جدول المحتويات
كيف يمكن أن تنفق أموال عامة على مشروع يفترض أن يضع حدا لمعاناة السكان ثم تبقى النتيجة أقل بكثير من الحد الأدنى المطلوب؟ وكيف يظل سكان مدينة ولاتة التاريخية يعانون العطش رغم أن المشروع دشن رسميا يوم 08 دجمبر 2023 من طرف رئيس الجمهورية؟ وأي معنى يبقى لتدشين مشروع للماء إذا كان التزويد، من يوم التدشين إلى اليوم، ضعيفا ومتقطعا، ولا يصل في أغلب الحالات إلى جميع أحياء المدينة؟ أما ما كان منتظرا من المشروع لسقاية الإنسان والحيوان والزراعة، فتحول إلى سقاية متقطعة بالكاد يحصل عليها السكان.
تبدأ هذه القصة يوم 29 أبريل 2021، حين أُعلن فتح المناقصة الدولية لربط ولاتة ببحيرة أظهر، بعد سنوات من إقصائها من المشروع الذي شمل وقتها جل مقاطعات الحوض الشرقي. ثم أسندت الصفقة إلى شركة (بيس ۔ ت ب) يوم 28 سبتمبر 2021، على أن ينجز المشروع خلال مدة لا تتجاوز 12 شهرا، كما جرى تمويل المشروع قبل ذلك عبر قرض من البنك الإسلامي للتنمية قدره 1,565,458,720 أوقية قديمة.
بعد ذلك، ووفق ما أُبلغنا به، تم استلام المشروع بصفة مؤقتة يوم 09 فبراير 2024 من طرف الشركة الوطنية للماء ووحدة تنسيق مشروع بحيرة أظهر، بعد تسلمه من الشركة الوطنية المقاولة (بيس ۔ ت ب)، رغم أنه كان يعاني آنذاك من اختلالات واضحة لا يمكن تجاهلها، ورغم الأصوات التي كانت تطالب في ذلك الوقت بتصحيحها. ومع ذلك، بقيت المدينة إلى اليوم تعاني من الانقطاع وضعف التزويد، دون أن تصل الخدمة إلى المستوى الذي كان ينتظره السكان.
والأخطر من ذلك أن السلطات، في ظل هذه الاختلالات والأزمة، فتحت منذ فترة طويلة نقاط مياه على طول خط الأنابيب في مناطق لم تكن مدرجة ضمن التصميم الأصلي، وهو ما شجع على التقري العشوائي وزاد الضغط على الشبكة وعمق الأزمة بدل أن يخففها. وليس أهل ولاتة ضد أن تشرب قرى المقاطعة وينعم الجميع بحقهم في الماء، لكن ذلك ينبغي أن يكون على أساس دراسة تقنية مبرمجة أصلا، لا أن يتم على حساب تزويد المدينة بما يكفي حاجتها من الماء للإنسان والتنمية الحيوانية والزراعية. كما نرجو أن تتم برمجة ربط جميع القرى بالمشروع وفق مخططات فنية تحفظ الحقوق وتضمن الاستدامة.
واليوم، وبعد كل ما قيل عن الدراسة الفنية والتنفيذ والمراقبة، ما تزال المدينة تعاني العطش في ذروة صيف 2026، بعد سنوات من المطالبة واللقاءات والوقفات والكتابات وخطابات المنتخبين وتدخلات الأطر والوجهاء. وفي ظل هذا الواقع، لا تبدو الإصلاحات الخفيفة والترقيعية التي تعلن عنها وزارة المياه مع كل أزمة، وتأجيل معالجة الاختلالات الكبيرة إلى مرحلة لاحقة بحجة أن ذلك يتطلب توقيف التزويد لفترة طويلة، سوى اعتراف ضمني بأن الخلل جوهري لا عارض. فكيف يمكن الحديث عن التنمية والإنجازات، أو تبرير إنفاق مليارات على نسخ مهرجان مدائن التراث ، بينما تظل أزمة العطش تعلو في المدينة طيلة هذه السنوات، دون الحديث عن معاناة العزلة والتهميش التي يعيشها السكان في صمت وصبر وتوكل؟
من هنا يظل السؤال الأهم: كيف يمكن السكوت عن اختلالات واضحة في مشروع يتعلق بالماء، وهو حق أساسي لا يحتمل العبث؟ إن مدينة ولاتة لا تطالب اليوم بأكثر من حقها في سقاية منتظمة وكافية، لكنها تستحق أيضا تعاطيا مسؤولا مع مطالبها ومعاناتها.
لذلك، لم يعد تدخل رئيس الجمهورية مطلبا عابرا، بل ضرورة لفتح تحقيق جدي في هذا المشروع وتصحيح الاختلالات الجوهرية ومحاسبة كل من ثبت تورطه في التقصير أو الفساد. فالحلول الترقيعية لن تعالج أصل الأزمة، والواقع نفسه يؤكد أن الخلل عميق وجذري وأن المشكلة ستعود ما دام أصلها قائما.