تخطى الى المحتوى

زيوت السمك.. آخر إرث "إيمراكن" المقاوم للضياع

جدول المحتويات

محجوبة بنت أحمد من تعاونية النجاح بقرية توليت على طريق انواكشوط انواذيبو، وهي تحدد موقع الزيوت من السمكة قرب رأسها (الأخبار)بعثة وكالة الأخبار

الأخبار (طريق انواذيبو) – "أنا لست من "إيمراكن" لكنني عشت بينهم منذ كنت صغيرة، بسبب زواج أختي من رجل منهم، وإقامتي الدائمة معها، لقد تعلمت كل الحرف التي كانت نساء إيمراكن يقمنا بها، لكن هذه الحرف اندثرت واحدة تلو الأخرى، ولم يبق لنا مما يرمز لذلك الزمن الجميل إلا الطريقة التي نجمع بها زيوت السمك، رغم أن الكثير من خصائصها بدأت في الاختفاء، بحكم تغيير الظروف، وزحف التحديات".

 

فاطمة بنت عثمان من تعاونية السلام بـ"توليت" وهي تستعرض ثمرة جهود أيام من العمل (الأخبار)هكذا تتحدث فاطمة بنت عثمان من تعاونية السلام بقرية تيلويت (حوالي 90 كلم من انواكشوط)، لوكالة الأخبار عما تصفه بآخر الحرف الموروثة عن أسياد البحر في موريتانيا "إيمراكن".

 

تستعرض بنت عثمان أثناء حديثها أسماكا مجففة بشكل تقليدي، وزيوتا أعدت وفق القواعد والأصول التي تعلمتها من آخر مسنات إيمراكن، قبل أن تزحف السفن والقوارب العصرية على مناطق إيمراكن لتطردهم من أماكن وجودهم التقليدي، ولتضايق من صمد منهم في أنواع السمك التي اعتادوا صيدها، لتؤثر هذه العوامل وغيرها على الحرف الموروثة عن هذا المجتمع ذي العادات والتقاليد العريقة.

 

صبر وجهد..

وتشرح بنت عثمان  – وهو عضو في جمعية تضم عدة نسوة يقاومن لإبقاء هذه الحرفة حية – لوكالة الأخبار الطريقة التي يتم بها جمع زيوت الأسماك، حيث تستقبل النسوة الرجال لدى عودتهم مساء من البحر، ليتم تصنيف الأسماك، واختيار ما يصلح منها لاستخراج الزيوت.

 

وفي المرحلة الموالية يتم تجميع رؤوس الأسماك، لتوضع في مرجل كبير مصحوبا بكمية من مياه البحر، وتوضع فوق النار لفترة محددة، تكون كافية لتطفو الزيوت فوق المياه، حيث تقوم المشرفة على العملية بجمعها في الأواني المعدة لذلك.

 

وتؤكد محجوبة بنت أحمد من تعاونية النجاح بتويليت أن الطريقة التي يتم بها استخراج زيوت السمك تعتبر من المهام الأساسية للنساء في مجتمع إيمراكن التقليدي، واصفة المهمة بأنها الجانب المكمل لمهمة الرجال في الصيد واستجلاب الأسماك من أعماق المياه، عبر عملية شاقة تبدأ بحمل شباك الصيد على الأكتاف، وتمر بتوطيد العلاقة بالأسماك عبر التواصل معا بلغة ابتدعها مجتمع "إيمراكن" على الشواطئ الموريتانية، ونجح من خلالها في تبادل رسائل مفهومة، وتكاليف بمهام كانت الأسماك تؤديها بنجاح.

 

وتشدد بنت أحمد على حاجة النساء العاملات في هذه المجال، والمحافظات عليه رغم العقبات والتحديات إلى دعم رسمي يعيد لهذا المجتمع قيمته، ويحفظ تراثه المهدد، مؤكدة أن أعداد العارفين به تتناقص يوما بعد يوم، "وقد نجد أنفسنا بعد أعوام قليلة – بنت أحمد – ولا أحد يعرف هذه المهنة بشكلها التقليدي المتوارث عن الأجداد".

 

مطالب ومقترحات

وتقترح بنت أحمد أن تقوم الحكومة بدعم التعاونيات العاملة في هذا المجال بتوفير آليات تعينهم على المحافظة عليها، وتمويلات تضمن لهم إقامة مشاريع تنموية تنفع المنطقة، وتحي تراثا معرضا لانقراض بوتيرة متسارعة.

 

وتدعو لإنشاء منطقة خاصة لتسويق منتجات مجتمع "إيمراكن"، معتبرة أن كل البحوث التي أجريت على إنتاجهم أثبتت صحة تجاربهم، وخصوصا في الأدوار الصحية لزيوت السمك، حيث يرتفع الطلب عليها بشكل ملفت لعلاج العديد من الأمراض على رأسها السكري، والربو، والعديد من الأمراض الصدرية.

 

وتروي بنت أحمد عن رجال القرية من الصيادين حديثهم عن المخاطر التي تواجههم أثناء صيدهم بالقوارب الصغيرة، وذلك بسبب دخول السفن العملاقة للمجال المحدد لهؤلاء، وبينها سفن أجنبية، مؤكدة أنهم يرون أن السفن لا تحترم المساحات المحددة لها، والبالغة 20 ميلا بحريا.

 

ويعلق زوجها على الموضوع قائلا: "نحن لا نريد سوى ضمان احترام المساحة التي منحت لنا سابقا. 20 ميلا بحريا للقوارب الصغيرة، إن دخول السفن علينا في هذا الحيز يجعلنا في منطقة خطر ماحق، قد يدهمنا في أي لحظة".

 

ويضيف محمد – وهو يتابع عمل زوجته – على جزء من عائدات رحلته البحرية أن على الحكومة إذا لم تزد المساحة إلى 40 ميلا بحريا أن تضمن على الأقل احترام المساحة الحالية، وذلك من أجل استمرار هذه المهنة التقليدية، مؤكدا اختفاء الصيد بشكلها التقليدي الذي كان معروفا لدى "إيمراكن" بشكل شبه نهائي.

 

بنت أحمد ترى في حديثها لوكالة الأخبار أنه يكفي لتقريب صعوبة مهمتهم أن إنتاج لتر واحد من زيت السمك يحتاج لحوالي 40 سمكة، ما يعني أن عائد رحلة الصيد سيكون محدودا. معتبرة أن تزايد التحديات، ومحدودية مردودية هذه الحرفة يعرضها للاختفاء كما اختفى غيرها من تراث إيمراكن وتقاليدهم.

 

ويعتبر مجتمع "إيمراكن" في موريتانيا، هو أكثر المجتمعات علاقة بالبحر، حيث ارتبط أفراده به ارتباطا وثيقا، ونجحوا خلال عقود من الزمن في بناء منظومة من العادات والتقاليد ضمنت لهم عائدات كبيرة من الصيد، غير أن المنظومة التي كانت تحكم علاقة هذا المجتمع بالبحر بدأت في التحلل مع دخول فاعلين عديدين لمجال الصيد مع قيام الدولة الحديثة في موريتانيا، إضافة لهجرة العديد منهم إلى المدن بحثا عن موارد أكثر مردودية، أو هربا من تحديات لا يقوى على مقاومتها، لتبدأ تقاليد وعادات هذا المجتمع في الاختفاء بشكل تدريجي.

الأحدث