جدول المحتويات
الأخبار – الشيخ داداه ولد آباه
لافتات خرصانية يصنعها العاملون في المقبرة لبيعها لذوي الموتى (الأخبار)
ذات الأمر ينطبق على عبد الله. ليس حفار قبور على غرار زميليه، لكنه يمتلك ورشة داخل أكبر مقابر موريتانيا يعد فيها ويسوق لافتات خرصانية تنصب على القبور وتحمل أسماء ساكنيها. يتعلق الأمر بـ”اقتصاد” يقوم على حافة المقبرة، فبينما يودع المصابون أحباءهم يوجد من يعيش خصيصا على مصائبهم. “مصائب قوم عند قوم فوائد”.
ويجمع العاملون في هذا النشاط في حديث مع موفد “الأخبار” على وصف واقعهم المادي بالمزري ويستغربون بشدة عجز الجهة المسؤولة عن تشغيلهم، ذلك أنهم يعملون أصلا بأجور زهيدة كحراس للمقبرة فيما يبقى حفر القبور وبيع اللافتات أمرا ثانويا تضطرهم إليه قسوة الظروف.
خبرة يطوقها الهرم
رغم الشيخوخة ينهض ولد خالد بمهارة وسرعة بمهمة حفر القبور (الأخبار)
خبرة الشيخين في حفر القبور هي حصاد تجربة دامت سبع سنوات. يقول ولد خالد إنه قدم إلى المقبرة في 2003 فيما قدم زميله ولد بلاه قبله بقليل ومنذ ذلك الحين وهما يزاولان عملهما كعمال حراسة وكحفاري قبور. ولا تقتصر خبرة الشيخين على هذا بل تتجاوزه إلى ما يعتبرانها معارف فقهية أخرى تتعلق بالضوابط الشرعية للقبر حسب ما سمعاه من علماء البلد. يقول ولد بلاه “الخيمة، وهي تسمية يطلقها ولد بلاه على القبر العادي الذي لا يتجاوز عمقه طول الساق إلى الركبة، لا يتجاوز عمقها فوق الركبة أما “خيمت خيمتين”، وهي تسمية يطلقها على القبر العميق جدا أي الذي يصل مفصل الورك، فهذه لا تتجاوز “عين الورك”، هذا ما سمعته عند العلماء”، مضيفا “أعرف أيضا الطريقة التي يحفر بها “اللحد” وغير ذلك.
أجور زهيدة
لافتات قيد الإنجاز ستتحول إلى شواهد على قبول الراحلين (الأخبار)
ما يجنيه الشيخان كعائدات لعملهما ينضاف إلى الراتب الرسمي الذي يتقاضيانه من المجموعة الحضرية لمدينة انواكشوط والذي يتراوح ما بين 30.000 و40.000 أوقية. ويشكوان من تدني الراتب في ظل الارتفاع الجنوني للأسعار.
يقول ولد خالد “الرواتب زهيدة وما نتقاضاه من ذوي الأموات قد يوجد وقد لا يوجد” فيما قاطعه ولد بلاه متحدثا بمرارة “نحن لا نعرف هل نتبع للوظيفة العمومية ككل عمال الدولة أم لا، كما أننا لم نستفد من الزيادات التي استفاد منها كل عمال الدولة، هذا فضلا عن أن المجموعة الحضرية حرمتنا من زيادة 50% التي أقرها نظام أعل ولد محمد فال وكذلك زيادة 10% التي أقرها نظام سيد ولد الشيخ عبد الله وبقينا هنا نعاني الأمرين” كما يقول.
"صناعة الموت"
ويصرف عبد الله ما قدره 25.000 أوقية على “الخبطة” الواحدة الشيء التي تمكنه من الحصول على أكثر من أربعين إلى خمسين لافتة أسمنتية يبيع الواحدة منها 1.500 إلى 4.000 أوقية حسب الحجم، فيما يتكرم أحيانا ويتصدق أحايين أخرى ببعضها الآخر إذا ما أحتاج أحد أقاربه أو أحد الفقراء إلى لافتة ليميز بها جنازته، كما يقول عبد الله.
رغم هدوء المكان ورهبته يتحول هذا الجانب من المقبرة إلى ورشة عمل (الأخبار)
ويقترح عبد الله نظاما جديدا لضبط الأموات يقوم على كتابة رقم كل جنازة مسجلة في السجل المحفوظ لدى مكتب التسجيل على اللوحات التي ينجزها وهو ما يسهل عملية ضبط الأموات برأي عبد الله الذي يرى أن مقترحه هو المعتمد في كل مقابر العالم. وفي المقابل يجب أن تتولى المجموعة الحضرية تكاليف إعداد اللوحات الإسمنتية، لكنه لم يجد حتى الآن ردا على مقترحه.
مقبرة مفتوحة
مشكلة أخرى تمكن في اهتمام الموريتانيين بحسن الجوار والذي يمتد إلى المقابر أيضا لذا يصرون على دفن موتاهم بجوار أقاربهم أو مشايخهم أو علمائهم حتى ولو كانوا لا يجدون مكانا بجوارهم بفعل اكتظاظ المقبرة.
ويصف ولد بلاه هذا الموقف بـ”المشكلة الكبيرة”، مشيرا إلى أن هذا يتسبب دائما في وضع “دفين على بقايا دفين” آخر. ولا يجد ولد بلاده حرجا في الجزم بأن عددا كبيرا من الجنائز وخصوصا تلك المدفونة في الجانب الشمالي من المقبرة تم دفنها فوق جنائز أخرى، وذلك بذريعة البحث عن “حسن الجوار”.