جدول المحتويات
بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على النبي الكريم.
ذكريات جميلة من الزمن الجميل
إن جرأة مثلي على رثاء شيخنا، علم الأعلام، ومصباح الظلام، شيخنا ووالدنا، الشيخ محمد الحسن بن أحمد الخديم، طيب الله ثراه، ورزقه عفوه ورضاه، للحن فاحش، لما فيه من وصف المعارف بالنكرات. وأنا، وإن كنت ألحن، فإني لا أحب اللحن، ولكن ليس بوسعي أن يمر هذا المصاب الجلل دون تسجيل خاطرة فيه، وها أنا أسجل هذه الخاطرة، وأعنونها بـ«ذكريات جميلة من الزمن الجميل».
ولن أتعرض في هذه الخاطرة لأوصاف الشيخ الفاضلة، الواضحة وضوح الشمس رابعة النهار، من علم وفهم وزهد وعبادة وتواضع وكرم وحسن خلق، بل أكتفي فيها بتسجيل ذكريات عامة، وذكريات تخصني، ليعطي ذلك صورة ناصعة وفريدة عن علاقة الشيخ الممتازة بطلابه.
تقبل الله منه، وأجزل له المثوبة.
من الله علي بالأخذ عن هذا الشيخ والقرب منه، فله الحمد وله الشكر، كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، على ذلك وعلى سائر نعمه.
جئت إلى قريته المباركة، قرية التيسير، ذات مساء، وكنت أتوقع ألا أحظى بلقاء الشيخ إلا بعد أيام، لما كنت أسمع من شهرته وعلو مقامه، وقد تعود أغلب المشاهير على إحاطة أنفسهم بهالات تحول دون لقائهم، وتكدر صفو مجالستهم.
فجئت لداره العامرة بذكر الله وطاعته ونشر العلم، قبيل غروب الشمس، يوم الجمعة 22 من شهر ربيع النبوي، عام 1414هـ (1993م)، فكان هو أول من استقبلني، وهش في وجهي وبش، وأتاني يحمل الشراب بيديه المباركتين، وما صدقت أنه هو حتى قال لي أحد الحاضرين: هذا هو الشيخ محمد الحسن.
فألقت عصاها واستقر بها النوى ** كما قر عينا بالإياب المسافر
كانت مساءلة الركبان تخبرنا ** عن جعفر بن فلاح أطيب الخبر
ثم التقينا فلا والله ما سمعت ** أذني بأحسن مما قد رأى بصري
فجلست بين يديه، وبدأ يسألني، فسألني عن الجهة القادم منها، فلما أخبرته بها قال لي: «هذا يدل على علو الهمة، أنت أول طالب يصلنا من تلك المناطق الشرقية».
وسألني عن الوالد، فلما أخبرته به، إذا هو على علم به، فقال لي: «من شأن الفرع أن يكون فيه ما في الأصل وزيادة». فوالله ما فهمت حينها شيئا مما قال لي، وكأنه يخاطبني بلغة لا أفهمها.
فسألني: «هل من حقوق؟» فقلت له: الوالدة، ولكنها آثرت التعليم. فقال لي مبتسما: «التعلم». فوالله ما كهرني ولا نهرني، ولا أظهر الاشمئزاز من لحني الفاحش.
ثم قال لي: «مشِّ، أقرئك»، فقرأت عليه من الباب الذي وصلت إليه في الألفية، وهو باب النكرة والمعرفة.
ولما كان صباح الغد، حملت حقيبتي متوجها إلى مساكن الطلاب، متظاهرا بأني سأسكن معهم، والله وحده هو الذي يعلم أني لا قدرة لي على ذلك، ومظهري لا يفهم منه ذلك؛ لأني شاب في ريعان الشباب، ولا يبدو علي أي تعب.
فلما رآني أحملها قال لي: «لا يا إبراهيم، سلمان منا آل البيت. علاقتك بالطلاب أوقات الدراسة فقط، أما أوقات الراحة فأنت معنا هنا».
وخصص لي بيتا، وغمرني بإحسانه وجوده وعطفه ولطفه وعنايته، فكنت إذا تأخرت مع الطلاب أتاني بنفسه، يحمل إلي الطعام.
ولست أنسى جميل والدتي الكريمة بنت الكرام عاشه، ولا إخوتي الكرام محمد سالم، وأبو محمد، واتاه، وعبد الرحمن، بارك الله فيهم جميعا، وأبقى البركة والفضل والنور فيهم إلى يوم الدين.
ولا زالوا كما قال السموأل:
إذا سيد منا خلا قام سيد ** قؤول لما قال الكرام فعول
فكان الجميع يتسابق إلى إكرامي وبذل المعروف لي.
وإني لأنشد فيه وفي أسرته الكريمة العريقة، من هي بكل مجد وفضل خليقة، أبيات الغنوي التي أنشدها سيدنا أبو بكر الصديق في شأن الأنصار، رضي الله عن الجميع:
جزى الله عنا جعفرا حين أزلفت
** بنا نعلنا في الواطئين فزلت
هم خلطونا بالنفوس وألجأوا ** إلى حجرات أدفأت وأظلت
أبوا أن يملونا ولو أن أمنا ** تلاقي الذي يلقون منا لملت
وبقيت على تلك الحالة، مكرما معززا مبجلا، حتى غادرت.
أتذكر أني ذات يوم كنت أترنم بأبيات للأديب مم بن عبد الحميد:
ونصب ثمود يعرف باشتغال ** بفعل بعد فاء لا يبين
ولا ذي الفاء تمنع ذا لضعف ** فليست وسط مركزها تكون
فهانت عند ذاك وإن قوما ** متى يدعوا بلادهم يهونوا
فسمعني الشيخ وقال لي: «يا إبراهيم، أنت لست بهين، وإني ورب الكعبة لست بهين عندهم، بل معزز مكرم مبجل معظم».
وأملى علي هذين البيتين:
لا يمنعنك خفض العيش في دعة ** نزوع نفس إلى أهل وأوطان
تلقى بكل بلاد إن حللت بها ** أهلا بأهل وجيرانا بجيران
وكان رحمه الله يأتيني في الظلام الدامس، بعيدا عن أنظار الناس، ويضع الآلاف في جيبي بطريقة خفية، «لا تعلم بها شماله ما تنفق يمينه».
وتركني رحمه الله أواصل كتابة «اكحلال» بن مالك، فلما وصلت باب الفاعل ناداني، وقال لي: «يا إبراهيم، أنا تركتك تواصل كتابة الاكحلال حتى يتضح لي هل لك أهلية لحمل العلم وفهمه أم لا، والآن تبين لي، ولله الحمد، أهليتك لذلك. فمن يستطيع بلوغ أعلى منزلة، ماله يرضى بأدنى منزلة؟ ستكتب جامع بن بونه من الآن».
فكتبته، وأعطاني عناية خاصة، فصار يدرسني درسين: درس مع دروس الطلاب العامة، ودرس وحدي في بيته ليلا، ولا أحد معنا.
وكان رحمه الله حريصا على مواصلتي للدراسة، ويخاف علي من قطعها، فقد قال، دون أن أعلم، لابن أختي وأخي الغالي أمانة الله بن محمد لقظف، وهو الذي تأتيني الرسائل بواسطته: «إذا أتتك رسالة لإبراهيم، فإني آذن لك في قراءتها، فإن كان فيها شيء يشوش عليه، لا ترسلها إليه».
مرضت ذات مرة، فذهبت إلى انواكشوط، وأتيت الخال الكريم الشريف زين بن سيد محمد للعلاج، وعالجني، جزاه الله عني خيرا.
فأرسل هو إلي رسالة، ما يسرني أن لي بها الدنيا، وما زلت أحتفظ بها حتى هذه الساعة، وكتب لي في آخرها: «لا تبطؤ، فنحن في اشتياق إليك».
ولما من الله علي بالشفاء ورجعت، دخلت عليه قبيل المغرب، ففرح بي فرحا شديدا، وهش في وجهي وبش، وقال للأخ عبد الرحمن، وهو بجنبه تلك الساعة: «أسمعنا أبيات ذي الرمة».
فأنشدها الشيخ عبد الرحمن كاملة:
أقول إذا أقبلت وزهر تهادى
** كنعاج الفلا تعسفن رملا
لا تخافي إن بنت أن نتنا ** ساك ولا إن وصلتنا أن نملا
إن تبيني عنا فسقيا ورعيا ** أو تحلي بنا فأهلا وسهلا
وكان رحمه الله كثيرا ما يلتفت إلي ويقول لي:
محا حبها حب الألى كن قبلها ** وحلت مكانا لم يكن حل من قبل
ويقول لي مطمئنا: «يقول المشائخ بأن إقبال قلب الشيخ على تلميذه علامة على أنه سيفتح له، وأنا قلبي مقبل عليك».
ويقول لي رحمه الله: «إني أدعو لك بدعوة دعا لي بها شيخي، الشيخ محمد سالم بن ألما، واستجابها الله».
أنت بين الطلاب ومعك الطلاب.
وكنت إذا أتيته باستشكال فرح وأعجب به، ووضح لي ما كان مشكلا علي، وفي بعض المرات يقول لي: «يا إبراهيم، تذكر قول آد في محارم اللسان: والهزء والترويع والتوگاف...».
أتذكر أني وأنا أدرس لامية الأفعال على عالم جليل في انواكشوط، استشكلت عليه استشكالا، فغضب علي رحمه الله، وخاطبني خطابا فهمت منه أنه لا وجه لاستشكالي، وأنه نظر إلي رحمه الله نظرة استخفاف.
فصرت أقول في نفسي: سأترك طلب العلم؛ لأني لست أهلا لحمله، لأن هذا العالم الجليل اكتشف ذلك.
فلما من الله علي بلقائه هو رحمه الله، ذكرت له الاستشكال، فأعجب به إعجابا شديدا، وشرحه لي، وأزال عني ما كان يشكل علي.
تزاحمت علي الدروس ذات مرة وأرهقتني، حتى هممت بالذهاب عن المحظرة، فدخلت عليه وأخبرته بما أجد، فتبسم وقال لي: «لا تخف، سيزول كل ذلك بإذن الله. تدبر قوله تعالى: ﴿والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا﴾. هذا قسم من الله الكريم الذي لا يخلف الميعاد».
فأزالت عني كلماته المباركة ونصائحه الصادقة ما كان بي من هم وغم، وواصلت دراستي.
أتيت ذات مرة لداره المباركة، أنا وأحد الطلاب، نريد الماء، فخرج إلينا الشيخ وقال لي: «يا إبراهيم، "اتلاميد ماهل اياك ماخاصهم ش؟"»
فقلت له: ما شاء الله، الأمور بخير.
فقال له الطالب الآخر بعفوية: والله ما عندنا شيء.
فضحك الشيخ كثيرا، ودخل الدار، وأتانا بكثير مما يحتاجه الطلاب، وشكر الطالب على صراحته.
حر إذا جئته يوما لتسأله ** أعطاك ما ملكت كفاه واعتذرا
يخفي صنائعه والله يظهرها ** إن الجميل إذا أخفيته ظهرا
أتاه طالب ذات مرة قادما من انواكشوط، وبعد السلام قال له: «أتيت وحدك؟»
فقال له: «لا، أتى معي أحمد فال بن أحمد يحيى».
فقال الشيخ: «وقيل ترافعا».
فللشيخ أحمد فال مكانة خاصة عند الشيخ، وهو أهل لها.
أعار الشيخ طرته التي كتبها بيمينه المباركة لأحد الطلاب، وكان هذا الطالب يطيل مسكها حتى أثرت أنامله فيها، فلما رأى الشيخ ذلك قال له: «هي ليست ببطاقة تعريف يشترط تثبيت البصمة عليها».
لما قررت الذهاب عن المحظرة، وليتني لم أذهب، شرفني الشيخ بتشييعي حتى تجاوزنا الدور، وأثنى علي أمام الحاضرين ثناء عطرا.
وقد وفقني الله من فضله، فله الحمد وله الشكر، أني بقيت على صلة به، زيارة واتصالا.
فدائما أطلب من إخوتي الأكارم أن يعطوه لي في الهاتف ليلة سبع وعشرين من رمضان، ألتمس منه دعوة صالحة.
وذات ليلة، لما خاطبته في الهاتف، أنشد هذين البيتين:
حديثه أو حديث عنه يطربني ** هذا إذا غاب أو هذا إذا حضرا
كلاهما حسن عندي أسر به ** لكن أحلاهما ما وافق النظرا
وكان يراسلني برسائل تشرفني وتسعدني، وهي محفوظة عندي، ولو عرضت علي الدنيا بدلها لرفضت، غير نادم ولا مكترث. يقول لي في إحداها، تواضعا منه وتقديرا لي: «أخوك الذي يتشرف بأنك تحليه بأنه شيخك».
وما جئته في زيارة إلا فرح بي، وهش في وجهي وبش، وحدث الحاضرين عني وأثنى علي، ووقف معي يشيعني.
ولما أصبح لا يقدر على القيام، صار يعتذر لي عند الوداع عن عدم التشييع.
أتذكر أني ذات مرة، بعد أن شيعني وانصرفت، سمعت من يناديني: «الشيخ يريدك».
فالتفت، فإذا الشيخ، فوليت مسرعا.
فلما أتيته قال لي: «أوصيك ألا تنسني».
وكان كثيرا ما يقول: «أنتم الطلاب اشوايل لقبور».
رحم الله شيخنا، وأسكنه فسيح جناته، وبوأه الفردوس الأعلى من الجنة، وجعله مع النبيئين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقا، وجبر كسرنا وكسر الأمة بعد فقده.
فحالنا وحال الجميع كما قال الشاعر:
كأن الناس إذ فقدوا عليا ** نعام حار في بلد سنينا
وإنا لله وإنا إليه راجعون.
إبراهيم بن محمد فضل الله بن أهل أيد
نواكشوط، في 26 ربيع الأول 1448هـ، الموافق 8 سبتمبر 2026م.