جدول المحتويات
تمثل مدونة الطلبية العمومية الجديدة الصادرة بموجب القانون رقم: 026 – 2026 تحولاً مهما في الإطار القانوني المنظم للشراء العمومي في موريتانيا، إذ انتقل المشرع من مفهوم ضيق يرتكز أساسا على الصفقات العمومية إلى مفهوم أوسع هو الطلبية العمومية باعتبارها منظومة متكاملة تشمل مختلف العقود والآليات التي تعتمدها الجهات العمومية لتلبية حاجاتها من الأشغال والتوريدات والخدمات، وذلك وفق التعريفات والمبادئ العامة الواردة في المادتين: 1 و2 من المدونة.
ويعكس هذا الإصلاح توجها نحو تحديث منظومة الإنفاق العمومي، من خلال تكريس مبادئ الشفافية والمنافسة والفعالية الاقتصادية وربط الطلب العمومي بأهداف التنمية المستدامة، حيث نصت المادة: 10 على المبادئ الأساسية التي تحكم الطلبية العمومية، بما يضمن الاستخدام الأمثل للموارد العمومية وتحقيق المصلحة العامة.
وبمقارنة هذه المدونة مع قانون الصفقات العمومية السابق رقم: 2021 - 024 الذي تم إلغاؤه صراحة بموجب المادة: 113 من القانون الجديد، تظهر مجموعة من المستجدات التشريعية والمؤسساتية المهمة.
أولا: الانتقال من مفهوم الصفقات العمومية إلى منظومة الطلبية العمومية
يتمثل أبرز تحول جاءت به المدونة في توسيع مجال التطبيق، فلم تعد القواعد القانونية مقتصرة على الصفقات العمومية بالمعنى التقليدي، بل أصبحت تشمل مختلف عمليات الشراء العمومي التي تقوم بها الجهات الخاضعة لأحكامها، مع تحديد نطاق التطبيق والاستثناءات بموجب المادتين 2 و3.
كما وضعت المدونة حدوداً مالية واضحة تحدد الحالات التي تخضع لإجراءات إبرام الصفقات العمومية وفق المادة: 5، بما يسمح بتوحيد قواعد التعامل مع الطلب العمومي وضمان انسجام الإجراءات.
ومن المستجدات المهمة أيضاً إدماج مفاهيم حديثة ضمن التعريفات القانونية، خاصة مفهوم الشراء العمومي المستدام والشراء العمومي المسؤول بيئياً واجتماعياً، الواردين ضمن الفقرتين: 3 و4 من المادة: 1، وهو ما يعكس انتقال وظيفة الشراء العمومي من مجرد وسيلة لتلبية الحاجات الإدارية إلى أداة لتحقيق أهداف اقتصادية واجتماعية وبيئية.
ثانيا: تعزيز البعد البيئي والاجتماعي في العقود العمومية:
كرست المدونة لأول مرة بصورة واضحة ارتباط الطلبية العمومية بمقتضيات التنمية المستدامة، حيث ألزمت المتعاملين الاقتصاديين باحترام التشريعات البيئية والاجتماعية، وقواعد الصحة والسلامة المهنية، ومنع تشغيل الأطفال، واحترام مبدأ المساواة بين الجنسين، وذلك بموجب المادة 11.
كما أوجبت إعداد خطة للتسيير البيئي والاجتماعي بالنسبة للمشاريع التي يمكن أن تحدث آثارا بيئية أو اجتماعية مهمة، وفق المادة: 11 والتعريف الوارد في الفقرة: 49 من المادة 1.
وفي الاتجاه نفسه، ألزمت المادة: 31 السلطات المتعاقدة الكبرى بإعداد ونشر خطط للمشتريات العمومية المستدامة، تتضمن أهدافا محددة في المجالات البيئية والاجتماعية والاقتصادية، بما يجعل الإنفاق العمومي وسيلة لدعم السياسات الوطنية للتنمية المستدامة.
ثالثا: إعادة تنظيم منظومة الحكامة والرقابة:
حافظت المدونة على مبدأ الفصل بين وظائف الإبرام والرقابة والتنظيم باعتباره أحد مرتكزات الحكامة الجيدة في مجال الطلبية العمومية، وذلك وفق المادة: 12، غير أنها أعادت هيكلة المؤسسات المكلفة بهذا المجال.
فقد نصت المواد: 13 إلى 15 على إحداث وتنظيم لجان إبرام الصفقات العمومية داخل السلطات المتعاقدة، لتتولى دراسة إجراءات الإبرام ومتابعة المساطر المتعلقة بها.
كما أحدثت المادة: 16 وما يليها اللجنة الوطنية لرقابة الطلبية العمومية، وحددت المواد: 17 إلى 19 اختصاصاتها المتعلقة بالرقابة القبلية والبعدية ومتابعة تنفيذ العقود.
أما سلطة تنظيم الطلبية العمومية فقد خصصت لها المواد: 20 و21 إطارا مؤسساتيا جديدا باعتبارها سلطة عمومية مستقلة تضم مجلس التنظيم، ولجنة تسوية المنازعات، واللجنة التأديبية، والمديرية العامة، والمرصد الوطني للطلبية العمومية.
وتتولى هذه السلطة مهام التنظيم والمتابعة والتحقيق وفرض العقوبات وفق المواد: 22 و23، مع إمكانية الطعن في قراراتها أمام الغرفة الإدارية بالمحكمة العليا طبقاً للمادة: 24.
رابعا: رقمنة إجراءات الطلبية العمومية:
شكلت الرقمنة أحد المحاور الأساسية في المدونة الجديدة، حيث خصص المشرع بابا كاملا لتنظيم الإجراءات الإلكترونية واستعمال الوسائط الرقمية في مختلف مراحل الطلبية العمومية.
وقد نظمت المواد: 74 إلى 79 قواعد اعتماد المنصات الإلكترونية وتبادل البيانات وحفظ الوثائق ومعالجة الإجراءات والدفع إلكترونيا، بهدف تقليص الآجال، وتعزيز الشفافية، وتسهيل مشاركة المتنافسين، والحد من المخاطر المرتبطة بالتدبير الورقي.
خامسا: الصفقات المحجوزة ودعم المؤسسات الوطنية:
أقرت المدونة نظام الصفقات المحجوزة لفائدة بعض الفئات الاقتصادية والاجتماعية، حيث عرفت المادة: 1 في فقرتها 37 هذا النظام، ونظمت المادة: 54 شروط تطبيقه.
ويشمل ذلك المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، ومؤسسات الاقتصاد الاجتماعي والتضامني، والمؤسسات التي تساهم في تشغيل النساء والشباب والأشخاص ذوي الإعاقة.
كما ألزمت المادة: 35 السلطات المتعاقدة بتخصيص حصة لفائدة المؤسسات الصغيرة والمتوسطة ضمن خطط المشتريات السنوية، ومنحت المادة: 62 هامشا تفضيليا للمتعهدين الذين يلتزمون بالتعاقد من الباطن مع مؤسسات صغيرة أو ناشئة محلية.
سادسا: تعزيز النزاهة ومكافحة الفساد وتضارب المصالح:
عززت المدونة الجديدة قواعد النزاهة والشفافية في مختلف مراحل الطلبية العمومية، حيث كرست المواد: 86 و87 مبادئ مكافحة الممارسات غير الأخلاقية وتضارب المصالح.
كما حظرت تقسيم الطلبيات بهدف التحايل على قواعد المنافسة أو تجاوز العتبات القانونية، واعتبرت ذلك مخالفة جسيمة وفق التعريف الوارد في الفقرة: 24 من المادة: 1 والمقتضيات المنصوص عليها في المادة: 36.
ونظمت المواد: 88 إلى 94 إجراءات التعامل مع حالات الفساد والتواطؤ والإكراه، ومنحت سلطة تنظيم الطلبية العمومية صلاحيات اتخاذ التدابير اللازمة وإحالة المخالفات إلى الجهات المختصة.
كما أقرت المادة: 95 بطلان العقود التي يتم الحصول عليها بواسطة ممارسات احتيالية أو غير مشروعة.
سابعا: تطوير قواعد تنفيذ العقود والإشراف على الأشغال:
اهتمت المدونة بمرحلة تنفيذ العقود من خلال وضع ضمانات جديدة للأطراف المتعاقدة، حيث نظمت المادة: 69 مراجعة الأسعار بالنسبة للعقود التي تتجاوز مدتها اثني عشر شهرا، وحددت المادة: 70 قواعد غرامات التأخير.
كما أقرت المادة: 71 حق المتعاقد في فوائد التأخير عند تأخر الجهة العمومية في السداد، ونظمت المادة: 72 أحكام العقود الملحقة، بينما حددت المادة: 73 شروط وإجراءات فسخ العقود.
وفي مجال الأشغال العمومية، خصصت المدونة بابا مستقلا للإشراف على المشاريع وتحديد مسؤوليات رب العمل، وذلك في المواد: 96 إلى 100، كما نظمت تفويض الإشراف إلى رب عمل منتدب عمومي أو خصوصي من خلال اتفاقيات محددة الشروط في المواد: 101 إلى 111.
تكشف مدونة الطلبية العمومية الجديدة عن تحول عميق في فلسفة تنظيم الشراء العمومي في موريتانيا، إذ لم تعد العقود العمومية مجرد وسيلة إدارية لإنجاز الأشغال أو اقتناء الخدمات، بل أصبحت أداة لتحقيق الحكامة الاقتصادية والاجتماعية والبيئية.
غير أن نجاح هذا الإصلاح سيظل مرتبطاً بمدى فعالية تنزيل أحكام المدونة، واستكمال المراسيم التطبيقية المنصوص عليها في المادة: 114، وتعزيز قدرات الفاعلين في مجال الطلبية العمومية، وتسريع التحول الرقمي، وضمان استقلالية أجهزة الرقابة والتنظيم، بما يسمح بتحويل المبادئ القانونية إلى ممارسة عملية تساهم في حماية المال العام وتحسين جودة الخدمات العمومية.
المصادر:
1. القانون رقم: 2026 - 026 الصادر بتاريخ: 10 يونيو 2026 المتضمن مدونة الطلبية العمومية، الجريدة الرسمية للجمهورية الإسلامية الموريتانية، العدد: 1609، الصادر بتاريخ: 15 يوليو 2026، الصفحات 355 - 370.
2. القانون رقم: 2021 - 024 الصادر بتاريخ: 29 ديسمبر 2021 المتعلق بالصفقات العمومية، الجريدة الرسمية للجمهورية الإسلامية الموريتانية (القانون الملغى بموجب المادة: 113 من مدونة الطلبية العمومية الجديدة).
3. الأمم المتحدة، أهداف التنمية المستدامة 2030، ولا سيما الهدف 12 المتعلق بأنماط الاستهلاك والإنتاج المسؤولين.