تخطى الى المحتوى

لموند الفرنسية تتحدث عن العبودية في موريتانيا وتكتب : بركة محررة بالصدفة

جدول المحتويات

نواكشوط، فلورانس بوجي (موفدة خاصة)

بركة، وفي الخلفية بوبكر ولد مسعود رئيس "نجدة العبيد" / لموند

بركة، وفي الخلفية بوبكر ولد مسعود رئيس "نجدة العبيد" / لموند

حافية، ترتدي ملحفة زرقاء وصفراء شبيهة باللباس الشعبي الهندي، تتكلم دون توقف، متجهمة الوجه، حادة النظرات. تحكي قصتها على طريقتها كما لو أنها تتخلص من عبء ثقيل. صوتها، على غرار صورتها، حلو لكنه صارم.

منذ ستة أشهر صارت بركة “حرة”. لو أنها لم تلتق صدفة في الشارع، خلال الصيف الماضي، بأحد أفراد منظمة نجدة العبيد الموريتانية غير الحكومية (هو من يؤويها اليوم) لكانت لا تزال مستعبدة في العيون، على بعد 800 كيلومتر جنوب شرق العاصمة نواكشوط. “أنا على استعداد لهجر أسيادي، إذا ساعدتموني” هكذا قالت حينها لمحدثها. وهو ما تحقق اليوم.

لكن ما الذي يعنيه “التحرر” حين لا يخرج المرء سليما، فلا هوية غير هوية سيدها، وحين لا يعرف أباه ولا أمه ولا إخوته ولا أخواته؟ تحاول بركة، دون طائل، أن تصبح مستقلة. لكن بدون مساعدة “نجدة العبيد”، كانت ستعود منهكة إلى سيدها، أوربما اضطرت إلى ممارسة البغاء، كما هو حال الكثيرات. تبيع الآن على قارعة الطريق بعض الحلويات وبطاقات الهاتف هي ما لديها في متجرها الصغير، لكنها كثيرا ما تكون عرضة للنصب، ذلك أنها تقرأ ولا تكتب …

بركة لا تعرف أيضا كم عمرها، وتعتقد أنها “بين الأربعين والخمسين”. كان عمرها خمس سنوات أو ستا حين فصلت عن أمها لتمنح على أنها خادمة إلى عائلة عربية ثرية. ورغم أن العرب أقلية فإنهم يمسكون بمقاليد الأمور في موريتانيا. ويمارسون سيطرة مطلقة تقريبا على شركائهم السود في الوطن، من الأفارقة الزنوج، وعلى نحو خاص على ‘الحراطين’ (العبيد وأبنائهم) الذين يعتبرون الطبقة الأدنى في السلم الاجتماعي.

كانت يتم تداول بركة طوال حياتها كما لو كانت أي أداة. وهكذا أعطيت، ذات يوم، إلى شقيق سيدها الذي “كان يبحث عن أمة لكي تخدم زوجته” كما تحكي. كانت تستيقظ الساعة الرابعة كل فجر لتبدأ العمل. لا راتب، لا ضرب ولا شكر. لم تكن بركة تعترض. لم تكن في ذهنها إلا فكرة واحدة: أن ترى أمها. “كان سيدي يجيبني دوما أن ‘نعم’ لكنه لم يفعل شيئا، وكان علي دوما الانتظار” كما تتذكر.

كانت، من حين لآخر، تسمع في الإذاعة والتلفزيون عن أن العبودية لم تعد موجودة في موريتانيا. وكان أسيادها دوما “يغلقون الباب حين تكون قريبة”. وشيئا فشيئا، تدهورت علاقاتها بهم. “اعتبروني كسولة. واتهموني بأني آكل من أطباقهم. وصاروا قساة معي”، كما تقول، بذات النبرة الحادة.

ومنذ اتخذت قرارها بالرحيل، لم تتراجع بركة ولم ترضخ لكل أنواع الضغوط. رغم ذلك، فقد كان عليها أن تغادر أولادها الثلاثة الذين تعرفهم بالكاد لأنهم، هم أيضا، “أعطــُوا” على أنهم عبيد منذ نعومة أظافرهم. ابنان وبنت أنجبتهم من ثلاثة رجال مختلفين، عبيد ‘حراطين’ مثلها.

لم يشأ ابنها الأكبر أن يترك سيده. كان خائفا من الذهاب. أما ابنتها فتعمل لدى عائلة عربية وهي، كما يبدو، تخضع للاستعباد. بالنسبة لأحدثهم سنا محمود فقد فر منذ ما يناهز العشر سنين، لأنه لم يعد يتحمل رعاية قطيع الأسرة التي وضع عندها. ألا يزال حيا يرزق؟ هذا سؤال يؤرق بركة. “أفكر فيه ليل نهار”، كما تقول.

لقد تم، من الناحية الرسمية، إلغاء العبودية في موريتانيا منذ يوليو 1981. بل إنها تعتبر جريمة منذ أغسطس 2007، وهي، من حيث المبدأ، مجرّمة بشدة. وعلى أرض الواقع لا يوجد شيء من ذلك. فالعبودية لا تزال موجودة –ويقدر بما يناهز المائة ألف عدد حالاتها في موريتانيا- وحين يضبط السادة في حالة تلبس ظاهرة، يكفيهم التخلي عن “ملكهم”، دون أن يتعرضوا لأي ملاحقة قضائية من أي نوع.

لا حاجة لأن يحمل المرء أغلالا في يديه لكي يكون عبدا. “المشكلة هي أن العبودية لا تـُرى. فهم (العبيد) لا يضربون بالسياط ولا تشد الأثقال في أرجلهم. بل لا يتم منعهم من الحركة. العبودية هي، قبل أي شيء، خضوع واستلاب وتملك شامل”، هكذا يشرح الأمر بوبكر ولد مسعود، رئيس ومؤسس “نجدة العبيد”.

هو نفسه سليل عبد ومتزوجة من أمة سابقة، هي المعلومة وهي شخصية قوية نجحت في أن تصبح أول نائبة في البرلمان من ‘الحراطين’. بوبكر، ذو الثلاثة أعوام مع الستين، يمثل طليعة النضال ضد العبودية في بلاده. قضى ما يقارب الثلاثين عاما وهو ينافح من أجل هذه القضية التي في سبيلها “ضحى بكل شيء”. ورافقه في هذه المعركة آخرون، مثل الشيخ سعد كمرا. وجميعهم دفعوا الثمن سنوات قضوها في السجن.

وإذا كانت العبودية لا تزال اليوم مستمرة في موريتانيا فذلك عائد في جزء كبير منه إلى ولاء العبد بسيده. “فهر يرى فيه الحامي ويتصور نفسه كما لو كان جزء من العائلة. وهو مستعد في أحايين كثيرة للدفاع عنها حتى الموت، كما يفعل الكلب” كما يشرح بوبكر ولد مسعود الذي لا يوافق، رغم ذلك، على “العبودية الطوعية”.

يستسلم العبد لمصيره، نظرا لعدم امتلاكه الوسائل ولا القوة لكسر الأغلال الذهنية. وهو يتصرف كما علمته أمه أن “يخضع، ويحب ويحترم سيده”. وفي الواقع تنتقل العبودية عن طريق الأمهات، اللائي يتصرفن كـ”حارسات للمعبد”. لكن الدين أيضا يلقي بكامل ثقله، فالعبد يسمع منذ ولادته أن “الجنة في طاعة سيده”. سيعني الاعتراض رفضا لقدره، وبالتالي معارضة لربه، وهو ما يهدده بالإبعاد من المجتمع.

ولتغيير العقليات لا بد من تكوين العلماء والأئمة وإشراكهم في حملة تحسيس حقيقية، كما يحصل في الحرب على السيدا أو على الخفاض. لكن شيئا من هذا لم يحصل خلال الأعوام الأخيرة. بل على العكس. “التيار يتجه إلى زعم أن العبودية لم تعد موجودة في موريتانيا. ويجري القيام بحملات مضللة أشبه بالفولكلور. ويتم، في الواقع، إنكار الحقيقة بدل محاربتها!” كما يحتج بوبكر ولد مسعود. ويشكو مؤسس “نجدة العبيد” من أن أي برنامج لإعادة الإدماج لم يوجه إلى العبيد المحررين في يوم من الأيام. والكثير منهم يغرق في فقر مدقع أو يعود إلى أسياده.

هل تريد حقا الدولة الموريتانية، التي يسيطر عليها العرب، أن تستأصل هذه الظاهرة؟ البعض يشك في ذلك. الدليل، كما يقولون، هو أنه ليس للمنظمات غير الحكومية الحق في الترافع كطرف مدني ضد من يمارسون الاسترقاق. والعبد، والحالة هذه، لا يملك القوة لمقاضاة سيده أمام العدالة وذلك حتى لو استطاع التخلص من سلطته. ولهذا تظل حالة شاملة من اللاعقاب مستمرة مستفيدة من ثغرات القانون. فضلا عن ذلك، فلكون القضاة، على الظاهر، ينتمون غالبا إلى طبقة الأسياد فإنهم ليسوا جاهزين لإدانتهم.

أما بوبكر ولد مسعود فيراقب السنين وهي تمر ويشعر بالقلق “ببساطة، لا أريد أن أرحل دون أن أحقق نتيجة ملموسة. –كما يقول- أود أن يستيطع من يمرون على قبري، لاحقا، أن يقولوا: ‘لقد كان هذه الرجل يمثل، عن حق، النضال ضد العبودية”.
____________
* المصدر: لموند / ترجمة: وكالة “الأخبار” المستقلة

الأحدث