جدول المحتويات
في ظل الأمل الذي يبعثه تقنين عرض المنتوجات التأمينية الإسلامية (التكافلية) في بلادنا، والديناميكية التي يبعثها انتظار الجميع؛ يتطلع المؤمن لهم إلى بدائل تتوافق مع قيمهم، ومبادئهم الدينية، أو على الأقل لا تتعارض معها. ومع أمل العاملين في هذا القطاع جميعا، وتطلعهم إلى إنجاح أول تجربة لعرض المنتوجات التأمينية التكافلية على المؤمن لهم، مع وجود إطار قانوني ناظم؛ يجدر الحديث عن العاقلة كنظام إسلامي رائع لتنظيم تسديد الديات والأروش (التعويض عن الأضرار الجسمانية - وفاة وجروح) إلى مستحقيها، في كل حالات القتل الخطأ، التي من بينها، وفي المقام الأول، في عصرنا الحديث، القتل الخطأ الناجم عن استخدام السيارة في الحياة اليومية.
لقد شرع الله للمسلمين نظاما بديعا، حفظا للأنفس، ومنعا لإهدار (طل) أيّ دم مسلم، في بلاد المسلمين. ومن المعلوم أنه (لَا يُطَلُّ دَمٌ فِي بِلاَدِ الْمُسْلِمينَ) أي لا يترك من غير أداء ديته، لذويه، أي ورثته المستحقين.
فأين نحن من هذا الواجب، والقيام به جماعيا؟ إنه لعمري فرض جماعي، ومهمة عامة من أعظم شؤون المسلمين، يتعين علينا جميعا، حكاما ومحكومين، العمل وبجد، بكل ما أوتينا من قوة، بغية تأديتها، والقيام بها على أكمل وجه.
واليوم، ونحن على مشارف إصدار قانون التأمين الجديد، الذي سيحمل مدونة التأمين في بلادنا، ويخصص كتابا كاملا للتأمين التكافلي؛ يجدر بنا التنويه إلى ضرورة جعل التعويض عن الأضرار الجسمانية في بلادنا، الناجم عن حوادث المرور، مطابقا لنظام العاقلة. ونحن في الجمهورية الإسلامية الموريتانية، التي يُعرف جميعُ مواطنيها، ولله الحمد، بالحرص على قيمهم الإسلامية، والتشبث بتعاليم الشريعة الإسلامية الغراء.
لذلك، وخشية الإطالة، سنعرض في هذا المقال إلى تعريف وجيز بنظام العاقلة في الإسلام، ثم الحاجة الماسة إلى تطبيقه، عبر التأمين التعاوني التكافلي في بلادنا، لنختم ببعض المقترحات العملية لتسهيل مشاركة الجميع في إنجاح تطبيق نظام العاقلة في بلادنا.
1. نظام العاقلة في الإسلام، تعريفه، أسه ومبادئه.
(أ) – تعريف موجز بنظام العاقلة في الإسلام وأهم المبادئ التي يقوم عليها
العاقلة في الإسلام هي طريقة تنظيم رائع لتأدية الديات والأروش، أي التعويض المالي، عن القتل والجروح، بين المسلمين، في المجتمعات الإسلامية. والمنطلق الأساس لهذا النظام البديع، الحكيم، هو قوله تعالى: {وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا}.
وسميت العاقلة "عاقلة" من عادة العرب قديما في "عقل الإبل" أمام خيمة المقتول، أوفي مراح إبله، أو في فناء بيته، إشعارا بأن الحق في التعويض عن دم المقتول، قد تمت تأديته. وقد كان هذا النظام معروفا حتى قبل الإسلام، وجاءت الشريعة الإسلامية بتكريسه، حرصا على كل فضيلة، ومفيد، ونافع، ومتمم لمكارم الأخلاق، وحفظا للسلم الاجتماعي، والسلام بين الأفراد والمجتمعات.
والأصل في مقدارها مائة من الإبل. مع أن أمير المؤمنين، عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قد اجتهد لما غلت الإبل، أي ارتفعت أسعارها، في تحديد مقادير أخرى للدية، من الغنم والشاء (2000 شاة)، والبقر (200 بقرة)، والذهب (1000 دينار)، والفضة (الورق) 1200 درهم، وحتى الحلل الثياب (200 حلة).
وتقع الدية على عاتق "العصبة" وهم أبناء عمومة الرجل، أي أقاربه من جهة أبيه. ويتمثل ذلك في كل بالغ، عاقل، قادر، من "قبيلة" الجاني. مع أن أمير المؤمنين، عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قد اجتهد لما ضعفت رابطة القبيلة، فاعتبر كل أهل "ديوان" عصبة على حدة. وقد أداها رسول الله صلى الله عليه وسلم، مرة، من بيت المال. لذا، تؤدى الدية من بيت مال المسلمين، إن عجزت "العصبة" عن تأديتها.
وتُنَجَّمُ، أي تجمع "تنجيما" أي على دفعات، وأقساط، على مدى ثلاث (03) سنوات هجرية. وإن كان لي من ملاحظة خاطفة هنا، كأخصائي تأمين، وكباحث في التأمين الإسلامي، هو لفت نظر الجميع إلى أن هذا المبدأ، هو نفس المبدأ المعتمد في تعويضات حوادث "المسؤوليات" في التأمين الحديث، حيث يعرف أهل الاختصاص، أن تعويضات حوادث تأمين المسؤولية عموما، تأخذ وقتا طويلا، لأنها تتعلق في الغالب بمبالغ مهمة، وتتطلب الكثير من التحري، والتدقيق، والبحث في ملابسات وقوع الحوادث المرتبطة بها.
هذا مجمل ما يمكن بسطه هنا عن نظام العاقلة في الإسلام.
ومن المعلوم، أنه، لا يقتل أحد أحدا، ولا يتسبب في جرحه، أثناء استخدام سيارته، في الغالب، وأقول في الغالب، إلا عن طريق الخطأ. بل نجد أكثر من ذلك، ففي التأمين على السيارات حديثا، لا يبت إطلاقا في التعويض عن أي حادث سير تشتم فيه رائحة القتل العمد! فلا بد من أن يكون "القتل أو الجرح" في حوادث المرور، غير متعمد إطلاقا؛ حتى يكون "حق الدعوى المباشرة" أي طلب التعويض ممكنا للمتضررين، من الشركة المؤمنة للسيارة المسؤولة عن الحادث، المستخدمة من طرف مالكها، أو سائقها. ويتفق تأمين السيارات هنا في اعتبار التعويض عن القتل الخطأ، مع نظام العاقلة الإسلامي، في وجوب دفع الدية إلى أهل المقتول خطأ. وذلك ما يوصلنا إلى الحديث عن ضرورة اعتماد نظام العاقلة في الإسلام، كبديل عن التعويض المادي الزهيد، المعتمد حاليا في تأمين السيارات لدينا.
(ب) – اعتماد العاقلة كبديل عن التعويض عن الوفيات والأضرار الجسمانية في تأمين السيارات.
ينص المرسوم رقم: 15/2011 م بتاريخ 02 يونيو 2011م، الذي يلغي ويحل محل المرسوم رقم 23/2002م بتاريخ 15 إبريل 2002م، المتضمن تطبيق بعض مقتضيات القانون رقم 040-93 الصادر بتاريخ 10 يوليو 1993م؛ على أن مبلغ التعويض عن الوفاة، الذي يحاول البعض في بعض الأحيان جهلا أو مغالطة، اعتباره "دية شرعية" عن القتل الخطأ في حوادث المرور، يبلغ (250.000) مائتين وخمسين ألف أوقية جديدة، وقد يصل إلى (300.000) ثلاثمائة ألف أوقية جديدة. في حين لا تحدد هذه النصوص القانونية سقفا للتعويضات في حالات الاستطباب، والعلاج من الجروح، والإصابات التي قد تكون تكاليف علاجها، أكثر بكثير من مبلغ التعويض الزهيد عن الوفاة في التأمين على المسؤولية المدنية لمالكي السيارات. وهذا تقصير من النصوص القانونية المنظمة للتأمين عندنا في الوقت الحالي، ويجب تفاديه مستقبلا.
ومن المعلوم فنّيا، أن المسؤولين عن التعويضات في مؤسسات التأمين في بلادنا، ومحامو هذه المؤسسات، وأطباء المعاينة المعتمدين لديها، يعتبرون كل نقطة من نقاط العجز الكلي (100 نقطة)، أي (3.000) ثلاثة آلاف أوقية جديدة، عن كل نقطة عجز، كأساس في احتساب النسب المأوية للعجز الكلي الدائم أو المؤقت؛ بحيث لا تتجاوز تعويضات الإصابات الجسمانية، سقف عوض الوفاة، المحدد، في أقصاه، عند (300.000) ثلاثمائة ألف أوقية جديدة! ولا يخفى ما في ذلك من حيف، حيث، كما أسلفنا، قد تتطلب فترة العلاج وحدها، بفحوصها، وأدويتها، وعملياتها؛ قبل النقاهة، والشفاء التام، المشترط في التعويض عن الإصابات الجسمانية، أكثر بكثير من المبلغ المحدد للتعويض عن الوفاة!
وقد أجريت بحثا عن مقدار التعويض عن الوفاة الناجمة عن حوادث السيارات، في المملكة العربية السعودية كمثال، وهو المقدار الذي يعتبرونه "دية شرعية" طبقا لفتوى شرعية لديهم، واعتمادا من طرف العلماء، لمنتوج تأميني تعاوني، تسوقه شركات التأمين "التعاوني" عندهم. فوجدته (300.000) ثلاثمائة ألف ريال سعودي، وهو ما يعادل (3.194.991) ثلاثة ملايين، ومائة وأربعة وتسعون ألفا، وتسعمائة وواحد وتسعون أوقية جديدة، تقريبا. ومما أعجبني لديهم في المملكة العربية السعودية، إجراء يعتمدونه بغية اعتبار هذا التعويض دية شرعية، وهو أن مؤسسة التأمين تصدر للمؤمن له، بعد إنهاء جميع التحريات، والتحقيقات، والتدقيق، والتثبت؛ وثيقة تسمى "التكفل بالغرم".
هذا بالإضافة إلى تحديد جدول للأروش، أي الجروح، يوضح مبلغا محددا عن كل نوع من الإصابات الجسمانية، في الشروط العامة والخاصة، للتأمين على السيارات.
2. الحاجة الماسة إلى تطبيق نظام العاقلة في بلادنا
تكمن الحاجة إلى اعتماد نظام العاقلة في الشريعة الإسلامية في بلادنا في موافقة الدستور أولا، الذي يعتبر الشريعة الإسلامية مصدرا للقوانين والتشريعات في بلادنا، ثم في حرص وتطلع جميع ملاك السيارات في بلادنا، إلى الاطمئنان بأن المبالغ التي تدفعها شركات التأمين في حالات القتل الخطأ، والأروش، مطابقة تماما لما يفرضه الشرع. ويريدون أن يتأكدوا من أن الدية قد دفعت عوضا عنهم، بشكل شرعي، وبتزكية من هيئة رقابة شرعية قائمة في كل شركة تأمين، مكونة من ثلاثة علماء على الأقل. وإن كان هذا الشرط الأخير قد نص عليه في قانون التأمين الجديد - الذي هو في مرحلة العرض على البرلمان - إلا أن كل ما يتعلق بالدية، والأروش، والصيغ التي ستعتمد في دفعها إلى المستحقين، كل ذلك وغيره من الجوانب، لا يزال، بعد أن يتم التصويت على مدونة التأمين الجديدة، ينتظر سن النصوص القانونية الأخرى من تطبيقية، وتنظيمية، وإجرائية؛ والتي على المشرع الموريتاني أن يستلهم فيها من تجارب التأمين الإسلامي، في السعودية، وماليزيا، وباكستان؛ حتى نربح الوقت، وتستفيد بلادنا من التقدم الملحوظ، والخطوات الكبيرة التي قطعها المشرعون في هذه البلدان في هذا المجال.
وتكمن الحاجة إلى اعتماد نظام العاقلة في الشريعة الإسلامية في بلادنا كذلك في حق المحرومين من الورثة من ديات ذويهم الذين، وللأسف الشديد، تحصد أرواحهم يوميا، في حوادث سير، ولا تدفع إليهم الديات الشرعية (100 ناقة، أو قيمتها السوقية) تعويضا عن دماء من يتوفون في تلك الحوادث. وهي ديات يحرم في ديننا الحنيف "طلها" أي تركها دون دفع لمستحقيها. فهذه خسارة كبيرة للوطن ككل، ولكثير من الأسر الضعيفة، وظلم لمستحقي هذه الديات، التي هي "تركة" ثابتة للورثة شرعا، تقسم كما تقسم التركة الشرعية، ويستحقونها كاملة، من هذا المنظور.
وإذا علمنا أنه من الثابت إحصائيا في موريتانيا، أن المصابين في حوادث السير، هم في الغالب من الضعفاء، والفقراء، والبسطاء من المجتمع، من ساكني الأحياء الشعبية في المدن الكبرى، فإن ذلك يجعل من اعتماد نظام العاقلة في الشريعة الإسلامية في بلادنا، مسألة ملحة أكثر من أي أمر آخر. حتى لا يحرم ورثة المتوفين من حقهم في الديات، وحتى لا يأثم الجميع، والعياذ بالله، في عدم تطبيق شرع الله، على الأقل، في مجال تُتاح لهم فيه فرصة التطبيق.
ولك أن تتصور، عزيزي القارئ، كم هي كبيرة معاناة أرملة وصِبْية يعيشون في حي شعبي، أو في "كزرة" أو في "أدباي" أو في قرية نائية؛ يكون أبوهم وعائلهم الوحيد، سائق سيارة أجرة، أو حمالا، أو عاملا يدويا في مجال البناء، أو ميكانيكيا، أو صيادا تقليديا، أو بحارا، أو ناقلا متجولا، أو تكون أمهم ومعيلتهم الوحيدة، بائعة سمك، أو بائعة خضار، أو بائعة "كسكس" ؛ أو يكون المعيل بائع "النعناع"، أو منظف سيارات، أو مُصلح عجلات "ميشلان" ؛ فستبقى أرملته، وأولاده، بدون معيل، ولا سند، ولا عون؛ ولم يرتكب ذلك المواطن البسيط من جرم، سوى أنه ركب باصا، أو سيارة أجرة، أو حتى لم يزد على أن قطع طريقا، فتسبب مالك سيارة أو سائقها في قتله، وحصد روحه ببشاعة كبيرة في أغلب الأحيان، جراء التهور في القيادة، أو السرعة المفرطة، أو النوم أثناء القيادة! فهلاّ يستحق هذا المواطن في أن ترعى ذمته في أرملته، وأبنائه، وبناته، الذين قد يكون أغلبهم لا يزالون قاصرين، لم يبلغوا الحلم بعد. فلزوال السماوات والأرض، أبسط عند الله من سفك دم امرئ مسلم! وبما أن السيارة من صميم ضرورات حياتنا اليومية، وبما أن هذه الحوادث، بواقعها الذي وصفنا، تحدث في بلادنا، وللأسف الشديد، بمعل يتراوح ما بين 300 إلى 400 وفاة سنوية، جراء حوادث السير؛ فإن ترك كل هؤلاء الضحايا الكثر، بلا سند، ولا مواساة، ولا عون، لا يقبله شرع، ولا قانون، ولا عقل، ولا ضمير إنساني...
فعلى الجميع الإحساس بهذا الوضع، وإدراك عمق المعاناة، وهول الكارثة الجماعية التي تترتب على عدم التطبيق الصارم، لنظام العاقلة.
3. بعض المقترحات العملية لإنجاح تطبيق نظام العاقلة.
لا أحد يزايد على تدين الآخر في بلادنا، ولله الحمد. فحِرْصُ الجميع على التقيد بتعاليم شريعتنا الغراء معلوم، لكن الوقت قد طال، والتقصير في هذا المجال واضح، فمن الجلي إذا، أن الوقت قد حان لتطبيق نظام العاقلة في موريتانيا.
وسأكتفي في هذا المقام بذكر بعض المقترحات العملية لإنجاح اعتماد تنظيم العاقلة في بلادنا:
- بِنَاءً على اجتهاد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، في تحويل العاقلة من "القبيلة" إلى "الديوان"؛ يمكننا اعتبار جميع المواطنين الموريتانيين، أي كل من يحمل رقما وطنيا، وبطاقة هوية موريتانية، "عاقلة" لأخيه وأخته، في المواطنة. ثم فتح باب الانتساب الطوعي إلى لائحة "العاقلة الوطنية" التي تشرف الهيئة العليا للعاقلة في موريتانيا، على تحيينها على رأس كل سنة هجرية، مع الأمل ألا يقل عدد المنتسبين عن ثلاثة ملايين مواطن، كل سنة. ولا شك أن الهيئة ستعتمد في الانتساب إلى هذه اللائحة، على الاعتبارات الشرعية من إسلام، وبلوغ، وعقل، وقدرة مادية. مع تبسيط المعيار الأخير، وهو القدرة المادية؛ بحيث تكون المساهمة المطلوبة بسيطة للغاية، لا تتجاوز خمس (5) أو عشر أواق (10) جديدة شهريا، يسهل على كل مواطن دفعها أوتوماتيكيا من حسابه على إحدى التطبيقات المالية المصرفية المعروفة في بلادنا، في حساب خاص، تابع للهيئة الوطنية العليا للعاقلة.
- تأسيس هيئة عليا للعاقلة في بلادنا، تُمنحُ جميع الوسائل المادية والبشرية الضرورية للقيام بمهامها، تضم، إلى جانب علماء متبحرين في الشريعة الإسلامية، بمعدل عالم عن كل ولاية من ولايات الوطن؛ أخصائيين في التأمين الإسلامي (ولو أجانب مؤقتا، إن اقتصت الضرورة). وتستعين هذه الهيئة بخبرات محامين متخصصين في التأمين، ومهندسين في ميكانيكا السيارات، وأخصائيين في الحوادث من شرطة المرور، والدرك الوطني؛ واقتصاديين متخصصين في المالية الإسلامية، وأطباء. ويختار أعضاء هذه الهيئة على أساس الكفاءة، والاستقامة، والنزاهة.
- تحديد سقف الدية على أساس الاجتهادات العُمَرِيَةِ، والفقه المالكي في هذا المجال؛ وتحديد مبالغ قائمة الأروش، أي تعويضات الأضرار الجسمانية، على شكل جداول وقوائم واضحة، وذلك على رأس كل سنة هجرية من طرف الهيئة الوطنية العليا للعاقلة، حسب ما تراه متناسبا مع القدرة الاقتصادية للأفراد والمؤسسات في بلادنا. مع جرد، وفرز، وتنقيح كل لوائح الوفيات السنوية التي تحدث على جميع الطرق في موريتانيا، والتي تردها من شرطة المرور، والدرك الوطني، ومؤسسات التأمين التكافلي؛ للإعلان عن العدد المحدد المعتمد رسميا من هذه الوفيات، للشروع في تسديد الديات المترتبة على تلك الحوادث، منجّمة على ثلاث سنين، أو على سنتين، أو سنة واحدة، أو دفعة واحدة؛ حسب ظروف الأسرة المتضررة، ووضع الأرملة، وعدد الأبناء القاصرين، والمستوى المادي للأسرة، وذلك كل سنة. على أن يتم التنسيق التام في ذلك مع شركات التأمين التكافلي، أو التي تملك نافذة تكافلية، والتي توزع منتوجات التأمين في فرع السيارات.
- تشارك الدولة في نظام العاقلة، بنسبة اقتطاع ضئيل (من 0.5 إلى 1% في المائة) سنويا من عائدات جميع أنشطة استغلال الثروات الطبيعية: من سمك، وغاز، وبترول، ومعادن (ذهب، حديد، فضة، فوسفات، نحاس، تربة نادرة، وأورانيوم)؛ سواء أكان ذلك الاستغلال من طرف مؤسسات تابعة للدولة الموريتانية، أومن القطاع الخاص الوطني، والدولي.
- تتحمل شركات التأمين التكافلي التي توزع تأمينات في فرع السيارات، نسبة مأوية من الدية المحددة شرعا من قبل الهيئة الوطنية العليا للعاقلة، تُحسب على أساس حصة هذه الشركة من سوق التأمين، في فرع تأمين السيارات التكافلي. فمثلا إذا كانت حصتها من هذه السوق (3%)، فإن عليها تحمل (3%) فقط، من كل دية ناجمة عن مسؤولية سيارة مؤمنة لديها. وعلى افتراض أنه في السنة (س) سقف الدية الشرعية، حسب الهيئة هو: (5.000.000) خمسة ملايين أوقية جديدة مثلا، فإن حصة هذه الشركة من كل دية مترتبة عن مسؤولية سيارة مؤمنة لديها، لن تتجاوز 150.000 ألف أوقية جديدة، وهو أقل من سقف التعويض الحالي!
ويوجد خيار فنّي آخر، يمكننا اقتراحه كذلك، وهو الذي يُبقي على سقف التعويض عن الوفيات والأضرار الجسمانية في حوادث السيارات على قدره؛ تبعا للسقف المقرر من طرف الدولة، والمحدَّد من طرف إدارة الرقابة على التأمين في البنك المركزي، كحصة كل شركة تثبت مسؤولية سيارة مؤمنة لديها، من الدية الشرعية الواجبة لمستحقيها، طبقا لنظام العاقلة الجديد. وبشكل أكثر وضوحا، فإن هذا الخيار، حتى مع اعتماد، وإرساء قواعد نظام العاقلة، بالشكل الذي نقترحه في هذا المقال؛ سيُبقى التعويضاتِ المطلوبةَ من شركات التأمين في بلادنا، عن الوفيات والأضرار الجسمانية، كما هي الآن وعلى حدٍّ أقصى، (300.000) أوقية جديدة! ريثما تقرر الدولة زيادته، أو الإبقاء عليه؛ ولا يحول ذلك دون اعتماد نظام العاقلة الفعال، كما اقترحناه.
ومن الواضح أن هذا المقترح الذي عرضناه، يضمن مشاركة جميع المواطنين في إرساء دعائم نظام العاقلة الإسلامي في بلادنا، ولا يربك عمل شركات التأمين، بل يساعدها؛ مع استفادة قصوى من التقنيات الرقمية الحديثة؛ وضمان وصول الحق إلى ذويه، بعد حرمان طويل للورثة الشرعيين من ديات موتاهم، وهم في أغلب الأحيان في أمس الحاجة إليها.
والله ولي التوفيق.