جدول المحتويات
وقام الرئيس الليبي بالإشراف على لقاء أطراف الأزمة السياسية الموريتانية حيث قدم قراءاته السياسية لتاريخ موريتانيا الذي تميز بالحضور الفاعل للانقلابات العسكرية حيث اعتبر القذافي أن الديمقراطية النيابية تشاكل الانقلابات لأنها تدفع للتحزب والصراع المستمر بين الفرقاء وحيث تشكل كل مناسبة انتخابية فرصة لانقلاب أحد الأطراف على الآخر وانتقد الوسيط الليبي بحضور الفرقاء الموريتانيين المسار الديمقراطي الذي مرت به موريتانيا منذ العام 1986 وحتى الآن داعيا إلى اعتبار تاريخ الإنتخابات الذي حدده العسكريون في موريتانيا بصورة انفرادية 6 يويو2009 تاريخا لإحداث قطيعة مع الماضي وبناء ما سماه موريتانيا جديدة.
تنافر الثوار
تصريحات من يوصف في ليبيا بــ”الثائر المسلم” ما كادت تكتمل حتى ثارت ثائرة الجبهة المناوئة للإنقلاب فأنسحبت محتجة على كون الوسيط انحاز للطرف العسكري المهيمن على مقاليد الأمور في موريتانيا منذ السادس من أغشت 2008 معبرة عن خيبة أملها في العقيد الضيف الذي اعتبره راديكاليو الجبهة غير مؤهل للوساطة لأنه رهينة ثقافته وتجربته الشخصية “المترعة بالتسلط والدكتاتورية” ولم يستطع بعد أن ينتقل لآفاق الدور الإقليمي والدولي الذي بوأته إياه المنظمات الدولية الست في اجتماع باريس الأخير 20 فبرار2009.
وبذلك تدخل الوساطة الليبية في النزاع الموريتاني مرحلة جديدة من غموض المصير وفقدان بوصلة الوجهة المستقبلية رغم تأكيد ليبي لم يتجاوز تصريحا إعلاميا برغبة رئيس الإتحاد الإفريقي في مواصلة لعب دور الوسيط على خشبة المسرح الإقليمي والقاري كما هو مقتضى الدور ومتضمن التكليف الدولي.
غير أن زيارة العقيد الليبي لموريتانيا التي جاءت بعد انقطاع دام 25 سنة حققت للدولتين منجزات ستبقى ذات دلالة إذا ما تم تنفيذها بالفعل فالاستثمارات الليبية التي دشنها القذافي صحبة الجنرال محمد ولد عبد العزيز بحد ذاتها تكفي في اعتبار الرسميين كعلامة نجاح بارزة للزيارة الليبية التي أسست لتعاون تنموي يتمحور حول ثلاثة مشاريع بلغت تكلفتها مليارات الدولارات ومن أهمها التمويل المقرر لاستئناف عمل شركة الخطوط الجوية الموريتانية التي أنهارت في ظل حكومة الرئيس المعزول سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله ، إضافة إلى الفندق الذي سيمتص بطالة 400 من اليد العاملة وطريق يحمل اسم “طريق القذافي” بتفرغ زينه ” لتكون بذلك نواكشوط العاصمة العربية الإفريقية التي حققت للزعيم ما ترفضه كل العواصم بل حتى المدن والبلدات على طول العالم العربي وعرضه حيث لا تلاقي الأفكار الاستعراضية للزعيم الليبي إلا النكير والرفض في أغلب الأحيان وهو ما جعله يولي وجهه شطر إفريقيا التي وجد فيها مايسد تعطشه لدور القائد الأممي كما أحب أن يصوف دائما.
وإذا ما استأنف القذافي دور الوسيط الحيادي حسب معايير جبهة الدفاع عن الديمقراطية فإن الزيارة ستعد بعد هذا الظرف أكثر نجاحا خصوصا وأن مصادر صحفية تابعت عن كثب الزيارة خلال الأسابيع الماضية رجحت أن الانقسام بشأن تقيم الزيارة سيستمر في الشارع الموريتاني انطلاقا من خلفية تأثيرات صراع الأزمة السياسية والتي تتنازع أطرافها التأثير في الرأي العام الموريتاني قي الوقت الراهن.
استمرار الجدل التاريخي
وسيستمر جدل الموريتانيين بشأن العديد من أصداء الزيارة التي لن يخفت صوتها قريبا في موريتانيا التي يمتلك شعبها ذهنية (الثقافة الشفهية ) التي تعيد التأمل وتسترجع وقع الكلمات خصوصا وأن الرئيس الليبي تحدث بسخرية لاذعة وربما في رأي البعض أيضا تصرف كذلك فالرجل الذي أصغت له الآذان بوصفه صاحب أفكار جديدة ظل يسترجع هو أيضا ما درج عليه منذ عقود من إطلاق المواقف التي قد تكون بالنسبة له في منتهى الجدية ولكنها بالنسبة للمراقب الخارجي تبدوا في أحسن الأحوال هزلية وغير جادة بل وخارجة عن السياق أو كما يعبر الموريتانيون “أخروج”.
فالحديث الطويل الذي تناوله القذافي عن العديد من القضايا التاريخية كمسألة اضطهاد الأشراف والدولة الفاطمية لا يمكن أن يستسيغه الموريتانيون الذين يهتمون أكثر من أشقائهم العرب الآخرين بالأنساب والتواريخ ولم تحصل في ذاكرتهم التاريخية انقطاعات تسمح بتركيب اضطهاد آل البيت جراء ثوراتهم المتتالية في وجه الحكم الأموي والعباسي على الدعوة لبعث الدولة الفاطمية بوصفها أداة خلاص لأن العوائق المنهجية أمام تحويل تاريخ دولة إلى إيديولوجيا خلاصية لن يكون متماسكا في الذهنية الموريتانية الشنقطية وخصوصا عند الأشراف الذين ربما لا يسلمون للقذافي بشرعية ادعاء الدولة الفاطمية التمثيل الشرعي للأشراف على عهدها فكيف بالأمر وهي مجرد خيال تاريخي تقضى زمنه وانفصل واقعه عن التأثير في الواقع المعاش اليوم.
مع أن باحثا موريتانيا في التاريخ قال للأخبار :”إن تحقيق مناط شرعية انتساب الفاطميين للآل البيت مثار نقاش وجدل تاريخي لن يحسم ربما لصالح الفاطميين مع صعوبات بناء إيديولوجيا الشرعية السياسية على أساس نسب هو في نظر الأشراف أنفسهم محل جدل كبير خصوصا مع وجود صعوبات أخرى تتمثل في اختلاف مرجعية الأشراف السنية في الشمال الإفريقي مع الدولة الفاطمية العبيدية (شيعة اسماعيلية) وهي صعوبات لم يأخذها القائد الليبي في الحسبان إن كان يقصد ما يقول فعلا”.
ويعتقد الكثير من المراقبين للوضع السياسي أن أسبوع القذافي وصلواته في موريتانيا ستخلف صعوبات كبيرة في علاقات موريتانيا بدول مثل العربية السعودية والكويت والإمارات العربية المتحدة وهي من أكثر الدول العربية تأثيرا على موريتانيا خصوصا في الجوانب التنموية والاقتصادية.
ولن يفارق طيف القذافي صناع القرار في الخارجية الموريتانية الذين ستطاردهم لعنته “العربية” و”الغربية” ولا تعرف لحد الساعة تداعيات موقف القذافي من الحوار وهو قائد الإتحاد الإفريقي على مستوى هياكل الإتحاد وكيف سيكون موقف الدول المؤثرة الرافضة للانقلابات انسجاما مع ميثاق الإتحاد كما أكدت مرارا دول مثل الجزائر ونيجيريا وكيف سيكون تعليق سلطة الإتحاد الإفريقي بعد تصريحات الرئيس الدوري الأخيرة في موريتانيا.
الجيش والسيادة
يعتبر العديد من المراقبين أن سماح الجنرال ولد عبد العزيز للقذافي بإدخال وحدات الحرس الليبي لحراسته منافية لأعراف الدول التي تحترم ذاتها ولا تقبل بما يمس سيادتها الوطنية ويقول هؤلاء إن الجيش الموريتاني جرح في كبريائه لأنه سمح لقوات عسكرية مدججة بالسلاح بالقيام بمهام عسكرية على أراضيه دون مبررات مقنعة في ظرفية يتولى فيها الجيش مقاليد الأمور حيث ينبغي أن تكون حساسية القيادة العسكرية والسياسية أكثر ارتفاعا تجاه هذه المسألة ويذكر الموريتانيون كيف تم إلغاء المناورات العسكرية التي كانت ستشارك فيها قوى أجنبية خلال فترة حكم المجلس العسكري السابق 2006 تفاديا لإحراج تلك المناورات.
بل إن الكثيرين يتذكرون رفض الرئيس الأسبق محمد خونة ولد هيدالة وجود قوات عسكرية تحرس القذافي ذاته 1982 إبان زيارته لموريتا نيا في ذلك الوقت معتبرا أن ذلك يتنافى وأخلاق الضيافة فضلا عن ما يفهم منها من فقدان الجهة المضيفة لمصداقية عدم مقدرتها على تأمين ضيوفها وحماية البيضة والحوزة وتلك اتهامات ضمنية لا تقبلها الدول والجيوش التي لابد أن تفرض احترام ذاتها قبل مطالبة الآخرين باحترامها.
وبالجملة فإن زيارة الزعيم الليبي لموريتانيا قد حققت جملة من النجاحات ولكنها أيضا وقعت وأوقعت في بعض الإخفاقات وبمعايير الربح والخسارة فقد ربح المجلس العسكري الحاكم وقوف الزعيم الإفريقي إلى صفه ونصيرا لتسويق الاستحقاق القادم 6يونيو2009 الذي يرفض الطرفان الآخران جعله سقفا لتجاوز الأزمة دون ضمانات.
وإن كان لابد من تحديد خاسر فهو الجبهة المناوئة التي راهنت على الموقف الدولي منذ اللحظات الأولى وعملت خلال الأشهر الماضية على جعل المنظمات الدولية تتبنى أجندتها الرافضة لاستمرار الانقلاب وما إن حانت ساعة قطاف الجبهة لجهودها حتى وجدت كل أوراق اللعبة بين يدي الزعيم الليبي العصي على الانسياق وراء الأطروحات الجبهوية حول الدفاع عن الديمقراطية لأن الديمقراطية النيابية بالنسبة للزعيم المؤثر في الإتحاد الإفريقي هي أيضا شبيهة بالانقلابات بل إن القذافي وهو يحلل أنظمة الحكم وتجاربها في إفريقيا أكد رفضه تماما وبصورة لا لبس فيها للديمقراطية في هذه البلدان داعيا بصورة ضمنية إلى نشأة أنظمة وطنية على غرار التجربة التي طبقها هو خلال فترة حكمه .. وستجد الجبهة نفسها مرغمة على الابتهال :” اللهم عجل فرج الديمقراطية .. المنكوبة “.
الأخبار : أول وكالة أنباء موريتانية مستقلة