جدول المحتويات
المحامي سيد المختار ولد سيدي
والاعتذار للمجموعة الوطنية عن هذه المفاهيم ومحو ما قد يترتب عليها من آثار قانونية تتعلق بالتقاضي وإدارة إثبات الحقوق.
وقال ولد سيدي في عريضة وجهها لوزارة العدل الموريتانية وحصلت “الأخبار” علي نسخة منها إن قرار المحكمة العليا آنف الذكر “مس من اعتبار وشرف جميع المواطنين الموريتانيين غير الزوايا الأحياء منهم والأموات”.
وأضاف المحامي في عريضته :”إن مصطلحات من قبيل : الزاوي ،الحساني ، الكوري،أزناكي ،الحرطاني، لمعلم ،لحراكي… لا وجود لها إلا في الخطاب الشعبي. وليس استمرار وجودها علي هذا المستوي الاجتماعي محبذا ولا مستحسنا من قبل الدولة والمصلحين أحري أن تنتقل إلي الحقل القانوني ومن أعلي مستوياته فتتداول في قصور العدالة ومدرجات الكليات وعلي صفحات الجريدة الرسمية الموريتانية”!!.
وهذا نص العريضة الموجهة لوزير العدل :
إلي معالي وزير العدل / المحترم
(الأصل في عقود الزوايا من أمثال طرفي النزاع الصحة ” المطابقة للأصل” إذ المعروف منهم أن يتحاشوا صريح الحرام المجمع عليه في عقودهم). وبمفهوم المخالفة [ الأصل في عقود غير الزوايا من العرب وحسان ولحراطين والزنوج وغيرهم عدم الصحة إذ المعروف عنهم عدم تحاشي صريح الحرام المجمع عليهم في عقودهم ].
قرار الدوائر المجمعة رقم:12/2006 بتاريخ:03/05/06
الموضوع: عريضة رامية إلي ممارسة الطعن لصالح القانون
لصالح:وحدة المجتمع الموريتاني وقيمه الأخلاقية
ضد:قرار مبدئي صادر عن الدوائر المجمعة بالمحكمة العليا
معالي الوزير
تؤدي المحكمة العليا وإن اختلفت التسمية (محكمة التمييز،محكمة التعقيب،محكمة النقض،المجلس الأعلى….) من نظام قضائي إلي آخر نفس الدور الذي تلعبه في مختلف الأنظمة القانونية.وهذا الدور يتجسد في نقطتين رئيسيتين:توحيد الاجتهاد القضائي و ضمان حسن تطبيق القانون.
وقد حادت المحكمة العليا عن هذين الهدفين النبيلين في كثير من القرارات التي لن نألو جهدا في اطلاع المجموعة الوطنية عليها والتعويل علي معاليكم في نقضها لصالح القانون. ولا غرو أن يشهد عمل المحكمة العليا الموريتانية قرارات من هذا النوع لأن ما يصدر عنها تطبعه السرية العدو الأول للقانون والشرعية (المحكمة الوحيدة في العالم التي لا تنشر قراراتها ) ولأن أي موظف مهما كان السلك الوظيفي وغير الوظيفي الذي ينتمي إليه يمكن أن يكون رئيسا لها ( شاعرا،ضابطا عسكريا،إداريا مدنيا ، إطارا ببنك تجاري…).
ومن بين تلك القرارات القرار موضوع الطعن والتعليق الحالي.
وقبل عرض أوجه خرق هذا القرار للقانون (ب) نقدم لمعاليكم وقائع هذا النزاع والطبيعة القانونية للقرار (أ).
أ ـ وقائع النزاع والطبيعة القانونية للقرار
1 ـ وقائع النزاع
نشأ نزاع بين إمام مسجد في الإمارات العربية المتحدة ومواطن موريتاني آخر مقيم بالإمارات العربية المتحدة إثر تسلف الأول لبضاعة من بنك دبي الإسلامي بمبلغ ستة وعشرين ألف وستمائة وستة وستون درهما إماراتيا واشتراها منه الثاني بربح خمسين في المائة من ثمنها علي أجل سنة. ولما حل الأجل ورفض المدين الوفاء تقدم الدائن بدعوي أمام محكمة لكصر لتتوالي الأحكام القضائية بعد ذالك متأرجحة بين بطلان المعاملة لربويتها وبين صحة المعاملة ليكون قرار الدوائر المجمعة رقم:12/2006 بتاريخ:03/05/06 آخر وأسمي حكم يصدر في الموضوع قاضيا بصحة المعاملة ونفي الطابع الربوي عنها بحكم أن المعاملة مبرمة بين زوايا يفترض في تعاملهم الصحة لما عرف عن الزوايا من تحاشي الحرام ! ! !
2 ـ الطبيعة القانونية للقرار
1.2 ـ إن القرار موضوع الطعن لصالح القانون صادر عن الدوائر المجمعة بالمحكمة العليا وهي أعلي تشكيلة قضائية في نظامنا القضائي.
2.2 ـ يمكن أن يوصف القرار من حيث صياغته ومحتوي حيثياته بأنه قرار مبدئي
والقرارات المبدئية مصدر هام من مصادر القانون في كل الأنظمة(Arrêt de principe)
القانونية.
3.2 ـ ارتبطت تاريخيا مساهمة القضاء في تكوين القانون وتفسيـــره بهذا النوع من القرارات ،بل إن بعض الفقهاء لا يعترفون بفقه القضاء كمصدر للقانون إلا إذا كان صادرا عن المحكمة العليا واتخذ شكل قرار مبدئي.
ب ـ أوجه خرق القرار للقانون
1 ـ مخالفة أصول التقاضي
واضح من حيثيات القرار أن المحكمة سعت بنفسها إلي جمع معلومات عن أصول الطاعنين ونسبهما. وطبعا لا وجود في أوراق الملف بما فيها مذكرات الأطراف ما يشير إلي أنهم ينتمون إلي الزوايا ولا إلي غيرهم. أي أن المحكمة العليا جمعت بعض المعلومات عن المتداعين أمامها وهو سلوك يتنافي مع أخلاقيات العمل القضائي في كل الأنظمة القضائية عبر العالم.
2 ـ إحياء نظرية استغراق الذمم
قبل الدولة الوطنية وتحديدا في فترة عهد السيبة كان هناك تمييز بين الفئة التي تحدثت عنها المحكمة العليا (الزوايا) وبين غيرها وكان بعض الزوايا في بعض المناطق يؤصل لفكرة الاختلاف بين الزوايا والعرب ويصف الأخيرين بمستغرقي الذمة وهو ما أدي إلي حروب طاحنة معروفة لدي جميع المهتمين. ولم يوحد القضاء وتنشأ المحكمة العليا وتتربع علي عرشه إلا لتكون حارسا متقدما للشرعية وتصنع القطيعة مع ما كان سائدا من تناحر وتشرذم وسيبة ! ! !
3 ـ نقل مفاهيم من السوسيولوجيا الشعبية إلي الحقل القانوني
إن مصطلحات من قبيل : الزاوي ،الحساني ، الكوري،ازناكي ،الحرطاني، لمعلم ،لحراكي… لا وجود لها إلا في الخطاب الشعبي. وليس استمرار وجودها علي هذا المستوي الاجتماعي محبذا ولا مستحسنا من قبل الدولة والمصلحين أحري أن تنتقل إلي الحقل القانوني ومن أعلي مستوياته فتتداول في قصور العدالة ومدرجات الكليات وعلي صفحات الجريدة الرسمية الموريتانية.
4 ـ تدنيس الخطاب القانوني
اعترف للخطاب القانوني في مختلف دوائر البحث العلمي بالاستقلال عن مختلف أنماط التعبير وأصبح تخصصا من أهم تخصصات العلوم الإنسانية. ومفردات هذا الخطاب تتسم بالأخلاقية والتجريد وليس فيها زاوي أوحساني أو كوري أوحرطاني وإنما عقد وشبه عقد، جريمة وشبه جريمة، تصرف وواقعة، جنحة وجناية، مطعون ومطعون ضده، مدعي ومدعي عليه…… وهو ما ينذر بخطر تراجع الخطاب القانوني لمصلحة أنماط من الخطاب الشعبي المبتذل والسوقي.
5 ـ خرق ديباجة الدستور والمادة الأولي منه
نصت ديباجة الدستور والمادة الأولي منه علي مساواة جميع المواطنين. وقد خرق القرار بشكل سافر هذا المبدأ الدستوري والقاعدة الكلية في بناء الدول واستمرارها؛ إذ جاء فيه أنه إذا كان التعامل بين الزوايا فتفترض فيه الصحة. وبمفهوم المخالفة إذا كان التعامل بين حسان أو بين لعرب أو بين لحراطين أو بين لكور أو بين لمعلمين فلا تفترض فيه الصحة.
فهذا تفضيل للزوايا علي غيرهم دون مبرر شرعي أو قانوني أو تاريخي أو أخلاقي ! ! !
ونص المادة الدستورية المستباحة هو:
« La Mauritanie est une République Islamique, indivisible démocratique et sociale.
La République assure à tous les citoyens sans distinction d’origine, de race, de sexe ou de condition sociale, l’égalité devant la loi ».
6 ـ خرق الفقرة الأخيرة من المادة الأولي من الدستور
عاقب الدستور أية دعاية ذات طابع عرقي أو عنصري أو قبلي أو فئوي. ولا جدال في أن الزوايا مجموعة قبائل. وبالتالي اشتمل قرار الدوائر المجمعة بالمحكمة العليا الصادر باسم الله العلي العظيم علي هذه الدعاية القبلية المقيتة.
ونص الفقرة الأخيرة من المادة الأولي من الدستور هو:
«Toute propagande particulariste de caractère racial ou ethnique est punie par la loi ».
7 ـ ارتكاب جرائم ثلب وشتم ضد الموتى
أسس قرار الدوائر المجمعة بالمحكمة العليا قضاءه بأن التعامل بين الزوايا تفترض فيه الصحة علي فكرة أنه عرف عنهم تحاشي الحرام. وبمفهوم المخالفة إذا كان التعامل بين غير الزوايا فلا تفترض فيه الصحة لأنه لم يعرف عنهم تحاشي الحرام. أي أن القرار مس من اعتبار وشرف جميع المواطنين الموريتانيين غير الزوايا الأحياء منهم والأموات. والراجح أن الثلب والشتم الوارد في القرار موجه إلي الأموات لأن عبارة ” عرف عنهم ” توحي بما عرف في الماضي وهو ما يصرف الذهن إلي الأموات . وبالتالي يكون القرار وجه ثلبا وشتما إلي أموات غير الزوايا يتمثل في أنهم لم يكونوا معروفين بتحاشي الحرام. وهو الفعل المجرم بنص المادة 41 من الأمر القانوني رقم:2006/017 حول حرية الصحافة.
8 ـ ارتكاب جريمة التحريض علي التباغض بين المواطنين
إن حماية الروابط الاجتماعية وتلاحم الأمة وتكريس الاستقرار ـ خاصة في مجتمع ظلت وحدته محل مزايدة من الجميع ـ حتم تجريم كل ما من شأنه التحريض علي التباغض بين المواطنين. والقرار بحديثه عن فئات يفترض في تعاملها الصحة وأخري لا يفترض في تعاملها الصحة وفئات عرف عنها تحاشي الحرام وأخري لم يعرف عنها ذالك يكون قد هدد وحدة المجتمع وزرع أسباب الفتنة والبغضاء بين مكونات النسيج الاجتماعي. وهي الجريمة المعاقب عليها بالمادة 40 من الأمر القانوني رقم:2006/017 حول حرية الصحافة.
لكل هذه الأسباب
وعملا بالمواد:22 جديدة من الأمر القانوني رقم:012/2007 بتاريخ:03/05/2006 المتضمن التنظيم القضائي والمادتين:230 و231 من قانون الإجراءات المدنية والتجارية والإدارية
فإننا نلتمس من معاليكم توجيه أمر إلي المدعي العام لدي المحكمة العليا لممارسة الطعن لصالح القانون ضد القرار رقم:12/2006 بتاريخ:03/05/06 واستبعاد الحيثية التالية : (الأصل في عقود الزوايا من أمثال طرفي النزاع الصحة ” المطابقة للأصل” إذ المعروف منهم أن يتحاشوا صريح الحرام المجمع عليه في عقودهم).
والاعتذار للمجموعة الوطنية عن هذه المفاهيم ومحو ما قد يترتب عليها من آثار قانونية تتعلق بالتقاضي وإدارة إثبات الحقوق.
ذ / سيد المختار ولد سيدي