرط للتيارات السياسية المناوئة له ، فقد تعرضت في عهده مجموعة “التحالف من أجل موريتانيا ديمقراطية” اليسارية للتنكيل و التعذيب، و ذلك بسبب اعتبار النظام لها كجناح مدني للقادة العسكريين للمحاولة الانقلابية التي نفذت في 16 مارس 1981، والتي تم إعدام قادتها الرئيسيين كالعقيد أحمد سالم ولد سيدي و العقيد عبد القادر ولد اباه المعروف بكادير، ثم سرعان ما كشف النظام في فبراير 1982 عن ما زعم أنها محاولة انقلابية اتهم بتدبيرها مجموعة من المدنيين يتقدمها الرئيس السابق المصطفي ولد محمد السالك ، والذي أطاح بالمختار ولد داداه. و تضم كلا من الوزير الأول السابق سيد احمد ولد ابنيجارة و وزير الداخلية السابق بحام ولد محمد لغظف .

علاقة الشد و الجذب يين العقيد ولد هيدالة و الحركات السياسية الوطنية ، تعدت اليسار إلى التيار القومي العربي ، و على وجه خاص التيار الناصري ، الذي ناله نصيب كبير من فتك نظام ولد هيدالة في أيامه الأخيرة ، حيث تم اعتقال العشرات من نشطاء هذا التيار ، و مات البعض منهم في زنازين التعذيب وفق روايات الناصرين .

تمت الإطاحة بنظام ولد هيدالة في 12\12\1984 على يد العقيد معاوية ولد سيد أحمد ولبد الطائع ، و سرعان ما وقع ولد الطائع في فخ مبارزة الحركات السياسية ، و لم يفصل ولد الطائع في صراعه مع المؤدلجين بين المدنيين و العسكريين ، و كانت سياسة ولد الطائع تقوم على التسريح بالنسبة للعسكريين و الاعتقال و المضايقة بالنسبة للمدنيين.

حركة فلام الزنجية ، و بعض المجموعات القومية العربية المحسوبة على البعثيين ، كانوا في طلائع ضحايا ولد الطائع ، ففي عام 1988 تمت إقالة بعض الضباط البعثيين من الجيش.

الأحداث العرقية

أما قصة ولد الطائع مع “أفلام”، فتعد الصفحة السوداء ليس فقط في عقد الثمانينات، بل و في عمل الدولة الموريتانية ، كما كانت لمخلفاتها نتائج عكسية على الوحدة الوطنية فيما بعد، و أصبح ملف ما بات يعرف بالإرث الإنساني أثقل تركة سياسية يخلفها ولد الطائع لمن تسلموا السلطة من بعده.

فمع أن حقبة الاستقلال لم تسلم من بروز تيارات تدعوا إلى إفريقية الكيان الوليد أو منحه بعض الخصائص التي تؤكد على الهوية الإفريقية للبلاد، بل و حتي انفصال منطقة الجنوب وإلحاقها بأقرب كيان خالص الهوية الإفريقية ، فإن بدايات بروز الحركة القومية الزنجية في موريتانيا تعود إلى منتصف الستينات، و بالتحديد إلى سنة 1966 على إثر أحداث الحركة الطلابية ساعتها، و التي نجمت عنها صدامات بين طلاب الزنوج و العرب، فقد أصدر نخبة من الزنوج ما عرف ساعتها بوثيقة التسعة عشر، و هي رد على المطالبين لنظام التعريب. فبداية الوعي الحركي لدي التيار الزنجي بدأ في قالب ثقافي يتخذ من تبني اللغة و الثقافة الفرنسيتين مشروعه هوية.

ثم سرعان ما بدأ هذا الحس يتشكل على عدة مسارات ثقافية و اجتماعية و سياسية ليتمخض في 14 مارس 1983 عن حاضنة تنظيمية حركية سرية أطلق عليها حركة تحرير الزنوج الأفارقة الموريتانيين و المعروفة اختصارا بافلام (الشعلة).

تسعي الحركة وفق أدبياتها التنظيمية المعلنة إلى تأسيس دولة تقوم على العدالة و المساواة بين المكونتين الرئيسيتين للبلاد العرب -البربر و الأفارقة- الزنوج ،و إلى قيام نظام اجتماعي و سياسي و اقتصادي يتخذ من تقاسم السلطة و الثروة سبيلا للحيلولة دون وقوع هزات اجتماعية قد تعصف بوحدة و استقرار البلاد .

دخلت الحركة و هي في سنواتها الأول في صراع حاسم مع نظام العقيد معاوية سيدي أحمد الطايع ، و قد بدأ هذا الصراع سياسيا ثم سرعان ما حسم عسكريا و أمنيا من خلال إعدامات و اعتقالات طالت عسكريين و مدنيين زنوج ، اتهمهم النظام ساعتها بتدبير محاولات لقلب نظام الحكم عامي 1987 و 1990 م .

و قد كان منشور الزنجي الموريتاني المضطهد ، و الذي وزعته الحركة على هامش القمة الإفريقية المنعقدة سنة 1986 في العاصمة الزيمبابوية هراري ، كان هذا المنشور بمثابة الشرارة التي أطلقت المواجهة بين الحركة و نظام ولد الطائع. ففور عودة الرئيس ولد الطائع للبلاد قام بتنفيذ حملة اعتقالات واسعة طالت بعض مثقفي و رموز الحركة الزنجية.
و يعتبر المنشور أول وثيقة رسمية منسوبة للحركة تعرض فيها الطرح الشامل للحركة في المجالات السياسية و الثقافية الاقتصادية و الاجتماعية.كم يتعرض المنشور لما يصفه بالوضع القاسي و الصعب الذي تعيشه شريحة الزنوج في موريتانيا.

و يقع المنشور في عدة صفحات و قد تعرض بالتفصيل و الأرقام إلى معطيات تؤكد وفق المنشور إلى الهيمنة المطلقة” للبيظان” على كل مفاصل السلطة و الاقتصاد، ويحمل المنشور الاستعمار الفرنسي مسؤولية دعم “البيظان” في سياسة الاحتكار هذه ، و كذا سياسة الهيمنة الثقافية ،التي تتجاهل التنوع القومي و العرقي لموريتانيا، حسب تعبير المنشور. و يري المنشور أن النخبة “البيظانية “الحاكمة آثرت الانفتاح على العالم العربي على حساب البعد الإفريقي للبلاد ، و ذلك لتعزيز مكانتها و سلطتها .

لقد نجح العقيد ولد الطائع في استئصال شأفة فلام داخليا ،لتدير الحركة معركتها مع النظام من الخارج ، و نجحت بالفعل في تسويق صورة سيئة لنظام ولد الطائع على المستوي الغربي و الحقوقي ، كنظام دمويي قام بجرائم تطهير عرقي بحق مجموعة الزنوج ، و ظلت هذه التركة تلاحق ولد الطائع ، حتي و هو خارج دائرة السلطة.

صدر بعد الأحداث عدة إصدارات تتعرض لما لحق بالزنوج الموريتانيين ، و كان أكثرها شهرة و تأثيرا كتاب “كنت في ولاتة:عنصرية الدولة في موريتانيا” الصادر سنة 1999، و يتعرض الكتاب لبعض الأحداث الأليمة و الوحشية من جرائم تعذيب و قتل دون محاكمة يقول أن المعتقلين الزنوج كانوا ضحايا لها بسجن ولاتة الشهير.

الأحدث