جدول المحتويات
كان رقم 28، عدد من أعدموا شنقا، رقما أكثر من دال وفق المراقبين خاصة في تناصه مع ذكر الاستقلال (28 نوفمبر) وهو نفس التاريخ الذي جرى فيه إعدامهم لتولد علاقة رمزية بين الحدثين لا زالت تثير مطالب بإعلان عيد الاستقلال نفسه “يوما للحداد” وهو ما يرى فيه الكثيرون تحديا للمشاعر الوطنية.
أبرز المصادر المتوفرة عن “مجزرة إنال”، التي ظلت أحد المحظورات إلى وقت قريب، ما كتبه الضابط السابق في الجيش الموريتاني سي محمادو في كتابه “جحيم إنال: رعب المعسكرات في موريتانيا” (هارماتان، 2000). يرسم محمادو مراحل اختيار من سيتم إعدامهم وتعليمهم بأرقام خاصة قبل أن يشرع في قتلهم شنقا ابتداء من الساعة صفر من فجر 28 من نوفمبر سنة 90.
لائحة الإعدام
غلاف الكتاب الذي يوثق لعمليات التعذيب والإعدام في معسكرات الاعتقال في موريتانيا
تم، بعد ذلك، عزل المعتقلين الذين تم ترقيمهم، وكانوا ينتظرون أن يتم ترحيلهم في شاحنة إلى جهة مجهولة.
كانت موريتانيا، رغم أجواء الشحن السياسي والتعبئة الأمنية، تنتظر عيد الاستقلال وكان المعتقلون العسكريون يتوقعون، دون كبير ثقة، موقفا من الرئيس الموريتاني حينها معاوية ولد سيد أحمد ولد الطايع حول “الأسباب الرسمية” لاعتقالهم. فموريتانيا “ستبلغ من العمر غدا ثلاثين عاما، وهذا ليس حدثا تافها، ومن حقنا، من ثم، أن نترقب حلا مواتيا من قبل من هو المسؤول الأول عن مآسينا”. بيد أن “جلادينا كانوا يعدون لنا أكثر أعمال الغدر شناعة منذ قيام موريتانيا” كما يقول محمادو (ص 119).
حوالي منتصف الليل تم وضع المعتقلين الذين تم ترقيمهم أمام العنبر الكبير. كان “خطْـره”، أحد السجانين، يعد، بمساعدة جنود آخرين، الحبال. كانوا يضعون عقدة في أحد طرفي الحبل ويهيئون الطرف الآخر قرب السارية الحديدية التي تتوسط السقف. في مدخل العنبر، كان بعض الضباط يمرون جيئة وذهابا. تحدثوا قليلا إلى جمال ولد اميليد قبل أن يغادروا.
حفلة الموت
لم يكونوا مقربين جميعا للإعدام فحسب، بل كان على الجميع مشاهدة كل شيء حتى النهاية دون أن يكون بوسع أي التعبير عن اعتراضه.
كان خطره الذي يشرف على عمليات الشنق يتوقف بين كل عمليتي إعدام ليحتسي كأسه من الشاي وهو يجلس على أحد الجثامين أوبجانب جندي يتدلى من حبل المشنقة. كان ينتقل بين المعلقين في الحبال ليقوم بالإجهاز على من يتأخرون في إسلام الروح بعصا حديدية مركزا ضرباته على منطقة العنق. وأثناء ذلك، كان سليمان وبقية السجانين معه يجهزون الضحايا القادمين، في احترام تام للترتيب.
إعدام الأشقاء
وحين جاء دور الشقيقين جالو عمر دمبا وجالو إبراهيما دمبا، الذين يحملان أرقاما متتالية، لم يكن أي منهم يريد أن يشاهد إعدام أخيه فكان يطلب أن يتم إعدامه أولا. ومن ثم أجرى الجلادون قرعة جاءت نتيجتها إعدام إبراهيما، الأكبر سنا، أولا. كانا معا على الدوام، وقد شاءت الأقدار أن يتم اختيارهما معا للإعدام.
كان من بين من تم إعدامهم أيضا الجندي انجاي صمبا عمر الذي كان من بين من تولوا اعتقال الضابط محمادو سي، مؤلف كتاب “جحيم إنال: رعب المعسكرات في موريتانيا”، أما صمبا كوليبالي، المنتمي أيضا إلى نفس فصيلة المؤلف، فقد كان يحمل الرقم “28” وقد كان آخر من يقرب إلى حبل المشنقة.
ضحايا إضافيون
بعد “حفلة الإعدام”، تم رص أجساد الجنود قرب إحدى الشاحنات. ليتم، دقائق بعد ذلك، دفنهم خلف الساحة المخصصة للرياضة، وينتهي بذلك حفل تخليد عيد الاستقلال الثلاثين، ولكن على الطريقة العسكرية في “إنال”.
إعدام العسكريين الموريتانيون الزنوج في “إنال” جاء في سياق حالة الاضطراب السياسي والأمني خلال الفترة الفاصلة بين 1987 و1991 والتي شهدت محاولات انقلاب عسكرية وصدامات عرقية.
ويتهم نظام الرئيس الموريتاني السابق معاوية ولد سيد أحمد الطايع باستغلال محاولات الانقلاب لمباشرة عمليات تطهير عرقي استهدف إعادة رسم الخريطة الديمغرافية عبر تهجير عشرات الآلاف من الزنوج إلى السنغال.
وظلت الحكومة الموريتانية والنخب الموالية لها تنفي جملة وتفصيلا حصول إعدامات خارج نطاق القانون أو عمليات تهجير وتتهم، في المقابل، حركة تحرير الأفارقة الموريتانيين بالتخطيط لإقامة دولة إفريقية عنصرية في موريتانيا وإبادة العرب.
وتعتبر الحكومة الموريتانية أحداث تلك الفترة “موضع عفو عام” وهو ما ترفضه بشدة المنظمات الحقوقية والمنظمات السياسية المدافعة عن حقوق المبعدين الموريتانيين وحقوق ضحايا الانتهاكات.
ودعا تنظيم “افلام”، في بيان وزعه قبل أسبوع، إلى إعلان ذكرى الاستقلال “يوما للحداد الوطني” تذكرا للعسكريين الذين جرى اختيارهم عشوائيا وإعدامهم دون محاكمة في إينال فجر عيد الاستقلال عام 1990، فيما ينتظر أن ينظم نشطاء زنوج في المهجر مسيرات ترفع ذات المطلب.