تخطى الى المحتوى

الفتوى وتشريع القرارات الإدارية

محمد محمود محمد سيدي - المدير الناشر لرصد 24

جدول المحتويات

أولا: تنويه

كل الاحترام والتقدير لعلماء الأمة، وللعلماء الشناقطة الحفاظ، ولقيادة وأعضاء هيئة الفتوى والمظالم الموقرة، ولكل عالم سخر علمه وورعه لنصرة الحق بتجرد وحياد.

 

ثانيا: اتحاد الرماية والزج بالهيئة في قراره الإداري

بالأمس، طالعتنا كمهتمين بالرماية التقليدية فتوى شرعية صادرة عن الهيئة المعنية بالفتوى في هذا البلد أعطت رأيا مختصرا استند لقول معتبر لمجتهد من أعيان مذهبنا المالكي في مسألة تتعلق بمشروعية ممارسة متجذرة في ميدان سباق الرمي لم تعتبر هذه الفتوى المختصرة بقدر التدوينة أقوالا وآراء مسندة مخالفة يرى أصحابها استنادها لأدلة أقوى من الرأي الوارد حيث كان من الأولى إيرادها ومناقشتها وردها حين تهيأت لهم رجاحة الرأي المانع للممارسة محل الاستفتاء.

 

فالاستفتاء ليس فرديا يكفي لتقدير الموقف الشرعي فيه إخراج خلاصة حكميّة، بل هو نابع من حقل انتسبت له في الشهرين الماضين نحو 120 فريقا من نخب هذا البلد بمختلف مشاربه واختصاصاته واهتماماته.

 

والاستفتاء ليس وليد اللحظة، بل قديم قدم الممارسة، يحفظ جل المهتمين بالحقل أقوالا ونقولا وفتاوى مسندة تقرر رأيا مخالفا كان ينبغي على الهيئة بسطه ودحضه احتراما للمنهج العلمي وللمتلقي.

 

والاستفتاء يستبطن إحالة مسؤولية اتخاذ قرار إداري بسيط بتوقيف الممارسة محل الاستفتاء حيث كان بإمكان القيمين على الرماية اتخاذه دون الحاجة لاستصدار حكم شرعي قد يرى المعنيون به حرجا في اعتباره مانعا للممارسة المذكورة لقوة الرأي المخالف.

 

فإحالة مسؤولية قرار المنع هذا لمخالفة شرعية وممارسة المنكر علنا واستصدار تشريع يبرر تغييره فيه تعسف لا وجاهة له البتة في ظل وجود رأي بالإباحة المشروطة (المحلل) في كل مذاهب المسلمين.

 

ثالثا: الممارسة المستهدفة بين المشروعية وملاحقة المكتب الوصي

لم يكن خافيًا على المتابعين لمسيرة الرماية التقليدية أن المكتب الجديد حرص منذ مجيئه على إيقاف أحد أكثر أصنافها حيوية، وهو الصنف الذي ظل، على امتداد ما يزيد على ثلاثة عقود، يمثل إحدى أهم مدارس الرماية التقليدية في البلاد، والمعروف باسمه التراثي الأصيل: "التنزنيز" أو "النزنازة".

 

وقد درج الرماة منذ القدم على تنظيم هذا النوع من المنافسات في بيئة تهيئ للراغبين في التدرب وصقل المهارة كل ما يحتاجون إليه، في جو يجمع بين روح التنافس والألفة.

 

فمن جهة، يوفر المنظمون الذخيرة وقوارير الأهداف، ومن جهة أخرى يقدمون الشاي والمشوي الساخن للمشاركين، حتى غلبت على هذا النشاط تسمية «النزنازة» نسبة إلى ما كان يصاحبه من إعداد الشواء الشهي.

 

وكان الرماة المشاركون في تلك السباقات يتفقون على دفع مبالغ متساوية للمشاركة في المسابقة، تحت إدارة منظمة ومحكمة؛ فيقتطع المنظم أجرة معلومة نظير تنظيمه واستضافته، تكون عبارة عن سهم متسابق واحد من مجموع المشاركين، ثم يحفظ بقية المبلغ لتسليمه لصاحب المركز الأول، سواء كان فائزًا واحدًا أو أكثر، فيوزعه بينهم بالتساوي.

 

وظل العمل جاريًا على هذا النحو حتى سنة 2012، حين بادر عدد من الرماة إلى استجلاء الحكم الشرعي لهذا النوع من المسابقات؛ فاستفتوا العلماء، واستنطقوا الكتب والدراسات والبحوث الشرعية المتخصصة، حيث نوقشت يومئذ جميع أقوال فقهاء الأمة، وحُددت أهم المراجع التي تناولت أحكام السباق والرمي وما يتعلق بالنصل والخف والحافر، مع تحرير محل النزاع، وبيان مجال الاستثناء، والكشف عن علله وأسبابه.

 

وفي هذا السياق، أحال الشيخ المرحوم حمدا ولد التاه حين استفتي إلى كتاب «القوانين الفقهية» لابن جزي المالكي، الذي نقل فيه رأي سعيد بن المسيب بجواز هذا النوع من المسابقات بشرط إدخال المحلل.

 

كما أخرجتُ أنا من مكتبتي الخاصة نسخة قديمة من كتاب «الفروسية» لابن القيم، وقد أطال فيه النفس في نقل أقوال طائفة من أئمة الأمة القائلين بالإباحة ومن بين تلك الأقوال ما نقله عن شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية الذي يرى جواز الطرح في سباق الرمي حتى من دون إدخال المحلل.

 

وأحلتُ كذلك إلى ما أورده موفق الدين ابن قدامة المقدسي في كتابه «المغني على الشرح الكبير»، حيث بسط القول في هذه المسألة في مجلده الثاني عشر، ناقلا مذاهب العلماء وأدلتهم في المسالة ومبينا كون طرح المتسابقين في الرمي مباح على رأي الجمهور ومن وافقهم. موضحا حجج المخالفين ومناقشتها.

 

كما عرضتُ عددًا من البحوث الأكاديمية التي أُعدت كأطروحاتٍ جامعية حول أحكام المسابقات، وانتهى معظمها إلى القول بجواز دفع العوض في سباق الرمي عند إدخال المحلل، سواء أكان واحدًا أم أكثر.

 

ومضى العمل بعد ذلك على احترام جميع الرماة لمبدإ التحليل باعتباره رأيا شرعيا معتبرا لدى أغلب المذاهب الفقهية المعتبرة لهذه الأمة وحاسما للخلاف في هذا النوع من الممارسات وفق ما انتهت إليه تلك المناقشات والبحث والاستفتاء.

 

إضافة إلى اعتبار الرماية وسيلة مشروعة للترفيه المباح، وصقل المهارة، وزيادة الخبرة، وإعداد القوة التي ندب إليها الشرع الحنيف، لما ورد من فضل الرمي والحث عليه.

 

رابعا: مشروعية سباقات الرمي

فقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي»، مبينًا بذلك مكانة الرمي في إعداد القوة التي أمر الله بها في قوله تعالى: ﴿وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة﴾.

 

كما تتجلى مكانة الانتضال في الشرائع السابقة، إذ قال إخوة يوسف لأبيهم: ﴿يا أبانا إنا ذهبنا نستبق﴾، وقد فسر الزجاج الاستباق هنا بأنه الانتضال، أي المسابقة في الرمي، وهو تفسير يحتج به في بيان شرف هذه الرياضة ومشروعيتها ومكانتها، إذ لم يرد في السياق ما يدل على إنكار النبي يعقوب عليه السلام لهذا الفعل.

 

وروى الإمام الشافعي، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله ﷺ قال: «لا سبق إلا في نصل أو خف أو حافر»، وهو أصلٌ من أصول باب المسابقات عند جمهور الفقهاء، وقد بنوا عليه كثيرًا من مباحثهم المتعلقة بالرمي والسبق والعوض وأحكام المنافسات، مبينين جواز بذل العوض في الرمي إذا روعيت فيه الضوابط الشرعية المعتبرة.

 

خامسا: جواز جوائز سباقات الرمي وضوابط مشروعيتها

فقد روى الإمام أحمد عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله ﷺ سابق بين الخيل، وأعطى السابق، وهو دليل على مشروعية الجائزة في المسابقات المشروعة كلها ومن أهمها الرمي.

 

والجائزة في هذه المسابقات لها صور متعددة؛

 

فقد تكون من الإمام أو ولي الأمر، ويجوز أخذها حينئذ بإجماع أهل العلم، مستندين في ذلك إلى الأحاديث الواردة في الباب.

 

وقد تكون من متبرعٍ أجنبي عن المتسابقين، وهو جائز بإجماع الفقهاء، والأئمة .

 

وقد تكون من أحد المتسابقين ومذهب الجمهور الحنفية والشافعية والحنابلة، ووجه عند المالكية جوازها.

 

أما إذا كان العوض من جميع المتسابقين، فقد اشترط جمهور الفقهاء لجوازه إدخال محلل، وهو متسابق لا يدفع شيئًا من العوض، فإن سبق استحق الجائزة، وإن سبقه غيره أخذها، وبذلك تنتفي صورة القمار؛ لأن المحلل لا يكون غانمًا ولا غارمًا. ومستندهم في هذا الاشتراط أن القمار هو ما دار فيه المتعاقدان بين الغنم والغرم، فجعلوا وجود المحلل فارقًا بين المسابقة المشروعة والميسر المحرم.

 

وخالف شيخ الإسلام ابن تيمية هذا الاشتراط، فرأى أن إدخال المحلل ليس شرطًا لصحة المسابقة؛ لعدم ثبوت دليل صحيح يوجبه. ونقل تلميذه ابن القيم هذا القول، وأطال في تقريره والانتصار له في كتاب «الفروسية»، مبينًا أن حديث المحلل لا يثبت، وأن اشتراطه لم يُحفظ عن الصحابة رضي الله عنهم مع كثرة تناضلهم ورهانهم، فقال رحمه الله: "القول بالمحلل مذهب تلقاه الناس عن سعيد بن المسيب، وأما الصحابة فلا يحفظ عن أحد منهم قط أنه اشترط المحلل ولا راهن به، مع كثرة تناضلهم ورهانهم، بل المحفوظ عنهم خلافه".

 

سادسا: خاتمة:

ومع قوة هذا الاتجاه من جهة الدليل، فإن مذهب الجمهور الرامي لإدخال المحلل كشرط للجواز يبقى ذا وجاهة فقهية، لما فيه من الاحتياط والبعد عن مواطن الشبهة، وهو ما جرى عليه عمل الرماة في هذه البلاد منذ ما يزيد على عشر سنوات، فلم يُعرف عن منظمي هذا الصنف من الرماية "اتنزنيز" العدول عنه، بل ظل معمولًا به في المسابقات الفردية والثنائية والثلاثية والرباعية وهي أضراب سائدة ومعلومة لدى الجميع .

 

ولم يقف بحث رماتنا الأفاضل في مجال الحكم الشرعي لـ"التنزنيز" في مذاهب المسلمين واجتهادات الفقهاء عند بيان أحكام العوض وصوره، بل امتد إلى النظر في أنواع الأسلحة التي تصح المسابقة بها، فتوصلوا إلى أن العبرة بتحقيق معنى إعداد القوة، لا بمجرد نوع السلاح.

 

وأن الفقهاء ألحقوا بالسهام كل ما كان في معناها مما تتحقق به المصلحة والمقصد، بل أبرزوا توسع الشافعية في ذلك، فقد أجاز الشافعية المسابقة بعوض على المزاريق والرماح، والرمي بالأحجار باليد أو بالمقلاع، والرمي بالمنجنيق، بل وكل ما كان نافعًا في الحرب، وهو ما يفتح باب القياس على الأسلحة المعاصرة؛ لأنها تقوم مقام النصل في تحقيق المقصود الشرعي من إعداد القوة والتدرب عليها.

الأحدث