جدول المحتويات
خروجا على مألوف عادة المدونين الموريتانيين الذين لا يكتبون عن الموظفين الدوليين الموريتانيين غالبا، إلا إذا تعلق الأمر بقطاعات معينة مثل: المال، والسياسة، والإدارة. ويهملون كثيرا الموظفين الدوليين الموريتانيين في قطاعات الثقافة، والتعليم، والتربية، والعلوم، والبحث الأكاديمي. وما إلى ذلك من مجالات المعرفة والفكر غير الجذابة للاهتمامات اليومية.. فهي قطاعات مهملة تقريبا، لتأخرها في اهتمام أغلب هؤلاء المدونين.
ولذا فإنني - من باب الاهتمام بما يعنيني - سأهتم في هذا المقال بهؤلاء الأبناء الذين يرفعون من شأن البلد كلما برز أحدهم في أداء مهامه، حمية مني للثقافة والفكر والعلم والتربية.
تجربة باقية
قبل سبع سنوات كنت عضوا في اللجنة الدائمة للثقافة العربية ممثلا لموريتانيا، وهي اللجنة التي تعد أعمال وزراء الثقافة العرب، ومشاريع عملهم، والسياسات الثقافية العربية الشاملة في كل الميادين.. بالتنسيق مع منظمة الأليكسو صاحبة الاختصاص في هذا المجال، ضمن الأجهزة التنفيذية للجامعة العربية.

وكنت طوال عملي فيها عضو لجنة صياغتها وذلك على مدى 14 سنة، مما أتاح لي فرصة العمل الميداني عن قرب مع خبراء المنظمة ومكتب اللجنة الدائمة، خاصة أثناء رئاسة الأخ الفاضل الخلوق ذي الكفاءة العلمية العالية الدكتور عبد العزيز السبيل، الرئيس الحالي لجائزة الملك فيصل بن عبد العزيز.
زرت المنظمة زيارات عمل واطلاع على أحوالها في هذه المدة المعتبرة عشرات المرات، ابتداء من انضمامي إلى هذه اللجنة سنة 2006، وعملت مع ممثلي الدول العربية على محاولة تقديم وثائق ومشاريع عمل لمجلس وزراء الثقافة بالتعاون مع هيئات الجامعة العربية الأخرى، إضافة إلى المشاركة في الندوات والمؤتمرات، والملتقيات التي تنظمها الألكسو: مساهمة، واقتراحات، ومراجعات، وإجازة نصوص، ومشاريع عمل، وبرامج..
هذه التجربة جعلتني أرتبط نفسيا - إلى الآن - بالعمل الثقافي العربي المرحلي والاستراتيجي ارتباط تعود وألفة واستئناس وأمل، مما جعلني من المداومين على الاهتمام بها والاطلاع على أحوالها باستمرار إلى الآن، وفاء لفترة ومرحلة من الزخم الذي كنا أنا وزملائي نحمله في نفوسنا وبين جوانحنا، إيمانا بوحدة الثقافة العربية وقدرتها على جسر الهوى بين مكونات الحضارة العربية ورأب صدوعها: تاريخا، وحاضرا، ومستقبلا، لكون الثقافة من أهم روافد هوية الأمة، زيادة على احترامها العالمي، وأدائها في التآزر البيني لدولنا، وصدها الدائم لكثير من موجات الهيمنة الثقافية العالمية والاستلاب المركزي الطاميين..
كذلك، وفي الأثناء، واكبتُ فترات مد وجزر بالنسبة للألكسو في هذه الفترة، فلاحظت بقلق ما واجهته من منعطفات خطيرة نتيجة تداخل العوامل السياسية الظرفية مع الأهداف الثقافية السامية في أذهان البعض من قصار النظر، مما أدى إلى مواقف انعزالية أحيانا تجاه هيئات العمل العربي المشترك.
كما استهدفت المنظمة من أطراف ثالثة معادية حضاريا، باعتبار هذه المنظمة قلعة من قلاع الترابط المكين بين أطراف العالم العربي، مما جعلها قذى في عيون هؤلاء الدعاة لصدام الحضارات، مثلا، وغيرهم من منتسبي مدارس التفكيك لأي لحمة عربية حتى ولو كانت الثقافة البعيدة عن السياسات التنفيذية..
وصل الأمر في بعض المنعرجات الحادة إلى درجة الإيعاز بعدم ضرورة المنظمة أصلا؛ بل واقتراح حلها لأنها عبء إنفاق لا طائل من ورائه.
وكان من مظاهر إجهاض عمل المنظمة تجفيف الموارد المالية عبر تناقص التبرعات، وعدم وفاء بعض الدول بالتزاماتها المالية لها، إما انشغالا بما هو "أهم"، وإما إهمالا، وإما قصدا.
لذا كان قلقي في السنوات الأخيرة كبيرا على مصير الإلكسو لكثرة الصعوبات التي تواجهها ماديا ومعنويا، مما انعكس على أدائها، إلى درجة عجزها عن تسديد رواتب عمالها كاملة في بعض المحطات الصعبة بل الحرجة.
ولم يكن الوضع العربي المضطرب جدا بمعزل عن هذا العجز المؤسف، حتى عن الوفاء برواتب العمال أحيانا.
زيارة ميدانية لربوع الآلكسو:
لهذه العوامل التي ذكرت مجتمعة، فإنني بحكم الانتماء للفضاء الثقافي العربي المشترك انتماء حياة والتزام، كنت معنيا جدا بزيارة المنظمة في هذه الفترة العصيبة تاريخيا على أمتنا، والتحقق عن قرب من واقعها التنظيمي، والإداري، والمالي، والأدائي. ولأنني الآن في تونس انتهزت فرصة وجودي للقيام بزيارة استطلاع واطمئنان للمنظمة، خاصة أنها تدار الآن من إطار بارز ينتمي إلى البلد الذي أنتمي إليه: موريتانيا.
ولا أحد بطبيعة الحال إلا ويشفق على أبناء وطنه من الفشل في أداء المهام الجسيمة ذات المنحى الجمعي العام والمشترك خارجيا، وتقر عينه بنجاحهم.
لذا قررت أن أقوم بهذه الزيارة رغم أنني كنت في زيارة استشفائية لتونس، أبشركم، قرائي، أنها تكللت ولله الحمد بالنجاح والشفاء المبارك. فماذا وجدت؟
حصيلة تستحق التثمين
مما وجدت بعد الاطلاع أثناء هذه الزيارة الإطلالة أن المنظمة خرجت من الضائقة التي عانت منها في فترات سابقة إلى بر الأمان. وسأضرب أمثلة منوعة على ذلك لا حصرا في مجال الضمان المالي، والتنظيم الإداري، وتنفيذ السياسات والمشاريع الثقافية، والتربوية، والعلمية، والتنسيق البيني في هذه المجالات، والحضور في المحافل الدولية.
من تلك الأمثلة، مما اطلعت عليه:
1. تحقيق المنظمة حاليا أكبر احتياطي مالي لها منذ إنشائها سنة 1970.
2. الرفع من نسب إنجاز المشاريع والبرامج، حيث وصل تنفيذها حدود 90%.
3. انتهاج سياسة عملية بمنح الأولوية الخاصة للدول العربية التي تمر بأزمات وحروب ونزاعات، وإنصافها في الالتزامات.
4. التركيز الكبير على البحث العلمي عبر تشجيع البحوث الرائدة، وتوأمة الجامعات، وتطبيق برنامج الزائر العلمي، وإصدار الميثاق العربي لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي، وتنظيم الأسبوع العربي للبرمجة، والاهتمام بالمبدعين والمبتكرين.
5. تنظيم الأولمبيادات العربية في الاختصاصات العلمية وفي مختلف المجلات.
6. التركيز على حفظ وتثمين وصيانة التراث المادي وغير المادي العربي من خلال تسجيل الملفات العربية المشتركة، والخاصة للدول، مواقع وأصول تاريخية ثقافية مادية وغير مادية. واستكمال كتب الفن التشكيلي في دولنا العربية.
7. الاهتمام - على وجه خاص - بالموروث الثقافي الشعبي، بحثا ونشرا ودراسة. باعتباره رافدا مكينا ومعينا لا ينضب من روافد الهوية الحضارية المشتركة للأمة.
8. تعزيز الصناعة المعجمية، بخصوص المعاجم العربية.
9. استكمال العمل على إطلاق بنك مصطلحي عربي موحد.
10. تعزيز انتشار اللغة العربية وتطوير طرق تعلمها للناطقين بها وللناطقين بغيرها.
11. لأول مرة في المنظمة وفي دولنا العربية: إطلاق النظام المرجعي للغة العربية.
بالنسبة لبلادنا موريتانيا:
حقيق بالذكر هنا – إخوتي - أن موريتانيا كانت في طليعة الدول المستفيدة من المنظمة من خلال الدعم المباشر والفني للقطاعات المعنية: التربية، والثقافة، والمؤسسات العلمية المعنية. وتم ذلك عبر تنفيذ الأنشطة بالشراكة مع قطاعات: الثقافة والتربية، والتعليم العالي، في موريتانيا.
في النهاية:
فإنني إذ أزف التهنئة على النجاح البارز لإطار كفء من بلادنا، بشارة لأبناء الوطن الغيورين على سمعة البلد، مضيف نجاحه إلى نجاح أولئك الذين نجحوا من أطرنا في الوظائف الدولية الدبلوماسية والمالية، والإدارية والبحثية العلمية وغيرها.. وذلك بداعي استحقاق المتميزين من أطرنا في الحقل العلمي والثقافي، لتميزهم في الوظائف الدولية كإخوتهم، وفاء لحقهم في الذكر وتثمين التجربة المشرفة. فمثلما يذكر إخوتهم في المجالات الأخرى ذات القيم المادية أو الاعتبارية الأكثر اهتماما من المدونين والإعلاميين، يجب أن يذكر هؤلاء الأفذاذ الذين يرفعون راية تميز البلد في قيم أسمى وأنبل، هي العلم والثقافة والتربية.
تنبيه في محله:
بالمناسبة، فكما أن هيئات الجامعة العربية دأبت تنظيميا وإجرائيا على التمديد للمديرين المتميزين لهيئاتها للمرة الثالثة فما فوق، فمن واجبها الآن أن تمدد لهذا الإطار المتميز الذي رفع عاليا أداء منظمتنا الحيوية، وقاد بنجاح حضورها العربي والعالمي، بما يستحق عليه السيد الدكتور محمد ولد أعمر التهنئة والتكريم وتجديد الثقة في المهمة بإعادة تكليفه من جديد تكميلا لعطائه المطلوب، وهو الذي وفق في تأهيل منظمتنا لتبوؤ المكانة اللائقة بها بعد ما واجهته من صعوبات مشهودة. وذلك سعيا إلى جعل الألكسو منظمة ثقافية تربوية وعلمية دولية منافسة ومكافئة لأخواتها عالميا، بشواهد الحال.
{وما شهدنا إلا بما علمنا..}، وفي الحكمة العربية قال الشاعر:
ومن الحزامة لو تكون حزامة *** أن لا تؤخر من به تتقدم