تخطى الى المحتوى

حرب "مصطفى" ضد الكساح: حين يعتني الأجنبي ويعجز الوطن

جدول المحتويات

الصور من صحيفة "لاريوخا" المحلية في المدينة التي كان يتعالج فيها الفتى وهى المصدر الأهم الذي أعتمدت عليه الوكالة في التقرير

الصور من صحيفة "لاريوخا" المحلية في المدينة التي كان يتعالج فيها الفتى وهى المصدر الأهم الذي أعتمدت عليه الوكالة في التقرير

يعود منتصرا على داء عضال حتى وإن كان في انتصاره يجسد “هزيمتين”: الأولى فشل المرافق الصحية والخيرية في بلاده في احتواء مثل حالاته الميؤوس منها. والثانية العجز عن توفير أملاح الكالسيوم الذي تسبب نقصها في مأساة طويلة لهذا لفتى الأسمر القادم من عمق الجنوب الموريتاني إلى العوالم الأوروبية، مأساة تم –بمساعدة أجنبية صرفة – تجاوز جانبها الصحي والنفسي لكنها تفتح أمام مصطفى آفاقا أوسع في الحياة، وهي آفاق في جوانب منها تضع حصانته الثقافية موضع خطر.

يعود مصطفى من “لاريوخا” بإقليم “نابارا” في الوسط الأسباني إلى “انجولدي” جنوب موريتانيا من رحلة استمرت ثلاث سنوات إلى ماورء البحار، خضع خلالها لثلاث عمليات جراحية معقدة ومؤلمة. لكن مصطفى ذا الأحد عشر ربيعا عاد وهو يمشي ولو بصعوبة، وهو أمر ما كان ليتحقق لولا متطوعون أجانب ظاهر نشاطهم الرحمة والرأفة وباطنه من قبله أسئلة الهوية بل و”التنصير”.

رحلة مؤلمة

كانت بداية الرحلة العلاجية في أبريل 2005 حين قررت عائلة الفتى المقعد والكسيح، وتحت وطأة الحاجة والعجز عن علاجه أن تعهد به إلى… منظمة أجنبية. كان حلا غير مأمون لكنه الأكثر ورودا بين حلول أخرى كلها تقريبا سيئة. ترك مصطفى “انجولدي” قريته الصغيرة والفقيرة في الجنوب الموريتاني. كانت “أمه” الجديدة كارمن، الناشطة في منظمة “أرض الرجال” المحسوبة على الأوساط الكنسية، في انتظاره في “لاريوخا” بأسبانيا وقد اضطر المشرفون على رحلته إلى اللجوء قبل كل شيء إلى طبيب أسنان ليعاينه من أجل تحديد عدد سنينه فلم تكن عائلته الموريتانية تعرف عمره بالضبط بحسب المتطوعين الذين أشرفوا على رحلة علاجه الذين يعتبرون “تجربة مقاسمته هذه السنين” “بالرائعة”.

كان عمره ثمان سنوات ووزنه 12 كيلوغراما فحسب أما طوله (محدودبا) فكان 93 سنتيمترا ولم يكن يستطيع الوقوف.
كانت كارمن وأبناؤها الثلاثة الذين سيكونون “إخوته” على مدى ثلاث سنين في الانتظار في “لاريوخا” حيث صحبوا مصطفى، الذي وصل عاجزا عن الحركة، إلى مستشفى “سان خوان دديوس” الذي سيخضع فيه لسلسلة علاجات مطولة لكنه تقرر تأجيل علاجه أشهرا بسبب ضعفه البدني.
بدأ المسار صيف 2005. كان كل شيء جديدا أمام ناظري الصبي الفقير القادم من العمق الموريتاني، لكنه تأقلم بسرعة مع الأنوار والتلفاز والأكل بالملاعق، وبشكل خاص تعلم اللغة بسرعة ليقهر بعد أسبوعين فقط أغلب كل مشكلات التواصل مع المحيط الذي بدا أن إقامته فيه ستطول.

الصور من صحيفة "لاريوخا" المحلية في المدينة التي كان يتعالج فيها الفتى وهى المصدر الأهم الذي أعتمدت عليه الوكالة في التقرير

الصور من صحيفة "لاريوخا" المحلية في المدينة التي كان يتعالج فيها الفتى وهى المصدر الأهم الذي أعتمدت عليه الوكالة في التقرير

ألم ومشاعر خاصة

بعد قليل من أول عملية أجريت له في عظام القصبة كان يستطيع الحركة براحة والتقلب في سريره دون صعوبة لكن المرحلة الأكثر إيلاما كانت تلك اللاحقة، فقد تطلب الأمر سبعة أشهر لتستوي ساقاه ومن ثم كان الطريق إلى الخطوة الموالية ولم يكن سهلا: فقد تم نزع القضبان الحديدية التي كانت ثبتت خلال العملية الأولى وكان خلال كل تلك الفترة مجبرا على التحرك من خلال كرسي دوار.
كان التدخل الجراحي الثالث يهدف إلى تقويم عظام الحوضين ومن ثم خضع الفتى لتدريبات على المشي وهو الذي لم يستو قط على قدميه. كان الأمر يتعلق بإعادة تأهيل طويلة فقد كان، بعد كل هذا المسار الطويل، يعاني من تقوس في الظهر.
ويعود الفتى وهو يحتفظ بمشاعر خاصة لـ”بيبيه” الطبيب النفسي الذي واكبه خلال رحلته فضلا عن صديقه خوناتان.

أما الأسرة الأوروبية التي احتضضنته فتعتبر “مشاركته كل هذه السنوات تجربة رائعه” بحسب كارمن التي تذهب بحد القول إن عائلتها “تعلمت أن نقدر الامور”، و”ازدادت مساحة المشترك بين أفرادها” كما تقول، آملة أن تكون هذه التجربته قد ساعدته هو نفسه على الاندماج في مجتمعه “فلقد كان من الواضح لدينا أن الأمر لا يتعلق بتبن. فمصطفى يأتي لأجل الاستشفاء ولديه عائلته في موريتانيا”.

“فراغ تطوعي”

المتطوعون الأسبان لا زالوا على علاقة بعائلة الصبي الذي عاد منذ فترة قصيرة وفي قريته سعوا إلى تقديم دعم لبئر كما اشتروا بقرة لوالدته.

وقد تكررت في السنوات الأخيرة ظاهرة سفر الأطفال الموريتانيين المعوزين إلى الخارج لغرض العلاج خاصة من ذوي الحالات الحرجة والميؤوس منها والذين تلجأ عائلاتهم إلى أن تعهد بهم لأجانب أمام تضاؤل حظوظهم في الشفاء في بلادهم نظرا لعجز العائلات وتردي الخدمات الصحية وقصور العمل التطوعي عن مثل هذه الحالات.
وتواكب تلك الجهات الأطفال الذين يخضعون لمثل هذه البرامج وتستمر في الغالب في ربط صلات وثيقة بهم وتقديم الإعانات لهم ولعائلاتهم ولقراهم.
وتوجد عشرات الحالات من الأطفال الموريتانيين في المشافي الأجنبية كما توجد لدى هيئات غربية برامج خاصة بمثل هذا النوع من رحلات الاستشفاء ورحلات العطل المدرسية.
وتتزايد المخاوف من الأهداف “ما وراء الخيرية” لمثل هذه البرامج، وسط مخاوف من اهدافها التبشيرية تحديدا خاصة وأنها تستهدف أطفال الأوساط الأكثر فقرا والأقل تعليما وتدينا رغم ان هذه البرامج تستغل فراغا بنيويا يوصف “بالخطير” والكبير في المجال الصحي والخيري في البلاد.

الأحدث