جدول المحتويات
بقلم: الأستاذ/ عبد الرحمن ولد الخليفه
لأن “الدولة” التي أقيمت على هذه الربوع – رغم احترامي وتقديري للنيات الطيبة والجهود الإيجابية لبعض من الرعيل الأول- تعود كفكرة للظرف الزمني آنذاك، وكوجود للمستعمر الذي أراد لها أن تكون كيانا مستنسَخا يسير بالقياس والمحاكاة وفقا لأنماط مجاورة.
فاستُنسخ وحُول “نموذج” مدينة سينلوي (اندرْ) لتستنبت على طرف اللسان الجنوبي للصحراء وتأخذ اسم نواكشوط، كبذرة لكيان دولة مستوردة، لا علاقة تربطها بمواطني البلد الجديد، سوى انتماء عرقي فقط لأفراد قلائل، أسندت لهم في البداية حقائبهم بالإنابة، على أن تتولى زمرة من المستشارين والإداريين الفرنسيين، خلال العقد الأول على الأقل من عمر الكيان، وضع القوالب والأسس العامة لمختلف مرافق وقطاعات الدولة الوليدة، وهي طريقة اتبعت “لـتأهيل” النماذج المشابهة.
بذور الخلل وأسباب المعاناة:
ورغم تعدد الانقلابات وأخذ السلطة لأكثر من مظهر، فإنها في كل مرة تتحول إلى أداة لتكريس الوضع السلبي أكثر، وإضفاء الصبغة الرسمية عليه، وهو أمر جد طبيعي لأن الدافع عندنا للحكم وتولي السلطة ذاتي في الغالب.
الأداة:
ضياع القيم واستشراء الفساد:
ولأن رأس السلطة أو الدولة، لا فرق عندنا بين الاثنتين، رأس الدولة أو الجمهورية، لا فرق… “رأس الشأن وسنامه”، مطلق اليد وكامل الصلاحيات: يوزع المنافع والمناصب وفق هواه، ويمنعها طبقا لمزاجه، غير معني بالضوابط والأهلية وموضوعية المعايير، أصبح التزلف له فريضة عند الخواص، وسنة متبعة عند العامة، فتحكم في النفوس سيد الرذائل (الطمع في غير الله)، وأضحى النفاق سمة للصفوة قبل الدهماء: فوصفه أحدهم في العدل بثاني الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم، وفي الحلم بأول خلفاء بني أمية، وقدم له المصحف الشريف كهدية (…..)…
ولأن المدح لم يكن موضوعيا، كانت المكافأة أقل موضوعية، فأسند الشأن لغير أهله، وتقاسم الرويبضات والرعاة المناصبَ والمنافعَ، وتحولت القطاعات والمرافق العامة إلى دكاكين وعنابر (سوق) تعج باللصوص والسماسرة والمرابين وباعة الضمير وكل الأسماء والألقاب المستحدثة (التبتابة، الكزارة…)، فاستبدلت القيم واستشرى الفساد وعم.
حتميا كان الأمر أم قدر:
الأكيد أن الظلم فعل مشين، والطبيعة تأبى الخلل، والعدل من أسماء الله.
الدولة الوطنية:
الدولة الوطنية شيء محسوس وملموس، احترامه صادق، عفوي ومتجدد، تنشأ بالإرادة الحرة لأبنائها، وتبنى بسواعد الرجال الشرفاء.
"هم العدو فاحذرهم…":
الدولة عند أولئك كعكة بين يدي الزعيم، والغريب أنهم في الغالب ورغم ضعفهم الذاتي وهشاشتهم البنيوية، وكونهم مجرد نمور من الرماد، يحققون في النهاية ما أرادوا، ولأنهم لكل الزعماء السابقين كانوا خواص وأعوان فإن الكل يتوقع ويخشى أن يعودوا هم أو بدائلهم، فالمفسدون أجيال ومراتب، تحتل الفئات الفاسدة حديثا والهواة رتبهم الدنيا.
من المؤكد أن الاستحقاقات الرئاسية الأخيرة ونتائجها شكلت مرجعا أثبت أن قوة المفسدين ضعف، وأن المعتمد عليهم كالجالس على كرسي من سراب.
كما أن نجاح الرئيس الحالي محمد ولد عبد العزيز في الشوط الأول وبأغلبية مريحة رغم اصطفاف أغلب الرؤوس الفاسدة ضده، يعد بمثابة تحد حقيقي لهم، وردة فعل قوية من ضحايا أفعالهم.
صحيح أن الرئيس محمد ولد عبد العزيز تعهد باستئصال الفساد ومحاربة المفسدين وإحداث تغيير بناء وهي التزامات إن حققها سيخلده التاريخ.
وصحيح أيضا أنه لُقب بمرشح الفقراء وانحاز إلى الفئات الضحية (الفقراء والمهمّشين…).
فانحناؤه لشيخ مقعد على سرير رث في عريش لا يساوي ثمن نعليه مسألة جديدة وتواضع لم يسبقه له زعيم.
وانتقاله من أرقى منزل في أرقى حي إلى حيث تقيم فئات المعوزين والبؤساء وإلقاؤه لخطاب عفوي ومرتجل يحمل السلطة وأدواتها المسؤولية عن واقعهم المزري والتزامه بتغيير أوضاعهم مسألة جديدة كذلك وغير مسبوقة.
تلك الالتزامات والصفات والشمائل مطلوبة ومحمودة، وسيشكل تحقيقها كواقع معاش بداية لوجود مصداقية الدولة المفقودة منذ النشأة، بالإضافة إلى تحقق أمور ثلاثة:
1- وجود المناخ اللازم لتحقيق الإصلاح.
2- استعادة المصداقية والاحترام للسلطة.
3- إحياء الثقة وبعث الأمل عند المواطن عموما.
سيادة الرئيس، إن الواقع كما وُصف، والفساد بنيوي كما تعلم، والمفسدون هنا وهناك وهنالك، وتبقى النية الحسنة والإرادة الصادقة والإيمان بالله وحده، ثلاثة إن اجتمعت لامرئ كفته، وكان الله معه.