تخطى الى المحتوى

بقرار رسمي... أسواق موريتانيا من دون مصليات

جدول المحتويات

هذه الدائرة المحاطة بالحجارة هي كل ما بقي من مصلى سوق العاصمة الذي شيد سنة 1983 وهدمته المجموعة الحضرية قبل يومين (تصوير الأخبار)

هذه الدائرة المحاطة بالحجارة هي كل ما بقي من مصلى سوق العاصمة الذي شيد سنة 1983 وهدمته المجموعة الحضرية قبل يومين (تصوير الأخبار)

“لقد بنيته في عهد الرئيس العسكري الأسبق محمد خونه ولد هيداله، وحافظت عليه مدة خمسة وعشرين سنة، ولم أكن أتصور أنني سأعود إليه اليوم وقد هدمته جرافات المجموعة الحضرية، ولعبت به دون مبرر لتحرمنا من الصلاة في مصلى عشنا من أجله سنوات طويلة”.
بهذه الكلمات المعبرة، كان التاجر المسن يعقوب ولد حرمة الله يصف المشهد المتأزم في السوق المركزي بنواكشوط بعد إقدام جرافات المجموعة الحضرية على هدم عدد من المصليات التي أقامها تجار السوق، وذلك بحجة عدم الترخيص.
مراسل وكالة “الأخبار” زار المنطقة اليوم الأربعاء 25 فبراير 2009 ورصد عددا من مصليات السوق المركزية التي هدمت من قبل المجموعة الحضرية، وسط استنكار وغضب عارمين من طرف القائمين على هذه المصليات وجيرانها، مطالبين السلطات بالتراجع عن هذا القرار الذي وصفه الكثير منهم بـ”المرفوض” و”المسيء لشعب مسلم بالكامل”.
يعقوب قال إنه أسس مسجده الذي كان واقعا غرب سوق العاصمة المركزي، بتاريخ 16-02-1983 في أيام حكم الرئيس السابق ولد هيداله، وقد ظل عاملا على ترميمه والمحافظة عليه، وكان عدد المصلين فيه يبلغ حوالي 100 شخص، من بينهم دارسون للقرآن الكريم بداخله”، مضيفا أنه قام مرة بتوفير الماء داخل حاويات بجانب المصلى، ولكن السلطة طلبت منه إزاحة هذه الحاويات، وذلك حفاظا منها على النظافة، وقد استجاب بسرعة لطلبها من أجل الإبقاء على مصلاه ولكنه في هذه الحملة الأخيرة لم يسلم؛ فقد غادره مساء الاثنين الماضي مصلى، لكنه فوجئ به في صباح الثلاثاء أرضا جرداء.!
وأضاف :”كل ما أطلبه هو “السماح للمسلمين بالصلاة في بقعة هذا المصلى الذي تعرض للتجريف الليلي من طرف مجموعة نواكشوط الحضرية، وذلك بعد أن قام بإعادة رسم حدوده من خلال بقايا الحجارة التي بقيت من عملية تجريفه، والسماح له ببناء حائط عليه على الأقل”، وفق ما جاء في حديثه لـ”الأخبار”.
وقد أكد الكثير من الباعة في حديثهم مع “الأخبار” أن عدد المصليات المهدمة حتى اليوم الأربعاء وصل إلى ثلاثة، وأنهم لا يستغربون أن يرتفع هذا العدد إذا استمرت هذه الحملة التي يرون أن لها أهدافا لا علاقة لها بـ”تنظيم السوق” المعلن من طرف المجموعة الحضرية.

باعة الشارع غاضبون.. للمصليات أم لتجارتهم؟

أسوق العاصمة بدون مصليات (تصوير الأخبار)

أسوق العاصمة بدون مصليات (تصوير الأخبار)

عدد من الباعة السابقين على قارعة الشارع الغربي لسوق العاصمة في حديثهم مع مراسل “الأخبار” عبروا عن رفضهم لقرار طردهم، الذي يرفضون أي علاقة له بـ”تنظيم السوق”، فهم لا يرون مانعا في التعاطي مع السلطات في تنظيم السوق والشارع وكل شيء، لكن ما يجري الآن شيء آخر..!
زينب : بائعة “نؤرة” (الحلوة) : كانت تجلس بجانب المصلى الذي كان موجودا غرب السوق قبل هدمه، تطالب بإعادة بناء المصلى فورا مع أنها لم تكن من رواده من المصلين، لكنها كانت تجلس في ظله لتبيع ما تيسر من تجارتها اليسيرة، وتقول “مطاردتنا أمر غير مقبول، ومصادرة ممتلكاتنا أمر مرفوض”، مشيرة إلى أن بعض الباعة صادرت الشرطة جميع معروضاتهم ورفضت الحديث معهم، إلا إذا دفعوا لها مبلغا يتراوح ما بين 500 و 1000 أوقية، ومن لم يدفع هذا المبلغ فلا حوار معه!” تضيف زينب.
وحول سؤال لمراسل “الأخبار” حول ما إذا كانت البائعة زينب ترفض تنظيم السوق وتصر على عودة الفوضى التي كانت سائدة؟ قالت زينب “نحن نريد أن توفر لنا السلطة مكانا مناسبا للتسوق بدل أن تقضي على مصدر قوتنا تحت ذريعة النظام”، ليقاطعها قبل أن تكمل كلامها، أحد الباعة الغاضبين بالقول: “موريتانيا أصبحت فوضى بلا رئيس وبلا تسيير”، ويعلق على كلامه زميله بالقول: “هدف الشرطة هو جمع المال فقط وليس النظام”.
أما أحد باعة الفواكه بجانب السوق، فيتمنى ـ وهو يجلس على حين غرة بجانب عربته ـ أن لا تستمر هذه الحملة طويلا، لأنه ينتظر مطاردة الشرطة له في أي لحظة، مع تمنيه في نفس الوقت أن يكون هناك نظام حقيقي يضمن حقوق الجميع في العيش، مشيرا إلى أن ثمة نوعا من الازدواجية يطبع سلوك الشرطة في تعاملها مع الباعة، مستدلا بالقول: “إن بائع الكتب الذي يجلس بجانبه لم يتعرض للطرد من قبل الشرطة، التي اكتفت بأن تطلب منه الاقتراب من جذع الشجرة التي يعرض كتبه في ظلها، وهو نفس السلوك الذي اتخذته الشرطة مع جاره الآخر الذي يعمل بائعا للفواكه؛ حيث تم إعفاؤه من الطرد بعد اتفاقه مع الشرطة على أن يدفع لهم يوميا مبلغ 1000 أوقية، وهو نفس الاتفاق الذي خول باعة اللحوم الذين يجلسون بجانبه الجلوس بطمأنينة طول النهار”، وفق ما جاء في حديث البائع المذكور مع مراسل “الأخبار.
بائع فواكه يتحدث لموفد وكالة الأخبار عن عملية المطاردة(تصوير الأخبار)

بائع فواكه يتحدث لموفد وكالة الأخبار عن عملية المطاردة(تصوير الأخبار)

وأيا كان موقف الباعة المطرودين من تفسير سبب طردهم، فإن مراقبين لهذه الحملة يرون أن أي عملية تنظيم يراد لها الاستمرار، لا بد أن تأتي على أساس دراسة واقعية تأخذ في الحسبان مصالح جميع الأطراف وتوفر بدائل مقنعة للمتضررين، تدفعهم إلى الثقة في جدية هذه العملية، إلى جانب متابعة المشرفين عليها بدقة، حتى لا يحولوها إلى “موسم ثراء”، متناسين الهدف الحقيقي الذي يجب أن يعملوا كل جهدهم من أجله، وهو تحقيق النظام مع عدم المساس بحقوق المواطنين وممتلكاتهم”.. فهل ستكلل هذه الحملة، على غير عادة سابقاتها، بالنجاح.. أم أن تحقيق النجاح في حملة كهذه يحتاج تخطيطا ودراسة لم يتوفرا حتى الآن..؟.

الأحدث