جدول المحتويات
الأخبار (نواكشوط) - كشف تقرير نتائج تحقيق التعددية لسنة 2025 الصادر اليوم الثلاثاء عن السلطة العليا للصحافة والسمعيات البصرية "الهابا" عن وجود تفاوت في مستوى احترام مبدأ التعددية داخل المشهد السمعي البصري، يتجلى في اختلالات بين الإعلام العمومي والإعلام الخاص، ومستوى توزيع المضامين بين مختلف الفاعلين السياسيين والاجتماعيين.
وأوضحت السلطة في دراستها للمشهد السمعي البصري في الفترة ما بين فاتح يناير حتى 31 ديسمبر 2025 أن الإعلام العمومي يتميز بغزارة الإنتاج وانتظام البث، فيما يعاني من توزيع الزمن الإعلامي، خاصة فيما يتعلق بضعف حضور المعارضة، مقابل هيمنة الحكومة والأغلبية، وهو ما يشكل إخلالا بمبدأي التوازن والإنصاف المنصوص عليهما قانونا.
وفيما يتعلق بالإعلام الخاص، سجل التقرير تنوعا نسبيا في التغطيات تواجهه "تحديات هيكلية" تتعلق بضعف القدرات الإنتاجية، وغياب النشرات الإخبارية في بعض القنوات وانقطاع البث في بعض الإذاعات فضلا عن الاعتماد المفرط على إعادة البث، مما يحد من جودة وتنوع المضامين الإعلامية.
ولاحظ التقرير أن حضور اللغات الوطنية رغم أهميته الكمية لا يعكس توازنا حقيقيا في تمثيل مختلف الفاعلين؛ إذ يلاحظ ضعف حضور المعارضة والمجالس الجهوية، مع غياب شبه تام لهذه اللغات في الإعلام الخاص، مما جعل التعددية الإعلامية في وضعها الحالي "جزئية وغير متكافئة".
مخالفة للقانون
احتلت المؤسستان الإعلاميتان الرسميتان بالبلد، التلفزيون والإذاعة صدارة الإنتاج البرامجي والإخباري، المصحوب بحضور معتبر لمختلف اللغات الوطنية "بما يعكس التزامهما بالبعد التعددي الثقافي واللغوي؛ إذ وصل الوقت الذي تم رصده في قطب الإعلام العمومي 1766 ساعة أي ما يناهز 70% من وقت الدراسة".
ورصد التقرير "اختلالا بيّنا في توزيع الوقت المخصص للبث يتمثل في ضعف حضور أحزاب المعارضة ونشطائها" ما "يشكل مخالفة صريحة لأحكام المادة الخامسة من القانون رقم: 022-2022، التي تنص على ضرورة تمكين المعارضة من وقت للبث يتناسب مع تمثيلها في البرلمان في حدود ثلث الوقت المخصص لأعضاء الحكومة والشخصيات المنتمية للأغلبية البرلمانية.
ووفق معطيات التقرير لم تتجاوز نسبة استفادة المعارضة 0.65% من إجمالي ساعات البث في الموريتانية و2.30% في الإذاعة الرسمية، في حين استحوذت الحكومة والأغلبية البرلمانية على أكثر من 70% من الوقت المخصص للبث في قناة الموريتانية و63.5% في إذاعة موريتانيا.
يضيف التقرير إلى ذلك عدم استكمال المؤسستين شروط الانتقال إلى مؤسسة خدمة عمومية، حيث لم توقعا بعد دفاتر الشروط والالتزامات، ولم توقعا عقود البرامج السنوية مع الحكومة، في مخالفة "صريحة للمقتضيات القانونية المنظمة للقطاع" رغم مرور أكثر من خمسة عشر عاما على صدور القانون المتعلق بتحرير الفضاء السمعي البصري.
وأوضح التقرير أن المادة 47 (جديدة) نصت على إلزام المؤسسات العمومية للاتصال السمعي البصري باحترام دفاتر الشروط والالتزامات الخاصة بها، باعتبارها الإطار المرجعي الذي يحدد شروط أداء مهام الخدمة العمومية، خاصة ما يتعلق بضمان التعددية، والنفاذ العادل لمختلف الفاعلين، وتوفير برامج متنوعة، وتغطية القضايا ذات الاهتمام الوطني.
فيما نصت المادة 50 (جديدة) على إبرام عقود برامج سنوية أو متعددة السنوات بين الحكومة والمؤسسات العمومية تحدد الأهداف الواجب تحقيقها والوسائل المعبأة لتنفيذها، ولا سيما ما يتعلق بالتغطية الوطنية، والتزامات البرامج والمعايير التكنولوجية، والخدمات ذات الطابع العمومي في مجالات الإخبار والتعليم والثقافة.
ورأى التقرير أن استمرار غياب هذه الآليات التعاقدية والتنظيمية، يعد اختلالا مؤسساتيا وقانونيا يحد من فعالية التنظيم والضبط، ويؤثر سلبا على مستوى احترام مبادئ التعددية والإنصاف وجودة الخدمة الإعلامية.
هامشية اللغات الوطنية
ووصل إجمالي الوقت المخصص للبث باللغات الوطنية العام الماضي 446 ساعة و6 دقائق أي ما يعادل نسبة 17.50% من مجموع ساعات البث في مختلف وسائل الإعلام السمعية البصرية المعنية.
وشدد التقرير على أنه رغم أهمية هذه النسبة من حيث الحجم الإجمالي، فإنها تكشف عن "اختلالات بنيوية واضحة، لا سيما على مستوى القنوات السمعية البصرية الخاصة، حيث يسجل غياب شبه تام للبرامج والنشرات المقدمة باللغات الوطنية، باستثناء قناتي المرابطون والساحل".
وفي ذات السياق، نبه التقرير إلى أن القانون رقم: 2010/045 عدل وكمل بموجب القانون رقم: 2024/018، ينص في مادتيه الـ8 والـ25 على ضرورة احترام التعدد الثقافي واللغوي في المجتمع الموريتاني عبر تخصيص حصص للغات الوطنية يتم تحديدها ضمن دفاتر الشروط والالتزامات.
ولاحظ التقرير أن واحدا على الأقل من دفاتر الشروط والالتزامات الخاصة بالقنوات السمعية البصرية الخاصة يستوجب المراجعة دون أن يحدد الدفتر بالضبط، بما يضمن إدراج مقتضيات صريحة تلزم ببث حصص منتظمة باللغات الوطنية البولارية والسوننكية والولفية، "نظرا لصراحة النص القانوني ووضوحه فيما يتعلق بضرورة التعدد الثقافي".
وفيما يتعلق بقطب الإعلام العمومي، نبه التقرير إلى أن قناة الموريتانية وإذاعة موريتانيا تخصص كل منهما حيزا معتبرا للغات الوطنية ضمن شبكات برامجهما، غير أن تحليل مضمون النشرات يبين أن أغلب وقتها مخصص لتغطية أنشطة الحكومة والأغلبية الداعمة لها مقابل حضور محدود للغاية لبقية الفاعلين.
وأوضح التقرير أن حصة المعارضة والمجتمع المدني مجتمعين لا تتجاوز نسبة 2% من إجمالي زمن النشرات المقدمة باللغات الوطنية، مع أن النشرات تقدم غالبا في شكل ملخصات للنشرات باللغة العربية، دون تضمين تقارير ميدانية مستقلة أو ترجمة وافية للمضامين الإخبارية الأصلية.
وبخصوص البرامج الحوارية باللغات الوطنية في المؤسستين، لفت التقرير إلى أنها توجه في الغالب نحو قضايا المجتمع المدني، حيث تتجاوز نسبة حضوره في بعض الحالات 80%، مقابل تمثيل محدود لبقية الفاعلين السياسيين والاجتماعيين.
ورأى التقرير أنه يتوجب على مؤسسات الإعلام السمعي البصري الخاصة إدراج برامج ونشرات منتظمة باللغات الوطنية ضمن شبكاتها البرامجية، امتثالا لمقتضيات القانون رقم: 2010/045، وتنفيذا لما تنص عليه دفاتر الشروط والالتزامات ذات الصلة.
تآكل إنتاج الإعلام الخاص
وشملت الدراسة 8 قنوات تلفزيونية خاصة هي: صحراء 24، المرابطون، قمم، المدينة، دافا، شنقيط، الوطنية، الساحل، و3 محطات إذاعية خاصة هي: إذاعة كوبني، التنوير، موريتانيد.
وبلغ إجمالي ساعات البث المرصودة لهذه المؤسسات 783 ساعة و34 دقيقة و20 ثانية، تصدرته صحراء 24 بنسبة 37%، تلتها قناة المرابطون بنسبة تقارب 28%، ثم قناة الساحل بنسبة 17.5%، وقناة المدينة بنسبة 10%، فيما تراوحت نسب القنوات التلفزيونية الأخرى بين 3% وأقل حتى من 1%.
وذكر التقرير أن المعطيات تظهر قدرا من التوازن في توزيع زمن البث لدى القنوات التلفزيونية الخاصة بين مختلف مكونات الطيف السياسي وفعاليات المجتمع المدني، باستثناء قناة "دافا" التي لم يتجاوز بثها 10 ساعات طيلة العام لتغطية أنشطة رئيس الجمهورية والحكومة والأغلبية الداعمة، مقابل غياب تام لكل من المعارضة والمجتمع المدني والمجالس المحلية عن محتواها البرامجي.
وكشفت النتائج عن غياب كلي للنشرات الإخبارية في كل من قنوات دافا وقمم والوطنية، وشبه غياب لها في قناة شنقيط، مع تسجيل انقطاع تام في بث إذاعتي التنوير وموريتانيد، تصحبهما انقطاعات متكررة في بث إذاعة كوبني، مع اعتمادها بشكل كامل على إعادة بث برامج قديمة من الأرشيف.
وشددت السلطة على أن المعطيات تفصح عن وجود ضعف هيكلي في القدرات الإنتاجية لمعظم مؤسسات الإعلام السمعي البصري الخاص، الأمر الذي دفع بعض القنوات التلفزيونية إلى الاعتماد شبه الكلي على إعادة بث البرامج المرئية لإذاعة موريتانيا "بما يعكس محدودية الإنتاج الذاتي وتراجع مستوى التنوع في المضامين الإعلامية المقدمة".
توصيات
وألزم التقرير إذاعة موريتانيا وقناة الموريتانية بتوقيع دفاتر الشروط وعقود البرامج المنصوص عليها في القانون رقم: 045-2010، بما يضمن وضوح المسؤوليات والتزامات الخدمة العمومية، وتفعيل المادة الخامسة من القانون رقم: 022-2022 بما يتيح للمعارضة الحصول على ثلث الوقت المخصص للبث بين الحكومة والأغلبية والمعارضة.
كما دعا التقرير إلى تعزيز التوازن في توزيع الوقت المخصص للغات الوطنية داخل وسائل الإعلام العمومية، وإعداد نشرات مفصلة بها بدل تلخيص مضامين النشرات المنتجة باللغة العربية، وإجراء تقييم مالي شامل للمؤسسات السمعية البصرية الخاصة بغية التأكد من قدرتها على الاستمرار.
وطالب التقرير بمراجعة وتحيين دفاتر الشروط والالتزامات الخاصة بالمؤسسات الإعلامية لتتواكب مع التعديلات التي طرأت بموجب القانون رقم: 2024/024 الذي يعدل ويكمل بعض أحكام القانون: 045/2010 المتعلق بالاتصال السمعي البصري.
كما ألزم التقرير القنوات الخاصة بإنتاج برامج ونشرات باللغات الوطنية، ومراجعة اتفاقيات إعادة البث بين القنوات الخاصة وإذاعة موريتانيا بما يضمن تكافؤ الفرص بين الفاعلين ويحول دون الاحتكار أو التوجيه الأحادي للمضامين الإعلامية.
ودعا التقرير إلى تعزيز حضور الهيئات المحلية والجهوية في التغطيات الإخبارية والبرامج، وتحسين تمثيل المجتمع المدني والجهات المحلية، ودعم برامج تسلط الضوء على التنمية المحلية والمجالس الجهوية.