جدول المحتويات
الحافظ ولد الغابد/ كاتب موريتاني havez22@gmail.com
وبغض النظر عن جدوائية إعطاء أحكام جاهزة حول حصيلة الجابري الفكرية والتي أرى أنها جهد عزيز المنال لمن لا يستسيغ الخلاصات السهلة فقد أردت أن أتقدم بجملة من الملاحظات والإشكالات أثارها الحوار المتقد الذي أشعلته أنفاس الجابري الأخيرة وروحه المطمئنة ترجع إلى بارئ النِّسَمِ، وقد تَضَمّخت في سني ختام العمر المديد بالقرآن تأملا واستكشافا لآخر قطرات وحي الله المنزل لهداية البشر، وهي لفتة قدرية أرجو مع حصولها أن تكون دليلا على حسن الختام والقبول من رب غفور لنفس فاضت وهي تلتزم خط الملة والأمة. أقول ذلك استجابة للأثر النبوي الذي حض في أداء الشهادة حول الموتى بتذكر المحاسن والله وحده هو الغفور الرحيم.
الجابري نابغة الفلسفة في السياق المعاصر
وقد ركز الجابري على إعادة قراءة التراث العربي في أبعاده المختلفة وسبر أغواره معرفياً ومنهجياً وأبستمولوجياً محللاً أدوات إنتاج المعرفة العربية الإسلامية عبر منهجية معيارية صارمة طبقها على ما أنتجته العقول في عشرات الحقول المعرفية المؤسسة لانطلاقة الثقافة العربية الإسلامية، وليصوغ من ذلك نظريته التي تعتبر كشفا جديدا لوجود ثلاثة أنظمة معرفية كامنة في الثقافة العربية هي: النظام البياني والنظام العرفاني والنظام البرهاني وليؤسس على تشخيصه نظريات فلسفية جديدة من أهمها:
– تأكيده على أن سر التخلف (ضعف الاجتهاد والإبداع) الذي عرفته الأمة ناتج عن غزو تسلل إلى عقل الملة من الخارج في إشارة لـ”هيمنة” الفلسفات «الهرمسية» و”الغنوصية”والخرافات الصوفية التي أصابت القلب والعقل في الأمة بالشلل، أو كما يعبر الجابري بمصطلحه الجديد في حقل الدراسات العربية الفلسفية ما بات يعرف بـ”هيمنة العقل المستقيل في الإسلام”على حياة الأمة وعقل الملة.
كما ركّز الجابري على إنتاج نظرية جديدة في شأن التجديد مؤكداً أن التجديد في الثقافة العربية يجب دائما أن يكون من الداخل «عملية التجديد من الداخل وحدها هي القادرة على إتاحة الفرصة لإعادة البناء فعلا العملية طويلة وشاقة ولكنها جادة» (المدخل للقرآن ص 396) ولا بد هنا أن نشير إلى أن مسألة التحديث افترضت إلغاء التراث والبدء في نقل الجديد من أوروبا دون تمحيص، ما جعلها تصطدم بمُعطى الهوية الدينية الرافض لهذه العملية والمتجه بفعل ردة الفعل للانغلاق على الذات ولكن الجابري يعيد القضية إلى مجراها الطبيعي الاجتهاد من الداخل عقل الأمة للاستئناف.
ومن المعالم البارزة في حياة هذا الفيلسوف الكبير أنه عاش حياته كفافا بعيدا عن تقديم أي خدمات لحكومات الطغيان الاستبدادي والانحراف السياسي، ولكنه عاش في قلب الزحف الوطني النضالي من أجل الانتصار في معركة التخلف التي تكدح من أجلها جماهير وقوى الأمة الصادقة، ويكفي في هذا السياق الاستئناس بشهادتين: أولاهما نجدها عند جورج طرابيشي الذي كان عادلا في خصومته الفكرية للجابري رغم النقد اللاذع يقول: «إن هذا الكتاب (أي نقد العقل العربي) لا يثقِّف فقط بل يغيِّر، ومن يقرأه لا يعود بعد أن يقرأه كما كان قبل أن يقرأه»، وطرابيشي نفسه يعتبر أن الجابري هو الذي حقق في حياته نقلتين هامتين: الأولى «نقلني من الإيديولوجية إلى الإبستملوجية أي من الكلام في الأفكار بإيديولوجية معينة إلى علم معرفة المعرفة، أما النقلة الثانية فإنه قد أجبرني على أن أعيد بناء ثقافتي التراثية».
أما الشهادة الثانية فنجدها عند الفيلسوف الكبير طه عبد الرحمن الذي يعتبر هو الآخر من ناقدي الجابري والذي يشيد بما يسميه تيار اليقظة الفلسفية المتميز الذي عرفه المغرب العربي خلال العقود الأربعة الماضية، ولكن أي إنسان منصف لن يقبل بوجود هذا التيار المغاربي إلا إذا كان محمد عابد الجابري في صدارته، فهل سيتحول الجابري بعد وفاته من صاحب مشروع فكري فلسفي إلى رائد للمدرسة الفلسفية العربية المعاصرة بعد أن تنتفي عوائق المقولة الشهيرة: «المعاصرة تمنع المناصرة»؟ ذلك ما نرجحه والله وحده المسؤول أن يتغمد الجابري بواسع الرحمة وغفران الزلل.