تخطى الى المحتوى
القاضي: سيديا ولد أحمد صيد

جدول المحتويات

ليست السخرية من أصحاب الحِرَف مجرد سلوك طارئ في حياة المجتمعات، بل هي ظاهرة متجذّرة عبر التاريخ، تتبدّل صورها وتبقى حقيقتها واحدة: اختلال في ميزان القيم، حيث يُقدَّم المظهر على الجوهر، وتُفضَّل المكانة الاجتماعية المتوهَّمة على العمل المنتج، وقد جاء التصور الإسلامي ليعيد ترتيب هذا الميزان، غير أن المفارقة تظل قائمة بين ما قرره الوحي، وما استقر في الواقع الاجتماعي قديمًا وحديثًا، بل وما أعاد إنتاجه بأشكال أكثر تعقيدًا، من بينها تحويل الحِرَف نفسها إلى أنساب اجتماعية تورَّث وتُستدعى حتى بعد انقطاع ممارستها.

 

عند استقراء مسار التاريخ، يتبين أن النظرة الدونية إلى الحِرَف لم تكن حكرًا على بيئة دون أخرى، بل ظهرت في حضارات متعددة، وبرزت بشكل أوضح في العصور الوسطى وما قبلها، حيث ترسخت البُنى الطبقية، وأُقيمت الحواجز بين "النبلاء" و"العامة"، ففي كثير من المجتمعات الزراعية والإقطاعية، كان العمل اليدوي يُنظر إليه بوصفه شأنًا يليق بالطبقات الدنيا، بينما احتُكر الشرف في القيادة أو الملكية أو العلم النظري، فصار الحرفي، رغم ضرورته، عرضة لنوع من التحقير الضمني أو الصريح، ولم تكن هذه النظرة منفصلة عن تصورات فلسفية قديمة، رأت في العمل اليدوي انشغالًا "دونيا" يعيق عن التأمل أو السيادة، فاجتمع البعد الثقافي مع البعد الاجتماعي في إنتاج هذا التصور المختل.

 

وإذا انتقلنا إلى البيئة العربية في الحقبة الجاهلية، وجدنا أن المعيار الغالب في التقدير الاجتماعي كان يقوم على النسب والقوة والزعامة القبلية، وهو ما أفرز بدوره نوعًا من التمييز بين الأعمال، فلم تكن كل الحِرَف محل ازدراء، لكن بعض المهن المرتبطة بالخدمة أو الجهد البدني كانت تُقابل بنظرة أقل شأنًا، خاصة إذا اقترنت بضعف الانتماء القبلي، وقد انعكس هذا في بعض الأشعار والأمثال التي تُعلي من شأن الفروسية والكرم، وتُغفل قيمة العمل الحرفي، أو تجعله في مرتبة أدنى، فكان "الشرف" يُستمد من الأصل لا من الفعل.

 

ثم يأتي التصحيح القرآني في قصة نوح عليه السلام، حيث تتجلى السخرية في أوضح صورها: ﴿وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ﴾. إن مشهد نبي يصنع بيده سفينة، ويُقابل بالاستهزاء، يكشف عن عقلية ترى في العمل اليدوي مدعاة للسخرية إذا لم ينسجم مع تصوراتها، لكن القرآن يقلب هذا المنطق، ليُظهر أن الحرفة كانت سبب النجاة، وأن السخرية كانت عنوان الجهل بالمآلات، وأن القيمة الحقيقية ليست في نظرة المجتمع، بل في موافقة الحق.

 

وفي الفترة النبوية، تجسّد هذا التصحيح في الواقع العملي؛ فلم يعد العمل اليدوي موضع انتقاص، بل صار عنوان كرامة، فقد تقرر أن خير الكسب ما كان من عمل اليد، وأن الأنبياء أنفسهم مارسوا الحِرَف، فداوود عليه السلام كان يصنع الدروع، وزكريا نجارًا، وموسى راعيًا، في دلالة واضحة على أن الحرفة لا تُنقص من قدر صاحبها، بل قد تكون طريقًا إلى الاكتمال الإنساني، كما تجلّى التقدير العملي للعمل في مواقف نبوية تُثني على أثر الكدّ في اليد، وتربط بين الجهد والكرامة.

 

غير أن هذا البناء القيمي لم يمنع، في مسارات تاريخية لاحقة، من عودة بعض الممارسات التي تُعيد إنتاج التمييز، ولكن بصيغ مختلفة، من أخطرها تحويل الحِرَف من مجرّد أعمال إلى "هويات موروثة"، ففي بعض المجتمعات، لم تعد الحرفة مجرد نشاط اقتصادي، بل أصبحت تُستدعى بوصفها نسبًا اجتماعيًا، يُلحق بالأفراد وأبنائهم، حتى وإن انقطعوا عن ممارستها، فنجد ذراري أسرٍ عُرفت بحرفة معينة - كالحدادة أو النجارة أو غيرها - لا يزالون يُنسبون إليها، ويُصنَّفون اجتماعيًا على أساسها، رغم أنهم لم يزاولوها، وربما اشتغلوا بمهن أخرى أو بلغوا مراتب علمية أو وظيفية عالية.

 

وهذه الظاهرة تحمل في طياتها مفارقة مركّبة؛ إذ من جهة، تُرسّخ الحرفة كوصمة اجتماعية إذا كانت محل ازدراء، ومن جهة أخرى، تُفرغها من مضمونها العملي، فتجعلها مجرد لقب أو تصنيف جامد، وهنا لا تعود المشكلة في الحرفة ذاتها، بل في تحويلها إلى قيد اجتماعي يُلازم الإنسان لا لفعله، بل لأصلٍ تاريخي انقطع أثره، وهو ما يتعارض مع جوهر التصور الإسلامي الذي ربط قيمة الإنسان بعمله وتقواه، لا بانتماءاته الموروثة.

 

ومع الانتقال إلى العصر الحديث، ازدادت هذه الظواهر تعقيدًا، حيث تعيش المجتمعات نوعًا من الازدواجية الصارخة: فهي تُقرّ نظريًا بقيمة العمل، وتستحضر النماذج النبوية في تمجيده، لكنها عمليًا تُعيد إنتاج السخرية من بعض المهن، وتُبقي على التصنيفات الاجتماعية المرتبطة بها، بل وتُضفي عليها أحيانًا طابعًا شبه "طبقي"، ولم تعد هذه السخرية مقتصرة على المجالس الخاصة، بل امتدت إلى الفضاء الرقمي، حيث تُتداول الصور الساخرة والنكات التي تستهدف أصحاب الحِرَف، فيتحول الاستهزاء إلى ممارسة يومية تُطبع في الوعي الجمعي.

 

وتتجلى المفارقة كذلك في التوجيه الأسري والتعليمي، حيث يُدفع الشباب نحو مسارات تُوصف بالوجاهة، بينما يُنظر إلى التكوين المهني بوصفه خيارًا أدنى، وكأن الحرفة دليل عجز لا اختيار، وفي هذا السياق، قد يجد بعض المنتمين إلى أسر حِرَفية أنفسهم أمام ضغط مزدوج: ضغط التنصل من "نسب مهني" يُنظر إليه بدونية، وضغط اجتماعي يُبقي هذا النسب حاضرًا في التصنيف، مهما تغيّر الواقع.

 

إن استحضار النهج النبوي في هذا السياق لا ينبغي أن يظل في دائرة المعرفة النظرية، بل يجب أن يتحول إلى معيار نقدي يُقاس به الواقع، فالنبي ﷺ لم يُلغِ الحِرَف بوصفها أنشطة، ولم يُحوّلها إلى أنساب، بل حرّرها من التحقير، وربطها بالكرامة الإنسانية، ومن ثم، فإن استمرار التعامل معها بوصفها تصنيفات اجتماعية جامدة، أو موضوعًا للسخرية، يكشف عن فجوة عميقة بين القيم المؤصّلة والممارسات السائدة.

 

إن السخرية من أصحاب الحِرَف، وتحويل الحِرَف إلى أنساب اجتماعية تُورَّث، وجهان لخلل واحد في ميزان القيم، وقد جاء الإسلام ليقوّم هذا الميزان، فربط الكرامة بالعمل، لا بالأصل، وجعل التفاضل بالتقوى لا بالمهنة، غير أن استعادة هذا التوازن في الواقع المعاصر تقتضي مراجعة جادة للوعي الاجتماعي، وتفكيك التصنيفات الموروثة، حتى لا يبقى ما نؤمن به نظريًا منفصلًا عما نمارسه عمليًا، ويستعيد العمل مكانته بوصفه مصدر شرف لا مادة سخرية، وفعلاً إنسانيًا لا نسبًا جامدًا.

الأحدث