تخطى الى المحتوى

المؤتمر الصحفي للرئيس.. بين ترسيخ التواصل واختبار الوفاء بالوعود

عثمان جدو

جدول المحتويات

من جميل القول في عالم السياسة والتدبير إن أهمية المؤتمرات الصحفية التي يجريها القادة والرؤساء لا تُقاس بعدد الأسئلة المطروحة، ولا بطول الإجابات المقدمة، وإنما بما تعكسه من استعداد القيادة للانفتاح على الرأي العام وتحمل مسؤولية المساءلة، ومن هذا المنطلق، اكتسب المؤتمر الصحفي الأخير للرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني أهمية خاصة، باعتباره محطة سياسية وإعلامية فتحت الباب أمام نقاش مباشر حول أبرز القضايا الوطنية؛

 

فهذا المؤتمر الصحفي الذي عقده الرئيس مساء الجمعة 24 يوليو 2026 يُعد أول مؤتمر صحفي مباشر بهذا الحجم منذ توليه الرئاسة، وقد خُصص للإجابة على أسئلة الصحفيين بشأن أبرز القضايا الوطنية، وسط حضور واسع للإعلام المحلي والدولي.

 

ولقد حمل المؤتمر في طياته رسالة واضحة مفادها أن التواصل المباشر مع المواطنين ووسائل الإعلام ينبغي أن يكون جزءًا من الممارسة الديمقراطية، لا استثناءً عابرًا.

 

فالرئيس تناول ملفات الحوار الوطني، والاقتصاد، والتعليم، والصحة، ومحاربة الفساد، والعلاقات الخارجية، مقدماً رؤية الحكومة تجاه هذه القضايا، ومجيبًا على الأسئلة التي ظلت تشغل الرأي العام.

 

ومن أبرز الملامح التي ميزت هذا المؤتمر:

-       الحوار الوطني: أكد الرئيس تمسكه بالحوار باعتباره خيارًا لحل الخلافات وتعزيز التوافق الوطني، وتعلمون أنه في نفس اليوم تسلم الرئيس من منسق الحوار وثيقة الحوار الوطني التي تتضمن خلاصات المشاورات ومخرجات المرحلة التحضيرية إيذانا ببدء مرحلة جديدة من مسار الحوار الوطني تعتبر هي الدخول الفعلي في حيثياته.

-       الاقتصاد والغلاء: تناول السياسات الحكومية لمواجهة ارتفاع الأسعار وتحسين الظروف المعيشية، مع التركيز على البرامج الاجتماعية، فمنذ مقدم الرئيس إلى السلطة بدأ في تنشيط الإسهامات الاجتماعية؛ إن على مستوى تآزر وتدخلاتها التي كان آخرها عهدا بالمواطن برنامج عون، أو عن طريق مفوضية الأمن الغذائي؛ كل ذلك بضبوط بسياج أمني رقمي متمثل في السجل الاجتماعي الذي هو سر تنظيم وضبط المستفيدين الذين ما فتئوا يظهرون على شاشات التلفاز يعبرون عن غبطتهم وسعادتهم بما وصل أيديهم من مساعدات، يعتبرها بعض نقادها بسيطة، وهم يجدون فيها المتنفس والمعين.

 

-       الحوكمة ومحاربة الفساد: تحدث عن استمرار الإصلاحات الإدارية وتعزيز الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة، وبين أن من نتائج محاربة الفساد مضاعفة أعداد المشاريع الممولة من طرف الدولة تمويلا ذاتيا، وطلب ممن لهم أدلة على وجود أي قضية فساد أن يقدمها للهيئات المستحدثة لمحاربة الفساد أو التي كانت موجودة أصلا لمحاربته، وذكَّر أن القانون يحمي المبلغين، وأوضح أنه فيما يتعلق بالمصلحة العامة لا توجد له قرابة مع أحد، فالقانون هو الفيصل في كل ذلك.

 

-       التعليم والصحة والخدمات: استعرض فخامة الرئيس ما اعتبره منجزات في هذه القطاعات، وأكد مواصلة الاستثمار فيها، ومهما قيل عن هذه المجالات الاجتماعية الكبيرة أو الخدمية الموازية فإن مضاعفة الجهود فيها ستظل أولوية، وإعادة النظر في رسم مسار تحقيق الأهداف وبلوغ الغايات الوطنية الكبرى يظل مطروحا، فبدون تحيين المنظومة التربوية والصحية ورفع سقف الاستثمار فيهما ستظل النتائج دون الحد المؤمل مهما بذل من جهود، وبدون إشباع الحاجة من الماء والكهرباء وتخفيف أعبائهما على المواطن سيظل ساخطا.

 

-       الأمن والعلاقات الخارجية: شدد فخامة الرئيس على استقرار موريتانيا ودورها في محيط الساحل، وعلى مواصلة سياسة الانفتاح والتعاون مع الشركاء الدوليين، فموريتانيا كما يعرف الجميع هي الاستثناء الأمني الآمن بفضل الله في منطقة الساحل الساخنة والملتهبة؛ كل ذلك بفضل الله أولا وبفعل الهدوء الذي تحلى به فخامة الرئيس، وواجه به كل الأزمات والاستفزازات التي تشعل كل واحدة منها حروبا لا تبقي ولا تذر بين أي دولتين متجاورتين.

 

 

وبحسب تقارير إعلامية، فإنه قد شارك نحو 120 صحفيا في المؤتمر، مع تنظيم يتيح لكل صحفي طرح عدد محدد من الأسئلة، في محاولة لإتاحة الفرصة لأكبر عدد ممكن من المؤسسات الإعلامية، وبذلك منح المؤتمر فرصة لإظهار قدر أكبر من الانفتاح على الصحافة، وهو تطور إيجابي تجب المحافظة عليه وجعله نهجا دائما يقوم على التواصل المنتظم مع وسائل الإعلام، بما يعزز حق المواطنين في الحصول على المعلومة ويقوي الثقة بين الحاكم والمحكوم.

 

ختاما، يمكن القول إن المؤتمر الصحفي للرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني نجح في ترسيخ صورة رئيس مستعد تماما للحوار والإجابة على مختلف الأسئلة، وبدد بذلك كلام القائلين بأنه يتجنب اللقاءات المباشرة مخافة الإحراج، لكنه في الوقت نفسه رفع سقف التوقعات الشعبية. ومن هنا يبدأ الاختبار الحقيقي للجهاز التنفيذي؛ فالتاريخ السياسي لا يحتفظ بخطب القادة بقدر ما يحتفظ بما تحقق على أرض الواقع، وستظل قيمة هذا المؤتمر مرتبطة بقدرة الحكومة على تحويل وعود الرئيس إلى إنجازات، وكلماته إلى سياسات؛ فتصاريح الرؤساء مراسيم، كما ينتظر أن تجسد الحكومة كل التطلعات التي تولدت بفعل هذا المؤتمر إلى واقع معيش يلمسه المواطن في معيشته اليومية.

الأحدث