تخطى الى المحتوى
محمد محمود الناجي

جدول المحتويات

بين الرئيسين محمد ولد عبد العزيز ومحمد ولد الشيخ الغزواني علاقة امتدت لعقود، جمعت بين رفقة السلاح والعمل، قبل أن تفرّق بينهما السياسة واختلاف الطباع. فالرجال قد يتشابهون في المسار، لكنهم يختلفون في الشخصية، وفي طريقة إدارة السلطة، وفي أسلوب التواصل مع الرأي العام.

 

تابعت المؤتمر الصحفي لرئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني، وككل المؤتمرات الصحفية التي ينظمها الرؤساء، حظي الحدث باهتمام واسع، وتابعه مئات الآلاف عبر مختلف المنصات.

 

لكن وأنا أتابع المؤتمر، وجدتني أستحضر مؤتمرات الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز، فحضرت المقارنات كما حضرت المفارقات.

 

من حيث الشكل، كان مؤتمر الرئيس السابق أكثر انضباطًا وأقل انفتاحًا؛ إذ كان يقتصر غالبًا على عدد محدود من الصحفيين، مع أسئلة أكثر تنظيمًا وتحكمًا في مسار الحوار. أما مؤتمر الرئيس غزواني، فقد بدا أكثر انفتاحًا، بحضور واسع للصحفيين والمدونين، وبتنوع يعكس مختلف مكونات المشهد الإعلامي الوطني.

 

أما من حيث الأداء، فلكل رجل بصمته الخاصة. فقد كان الرئيس السابق يُظهر قوة شخصيته، ويقاطع أحيانًا، ويواجه بعض الأسئلة بحدة أو بسخرية عندما يرى فيها استفزازًا أو خروجًا عن السياق. في المقابل، بدا الرئيس غزواني أكثر هدوءًا؛ يستمع حتى نهاية السؤال، يبتسم، يمازح بعض السائلين، يناديهم بأسمائهم، ثم يفكك السؤال ويجيب عن عناصره واحدة تلو الأخرى.

 

ولعل أكثر ما لفت الانتباه لم يكن فقط هدوء الرئيس، بل استيعابه اللافت لمختلف الملفات. فقد استحضر أرقامًا ومعطيات في ملفات متعددة، من بينها حديثه عن تراجع نسبة المديونية في عهده من 91% إلى نحو 40%، وتراجع صفقات التراضي من حيث العدد والمبالغ، وزيادة الموارد الذاتية للدولة، بما سمح بتمويل مشاريع كبرى من الخزينة العامة.

 

كما استعرض جهوده في مجال مكافحة الفساد، مؤكدًا أن القانون يحمي المبلّغين عن الفساد، وأن مواجهة هذه الآفة تتطلب تعاون الجميع، وتعزيز المؤسسات والهيئات المختصة.

 

وتناول الرئيس خلال حديث امتد لأكثر من ثلاث ساعات ونصف ملفات الغاز والموارد الوطنية بشكل عام، مستعرضًا أرقامًا ومعطيات حولها، ومؤكدًا احترامه للدستور وعدم الخروج على مقتضياته أو الإرادة الشعبية.

 

أما بشأن الحديث عن استفادة مقربين منه من بعض القطاعات، فلم ينفِ ولم يؤكد الاتهامات، بل ركز على ضرورة تطبيق القانون، وحماية المبلّغين، ومأسسة مكافحة الفساد، وهو جواب نقل النقاش من دائرة الاتهام السياسي إلى دائرة المسؤولية القانونية.

 

ولا يقل أهمية جوابه بشأن المأمورية الثالثة؛ فقد أكد احترامه للدستور، لكنه لم يغلق نظريًا باب أي تعديل مستقبلي يتم عبر الآليات الدستورية. وهنا تكمن دقة الصياغة السياسية؛ فقد أكد الالتزام بالنص القائم، وترك مساحة لما قد يقرره المستقبل وفق المساطر القانونية.

 

ومن المفارقات اللافتة طريقة تعاطي الرئيسين مع الأسئلة المحرجة. ففي مؤتمر الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز، كان سؤال الصحفي وديعة سببًا في واحدة من أشهر لحظات التوتر، حين فقد أعصابه وردد عبارته الشهيرة: "أطف... أطف... أطف".

 

أما في مؤتمر الرئيس غزواني، فقد طُرح عليه سؤال حساس عُرف إعلاميًا بـ"سؤال الهيبة"، ورغم حرج السؤال حافظ الرئيس على هدوئه ورباطة جأشه، وتعامل معه دون انفعال أو مقاطعة.

 

لكن ما استوقفني أكثر لم يكن جواب الرئيس فقط، بل أسئلة الصحفيين أنفسهم.

 

فقد غاب ملف الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز، رغم أنه لا يزال من أكثر الملفات حضورًا في النقاش السياسي والقضائي، كما غابت قضية نائبتي حركة "إيرا"، وهي من الملفات التي ما تزال تثير نقاشًا واسعًا في الساحة الوطنية.

 

وهذا يطرح سؤالً مشروع

هل كان ذلك خيارًا تحريريا توافق الجميع من خلاله على قتل القضيتين معنويا ورميهما في سلة المهملات؟ أم أن الأمر يعكس نوعًا من الرقابة الذاتية وحضور لظل الدولة في ذهنية الصحفيين بحيث تجعل الصحفي يستبعد من تلقاء نفسه بعض الأسئلة الحساسة قبل طرحها؟

 

كما يُسجل على المؤتمر أن العدد الكبير من الصحفيين والمدونين المدعوين جعل من الصعب منح الجميع فرصة طرح الأسئلة، إذ يحتاج ذلك إلى وقت طويل جدًا. كما أن انطلاق المؤتمر في وقت متأخر نسبيًا أدى إلى ظهور التعب على بعض المتابعين، وربما ساهم في تقليص عدد الأسئلة وحرمان بعض الزملاء من فرصة المشاركة.

 

ومن الملاحظات اللافتة أن الرئيس ظهر وحيدًا على المنصة، متحملًا مسؤولية الحوار بشكل مباشر، دون الاعتماد على مساعديه، وهو ما عزز صورة الرئيس الذي يواجه الأسئلة بنفسه.

 

كما كشف المؤتمر عن رؤية واضحة تقوم على ضرورة بناء المؤسسات وتعزيز الثقة فيها، بدل البحث عن مؤسسات بديلة أو موازية. وقدم أمثلة على ذلك في حديثه عن الفصل بين السلطات، ودور هيئات الرقابة والتفتيش، وخيارات توسعة بعض المؤسسات بدل إنشاء مؤسسات جديدة.

 

وفي المحصلة، أرى أن الرئيس غزواني نجح في خرجته الإعلامية، وأن أسلوبه الهادئ وقدرته على إدارة الحوار قد يدفعان إلى تنظيم خرجات إعلامية مماثلة مستقبلًا.

 

وبين رئيسين جمعتهما سنوات طويلة وفرّق بينهما أسلوب إدارة الحوار، تبقى المقارنة مشروعة، ويبقى الحكم النهائي للتاريخ وللقارئ.

الأحدث