تخطى الى المحتوى

الحصير اليدوي : صناعة تقليدية تحتضر

جدول المحتويات

صانعات الحصير أصغين أكثر من غيرهن لأزيز الرصاص نظرا لانعكاساته المباشرة على صناعتهن المتعثرة بفعل غزو المفروشات الخارجية وغياب دعم رسمي للحرفيات

صانعات الحصير أصغين أكثر من غيرهن لأزيز الرصاص نظرا لانعكاساته المباشرة على صناعتهن المتعثرة بفعل غزو المفروشات الخارجية وغياب دعم رسمي للحرفيات

تؤجر آمنه بنت بتاه وسبع من زميلاتها محلا صغيرا غرب سوق “كابتال” وذلك لعرض مبيعاتهن من الحصير التقليدي ..وعلى امتداد شارع ضيق تتراص ثلاثة محلات أخرى فيما يشبه معرضا دائما للحصائر التقليدية بوسط المدينة .

أصبح المكان في السنوات الأخير ة قبلة عشرات السيدات القادمات من مدن وقرى الداخل لبيع منتوجاتهن من الحصائر التقليدية ..وليس من النادر أن تجد بالمكان سائحا غربيا يبدي إعجابه بروعة هذه الصناعة وبساطة الخامات المستخدمة فيها والتي لا تعدو العيدان والجلود..لكن أيد ماهرة وأصابع ناعمة حولت هذه الخامات إلى لوحات فنية وقطع منمقة تنافس أحدث صيحات المفروشات ولا تخشى اكتساح الحصائر البلاستكية الوافدة، وهي في أعينهن حرفة لا تقل بحال عن حياكة الخيام أو عن غيرها من منتوجات الصناعة التقليدية الأخرى.

طقوس تحتضر

كانت الحرارة على أشدها وقت الزوال من يوم قائظ لم أكن اعتقد بوجود واحدة من العارضات اللاتي طالما مررت عليهن في نفس المكان وهن عاكفات على” نز ” أو نسج الحصائر أو بسطها وتقليبها أمام أحد المتسوقين..كنت أقول في نفسي لابد أن الشرطة في حملاتها الأخيرة لتنظيف الأسواق قد أجلتهن من المكان..وأتساءل ترى إلى أي جهة انتهى بهن المطاف؟
ولمصلحة من؟ التضييق على نسوة يكافحن من أجل لقمة عيش شريف،ويحاولن بوسائل بدائية الإبقاء على منتج تقليدي كان مواطنوه أهم أول الزاهدين فيه…لكن ما إن اقتربت من المكان حتى فوجئت من كثرة العارضات ونشاطهن في وقت أرغمت فيه الحرارة كثيرين إلى تفيؤ ظلال الأشجار و الحيطان..وكأنما أردن مغافلة وحدات أمن السوق وانتهاز فرصة القيلولة لترويج سلعة هي مصدر دخلهن الوحيد ..كن ثلاثا منكبات على وضع اللمسات الأخيرة لأحدى الحصائر بكف حواشيها و صباغتها بألوان زاهية فيما كانت آخريات يتفقدن طلبات الزوار ويفاصلن في أسعار المعروضات..سرعان ما أبدين موافقة متحفظة على الإجابة على أسئلتي العطشى لأي معلومات حول حرفة هي كل ما يتقن في هذه الحياة وهي رأس مالهن في كسب لقمة العيش…
كانت البداية عن مراحل صناعة الحصائر والمواد المستخدمة ووسائل الحصول عليها..تبتسم إحدى زميلات آمنة وهي تغالب رغبة جامحة في الحديث وتقول :كانت النسوة في الزمن الأول يجلبن رزم العيدان على رؤوسهن من الخلاء بعدما يقمن بقطفها بعناية من نباتات الثمام ثم يقمن بتنقيتها وتصنيفها حسب الحجم ويتركنها حتى تجف لتصبح جاهزة لأعمال النسج اليدوي،أما اليوم فالرجل هم من يتولون جلب هذه الرزم ومن مناطق النهر وصحراء اترارزه ويبعونها حسب ما يعرف محليا با”الراص” أو حزمة العيدان التي تكفي لصناعة حصير متوسط من 12قدما أو “الوطية “حسب المقاييس المتعارف عليها محليا، ويبلغ ثمن الحزمة حوالي 4500أوقية.

أما الجلود فتشتري من باعتها وتعالج بنقعها لأيام في محلول خاص ثم تنتف وتدبغ وتقطع طويلا على شكل شرائح رقيقة لتستعمل في ربط عيدان الحصير ولإبراز الزخارف والرسوم على صفحة الحصير.ولإنجاز حصير متوسط لابد من أربعة جلود يبلغ سعر الواحد منها حوالي 700أوقية.

 

 

 

أشكال وأحجام

 

تتفاوت الحصائر من حيث مساحتها وأنواع الزخارف والنقوش التي تزينها وبالتالي زمن الانجاز، وبدل المتر المربع تستخدم العاملات وحدات قياس تقليدية “كالوطي ” أو القدم وهكذا تراوح أطوال الحصائر في المتوسط ما بين 25إلى 12″وطية” ويحتاج إنجاز الحصيرة من الحجم الكبير عادة أربعة أيام من العمل المتواصل، فيما لا تلجأ العاملات إلى هذا النوع من العمل إلا نادرا، فالشائع لديهن هو العمل بالتناوب أو ما يعرف ب”التويزه” التي تضم ما بين 8-إلى 10نسوة في كل فريق يتقاسمن عمل “نسج العيدان” بالتناوب بين الحصائر وبهذه الطريقة قد يمتد زمن إنجاز الحصيرة المتوسطة إلى ثلاثة أسابيع على الأقل..ويبقى المقياس الحقيقي هو حجم الزخارف أو “التطاريز الجلدية ” وكثافتها على أديم الحصيرة الواحدة.

زخارف وتطاريز

يطلق على التطاريز الجلدية التي تزخف الحصائر محليا تسمية “الحالات” أو “الطرح ” أو “الدبي” وهكذا يفرق حذاق هذه الحرفة بين “الحصائر المدبية ” أو تلك “البيضاء” الناصحة التي تكتفي فقط بما يربط عيدانها من رقائق الجلود، والحصير “المدبي” أو المطرز أغلى سعرا وأطول وقتا في الانجاز وأكثر رواجا، وتتحدد الفراغات بين خطوط “النسج أو النز” بحسب عرض الأصبع، ويسمون “التطريز الثاني بأسيار الجلود” “أشدوم”، فيما يطلق على نوعيات الزخرفة أو التطريز الأكثر استخداما مصطلحات خاصة ك”أدبي” أو اللجم أو الجزيرة…الخ وبالطبع تتأثر أسعار الحصائر بهذا التفاوت لتصل إلى 150.000أوقية للنوعيات الجيدة و25000أوقية للنوعيات المتوسطة، ولا تخضع الأسعار في الغالب سوى لرغبة البائع أو المشتري –حسب تعبير إحدى البائعات

مشاكل لا حصر لها 

العاملات في مهنة الحصائر واللائي أغلبهن من معيلات الأسر ومن الأميات دافعهن الأول إلى البقاء في مهنة تعاني التهميش واللامبالاة ليس فقط في برامج الدعم الحكومي وإنما في مؤسسات إحياء التراث والارتقاء بالصناعة التقليدية-هو الحاجة والفاقة فلا يذكر العاملات أنهن تلقين أي دعم من أي جهة مع حاجتهن الماسة لذلك، وترى عميدة العاملات آمنة بنت بتاه أن غياب الدعم والحاجة إلى أماكن للعرض والنسج وارتفاع تكاليف الإيجار والتشغيل والتذبذب في أسعار الخامات الأساسية للحصير اليدوي خاصة عيدان نبات الثمام المرتبطة بالامطار، ومواد الصباغة المستوردة من الخارج والتي يصل الكلغ منها حوالي 5200أوقية..كل ذلك يبقى مشاكل مطروحة للعاملين في هذه المهنة.
أما زميلتها التي قالت أنها أخذت الحرفة عن والدتها وهي في الميدان منذ أكثر من 10سنوات، فقد وصفت الحرفة بالعمل الشاق الذي يتطلب البقاء بوضعيات جلوس ولفترات طويلة مما يتسبب في احتقان الدماء في الوجه ويضر بالبصر لاسيما إذا كان العمل على قارعة الشارع ودون أي حائل يقي لسعات البرد ولا لفحات حرارة الشمس، ولا تطاير الأتربة والغبار، مؤكدة على حاجتهن إلى الدعم وإلى الإحساس بقيمة هذا المنتج التقليدي الذي يصارع البقاء ويغالب عاديات الزمن.

الأحدث