تخطى الى المحتوى

الدبلوماسية الموريتانية :عقدان من التعثر

جدول المحتويات

تعيش الدبلوماسية الموريتانية حالة من الاضطراب شابت عملها خلال العقدين الأخيرين من عمر الدولة الموريتانية رغم تبادل أربعة رؤساء علي سدة الحكم في موريتانيا مما شكل صدمة للمراقبين المتابعين لتطور الوضع السياسي في البلاد خلال العقود التي تلت استقلال موريتانيا عن فرنسا عام 1960.

وزارة الخارجية التي تضاعفت موازنتها خلال السنوات الماضية لا يزال أدائها يراوح مكانه رغم التحسن النسبي الذي تشهده بعض قطاعات الدولة الأخرى ضمن حملات تجميل تطال أغلب المصالح الحكومية مع كل تعديل وزاري أو تغيير في هرم السلطة.

ولعل أكبر المشاكل والإخفاقات التي واجهتها الدبلوماسية الموريتانية خلال العقدين الماضين هو تراجع الدور العربي والإسلامي لموريتانيا كجزء من العالم الإسلامي وغيابها عن ساحة التأثير بل والتأثر بما يدور داخل أرجاء المعمورة لصالح بروز قوي إقليمية وعربية أخري.

العلاقات الموريتانية الإسرائيلية كانت بمثابة التعبير الصارخ عن تخبط السلك الدبلوماسي الموريتاني حيث أرتمي الأخير في أحضان الغرب بينما تراجعت العلاقات الموريتانية العربية بشكل مخيف خلال عقد التسعينات بل وتوترت بشكل لافت خلال السنوات الأخيرة من عمر تظام الرئيس الموريتاني معاوية ولد سيد أحمد ولد الطايع السياسي.

فقد كانت سنة 1990 بداية توتر في العلاقة مع الكويت بعد الموقف الموريتاني من احتلال العراق لجاره ،لكن تلك المواقف الحميمية بين العراق وموريتانيا لم تعمر طويلا بعد أن طرد السفير العراقي من نواكشوط واعتقال أنصار النظام في بلاد المرابطين.

ولم تكن العلاقات الموريتانية السورية أو السودانية بأحسن حال فقد سائت تلك العلاقات لدرجة تبادل الشتائم والتهم تماما كما حصل مع الجار الليبي الذي أتهم أكثر من مرة بالتدخل في شؤون موريتانيا الداخلية والعمل علي زعزعة استقرار البلاد بالتواطئ مع شركاء محليين.

وأنتقلت عدوي المواجهة بين النظام الموريتاني وأشقائه العرب إلي العربية السعودية التي أغلق معهدها الديني بنواكشوط وأتهمت من قبل وسائل الإعلام الرسمية بتمويل ودعم التيار الإسلامي السلفي والعمل علي زعزعة المعتقد الديني بموريتانيا وهو ما ردت عليه الأخيرة بتقليص مساعداتها لنواكشوط ورفض ثلاث سفراء كان الشيخ أحمد ولد الزحاف آخرهم قبل أن تنجح الوساطات بين البلدين أخيرا في قبول نواكشوط للسفير الموريتاني محمد محمود ولد بيه الذي تحفظت عليه الرياض لأسباب عديدة أقلها مشاركته في الحكومة التي قادت الحرب الإعلامية علي المملكة ورموزها خلال السنوات الأخيرة من عمر النظام الذي قاده الرئيس المطاح به معاوية ولد الطايع.

ولم يكن الجوار الإفريقي بأحسن حالا من العرب الطامحين إلي علاقات متوازنة مع نواكشوط فقد فقد كادت الأخيرة تخوض حربا مسلحة ضد السينغال وهاجمت “بوركينا أفاسو” بعد دعم الأخيرة للانقلاب الذي قاده ولد حننا ورفاقه وتسممت الأجواء مع الماليين أكثر من مرة كان آخرها في عهد الرئيس الموريتاني الجديد محمد ولد عبد العزيز الذي أقال السفير الموريتاني في باماكو ولد أحمد شله لمواقفه الداعمة للرئيس الموريتاني السابق سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله وعين سيدي محمد ولد حننا خلفا له وهو ما تحفظت عليه “باماكو” قبل أن تتدخل ليبيا مجددا للوساطة بين الطرفين قبل يومين فقط من استقالة رئيس المجلس الأعلى للدولة ساعتها الجنرال محمد ولد عبد العزيز من سدة الحكم.

ولم تكن العلاقات الموريتانية الغربية في أحسن أحوالها فقد توترت العلاقات الموريتانية الفرنسية بعيد اعتقال الأخيرة للضابط الموريتاني اعل ولد الداه بتهم تتعلق بتعذيب بعض الزنوج الموريتانيين ،ورغم التحسن الذي طرأ عليها بعد ذلك فقد توترت من جديد في صمت بعيد تعيين أستاذة الأدب الإنكليزي لمات بنت أونن سفيرة في فرنسا وعجز السلطات الأمنية والسياسية عن وضع حد لاستهداف الفرنسيين علي الأراضي الموريتانية مما عجل –كما يقول العارفون- برحيل رئيس البلاد المنتخب ساعتها سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله في انقلاب عسكري قاده الجيش في السادس من أغشت 2008.

انقلاب عسكري كان كافيا لتوتير العلاقة مع الولايات المتحدة الأمريكية التي عارضت بشكل علني وقوي وصول العسكريين للسلطة وعملت بالتنسيق مع بعض القوي السياسية للإطاحة بحكم الجيش ليستقيل السفير الموريتاني في واشنطن من السفارة التي ظلت شاغرة إلي اليوم رغم انتخاب رئيس جديد للبلاد وتحسن العلاقات نسبيا مما يعكس حجم الخلل القائم ،حيث لا تزال الخارجية تدرس إمكانية تعيين وزير الخارجية السابق محمد محمود ولد محمدو سفيرا لنواكشوط بواشنطن لكن إكراه الوضع القبلي بموريتانيا والجنسية الأمريكية التي يحملها الرجل قد تكون عائقا أمام وصوله لأرفع منصب في الخارجية حتى الآن.

ولم تكن الولايات المتحدة الأمريكية الوحيدة التي عارضت الانقلاب أو توترت علاقاتها مع نواكشوط بسببه فقد عارضت الجارة الجزائر وصول العسكريين للسلطة في انقلاب عسكري ودفعت باتجاه عزلة المجلس الأعلى للدولة الحاكم ساعتها من خلال تواجدها القوي في بعض المنظمات الإقليمية والعالمية مما كان له بالغ التأثير علي الوضع في موريتانيا ودفع باتجاه قطبين أحدهما داعم لحركة الجيش وآخر مع الجبهة الوطنية للدفاع عن الديمقراطية الرافضة لنتائج الانقلاب العسكري الذي قاده الجنرال محمد ولد عبد العزيز، الرئيس الموريتاني الحالي.

ولعل السؤال المطروح حاليا داخل أروقة الخارجية الموريتانية هو ما إذا كانت الجزائر ستقبل السفير الموريتاني الجديد لديها بلاه ولد مكيه في ظل ما يقال عن امتلاكه للجنسية المغربية ولعلاقة أسرته تاريخيا بالمملكة المغربية ودوره المحوري في نظام الرئيس الموريتاني المخلوع معاوية ولد الطايع الذي كان أمينا عاما للحزب الحاكم في عهده إلي الإطاحة به في انقلاب عسكري سنة 2005.

مخاوف صاحبت تعيين السفير الموريتاني بالإمارات التي يحل وزير خارجيتها ضيفا علي موريتانيا بعد ماتردد عن فتور في العلاقة بين البلدين بسبب التحسن المضطرد للعلاقات الموريتانية الإيرانية .

تلك العلاقات التي انتعشت كثيرا بفعل الموقف الذي أتخذه الرئيس الموريتاني محمد ولد عبد العزيز من العلاقات الموريتانية العبرية بعد أن تم تجميدها خلال قمة الدوحة الطارئة وهو ما توجته طهران بدعم مالي سخي قيل إنه في الطريق وإن أغلبه سيخصص لمشاريع تنموية في مجال الطرق والعمران ودعم القطاع الصحي المتعثر هو الآخر.

لكن العلاقات الموريتانية الإماراتية شهدت انفراجا كبيرا خلال الأسابيع القليلة الماضية بعد تعيين سفير جديد للإمارات المتحدة في نواكشوط والإعلان عن قرب زيارة وزير الخارجية الإماراتي لنواكشوط خلال وقت وجيز.

ويقول العارفون بكواليس الدبلوماسية الموريتانية إن اتخاذ القرارات المتعجلة من قبل الحكومات المتعاقبة شكل نكسة لمجمل الجهود المبذولة ،فقد تعثرت العلاقات الموريتانية الأردنية بعد قرار حكومة الزين ولد زيدان إغلاق السفارة الموريتانية بالأردن بينما تم الإبقاء علي السفارة في تلابيب ساعتها.

وهو القرار الذي بموجبه تم إغلاق السفارة الموريتانية بلندن والقنصلية الموريتانية بالدار البيضاء من أجل تقليص النفقات الحكومية كما قالت الحكومة ساعتها حينما حاولت التخفيف من حجم الصدمة التي شعر بها الشارع السياسي تجاه القرارات التي شكلت نشازا كما يقول معارضو النظام في توجهات البلد أنذاك.

الأحدث