جدول المحتويات
الأخبار (نواكشوط) - وصف المركز الموريتاني للدراسات والبحوث الاستراتيجية موريتانيا بأنها عرضة لصدمات الأسعار العالمية، رغم أن اقتصادها حقق نموا معتدلا (4.2%) مع تضخم منخفض نسبيا (حوالي 2.5%) في 2024، إلا أنها تواجه هشاشة في الأمن الغذائي وسلاسل الإمداد.
وأرجع المركز في "تقدير موقف" صادر عن وحدتي الدراسات الاقتصادية والاجتماعية والدراسات السياسية والجيوستراتيجية بالمركز ذلك إلى اعتماد موريتانيا بشكل كبير على الواردات الأساسية من الطاقة والغذاء والدواء، مما يجعل اقتصادها عرضة للصدمات الجيوسياسية الخارجية، إذ تواجه صدمة خارجية مركبة نتيجة الحرب الحالية في الخليج.
وأوضح المركز أن "صدمة البلاد" تتجسد في ارتفاع أسعار الطاقة، واضطراب سلاسل الإمداد، وزيادة كلفة الاستيراد، مما يجعلها عرضة لثلاثة آثار سريعة هي التضخم في الوقود والغذاء، وتراجع قيمة العملة بسبب تضخم فاتورة الواردات، وتأخير محتمل في التمويلات العربية.
وتوقع المركز أن تتأثر قطاعات بعينها من الحرب، كقطاع الطاقة، لأن المحروقات السائلة تُستورد، ويمثل الوقود ثلث الواردات؛ إذ بلغت فاتورة استيراد المحروقات والمواد والمشتقات البترولية 2025 نحو 661 مليار أوقية قديمة، في الوقت الذي تمثل فيه المحروقات ما نسبته بين 27.76% و34% من إجمالي الواردات الوطنية.
كما أن الغذاء وسلاسل الإمداد سيتأثران، بحكم استيراد موريتانيا لمواد القمح والسكر والزيوت النباتية، إذ ستطالها اضطرابات الملاحة في الخليج، مما يرفع كلفة الشحن والتأمين وتأخر وصول السلع، ويرفع التضخم في أسعار المواد الغذائية المستوردة، ويزيد من هشاشة الأمن الغذائي والحاجة إلى توسيع برامج الدعم.
ووفقا للمركز، سيُهدد الإنتاج الزراعي المحلي، خاصة الأرز في الضفة، ويقوض جهود الاكتفاء الذاتي الغذائي، لتوقع ارتفاع أسعار الأسمدة عالميا بنسبة 40% منذ بداية 2026 بسبب الحرب، معززا ذلك بتحذير البنك الدولي من أن اضطرابات النقل البحري سترفع أسعار الغذاء عالميا.
ومن القطاعات التي رأى المركز أنها معنية بالأزمة قطاع الدواء، إذ تستورد موريتانيا سنويا ما قيمته زهاء 80 مليون دولار من الأدوية من أوروبا والمغرب وآسيا والمنطقة العربية، مما يرفع كلفة الأدوية، ويؤخر الشحنات، ويزيد احتمالات النقص، ويؤثر على التوزيع أكثر من الإنتاج.
واستبعد المركز انهيار الإمدادات، إلا أن توفر المواد سيتذبذب، كما ستضطرب الأسعار بالتأكيد، فيما سيتأثر التمويل العربي، لأن أبرز الجهات العربية الممولة هي جهات خليجية (مجموعة التنسيق العربية، الصندوق السعودي، الصندوق الكويتي، وأبوظبي للتنمية)، التي قدمت تعهدات بملياري دولار في عام 2025، وتمويلات طويلة الأجل للبنية التحتية والطاقة.
ووفقا للمتوقع - يضيف المركز - لن يتوقف التمويل، لكن ستتأجل بعض المشاريع، وفقا لإعادة ترتيب الأولويات على مستوى جهات الإنفاق ومجالاته؛ حيث سيجري التركيز على الطاقة والأمن الغذائي، وبالتالي على الاستقرار الاجتماعي.
ونبه المركز إلى أن الأزمة قد تؤدي إلى بطء في تسييل الدفعات المالية المخصصة لمشاريع الربط الكهربائي بين المدن، وتأجيل البدء في مشاريع البنية التحتية الكبرى، بسبب إعادة ترتيب أولويات تلك الصناديق الممولة، ليبقى العامل الحاسم متعلقا بأداء اقتصادات الخليج، لأن الحرب ستؤدي إلى زيادة الإنفاق الداخلي، مما يقلص الفوائض القابلة للتصدير.
وأردف المركز أن التحويلات المالية ستتأثر، لكن تأثيرها محدود بسبب نسبتها المتدنية في الناتج الإجمالي الوطني، وسيكون تأثيرها اجتماعيا جزئيا، لكنه ليس حاسما على مستوى الاقتصاد الكلي.
ورأى المركز أن التأثيرات الاجتماعية والسياسية المحتملة للأزمة الاقتصادية الحالية ستتمثل في ازدياد حالة الهشاشة الاجتماعية ونسبة الفقر، وزيادة الاستقطاب الفئوي والعرقي، مع عودة الاحتجاجات والمظاهرات "العنيفة" خاصة مع ضعف تأطير الطبقة السياسية المعارضة للجماهير، وما صار يعبر عنه بموت السياسة وتراجع التجربة الديمقراطية في البلد.
وبرر المركز توقعه لـ"تراجع التجربة الديمقراطية في البلد" بالقول إن الأزمات الاقتصادية والأمنية أدت في عدد من دول جوار موريتانيا الإفريقي، إلى انتكاسة قوية للتجربة الديمقراطية، بسبب ميل المزاج الشعبي إلى الشعبوية وتبرمه بالشكل الديمقراطي الذي لم يؤد إلى إصلاح سياسي، مما يجعل التخوف من حدوث هذه التأثيرات السلبية في موريتانيا واردا.
وقال المركز إن موريتانيا تتبنى سياسات خارجية ثابتة تقوم على التحالف مع الدول الخليجية والدول الغربية، ولا يتوقع أن تشهد هذه السياسة تغيرا كبيرا "لاكتفاء موريتانيا بإدانة الهجمات الإيرانية على الدول الخليجية دون إدانة العـ.ـدوان الأمريكي الصـ.ـهيـ.ـوني على إيران".
ومع ذلك لا يستبعد المركز أن تقع تأثيرات دبلوماسية لهذه الأزمة على مواقف موريتانيا، خاصة إذا طالت الأزمة وأدت إلى تغيرات في المواقف الدولية، كالاقتراب من المواقف الجزائرية، فقد تدفع الأزمة إلى الاعتماد على الجزائر في التزود بالمحروقات، وهو ما قد يدفعها إلى التنسيق معها أكثر في قضايا الإقليم.
وذكر المركز أن هذا الاحتمال يزداد في ظل الأزمة بين كل من موريتانيا والجزائر من جهة، ومالي من جهة أخرى، لا سيما مع اقتراب مالي من المغرب وسحبها الاعتراف بالجمهورية الصحراوية.
وعن إمكانية تغيير في العلاقات الموريتانية الخليجية، لفت المركز إلى أن موريتانيا ترتبط بعلاقات قوية مع الدول الخليجية، ولا سيما رباعي: السعودية، الإمارات، قطر، الكويت، وأن الأزمة، لو أدت إلى خفض دول الخليج لمساعداتها الخارجية، فسينعكس ذلك في تغير شكل العلاقات بين موريتانيا وهذه الدول، لناحية بروز حالة أكثر توازنا.
أما عن العلاقة مع الناتو، فنبه المركز إلى أن المتغير فيها هو الخلاف بين الولايات المتحدة ودول الناتو الأوروبية، وأن تهديد ترامب بالخروج من الناتو، قد يضعف هذه المنظمة ويحد من قدرتها على توسيع علاقاتها الجيوستراتيجية.
وطرح المركز احتمالية تراجع الموقف من القضية الفلسطينية، قائلا إن موريتانيا تحافظ على موقف متقدم نسبيا من القضية الفلسطينية، وقد رفضت كل الضغوط الساعية لدفعها للتطبيع مع الكيان الصهيـ.ـوني، كما سمحت بحملات لجمع التبرعات للفلسطينيين عموما، إلا أن هناك تخوفات من تراجع الموقف تحت ضغط حلفائها في الخليج، في حال ما إذا نجح العـ.ـدوان في الانتصار على إيران.
وأوصى المركز الحكومة بالسعي الجاد إلى تنويع مصادر الاستيراد، خاصة من الجزائر ونيجيريا، تجنبا للتأثر بالملاحة عبر بحر العرب والخليج والبحر الأحمر، وتسريع مشاريع الغاز الأخرى وإعادة هيكلتها لخدمة الاقتصاد المحلي، وتعزيز المخزون الاستراتيجي، ودعم الإنتاج المحلي عبر الزراعة المروية، وتشجيع الزراعة الموسمية والواحاتية، وتسريع عمليات الاستيراد والتبادل الإقليمي مع مالي والسنغال والمغرب وغيرها.
وطالب المركز بتوجيه الدعم الاجتماعي ليكون أثره واضحا في المجتمع الهش، مع توسيع شبكات العون كـ"تآزر"، وتسريع التفاوض مع الصناديق العربية وكسب ثقتها في الدراسات والتنفيذ، وإعطاء الأولوية للمشاريع ذات الأثر السريع كالطاقة، والبدء بخطط تقليل الاعتماد الهيكلي على الاستيراد، وبناء مرونة اقتصادية ذاتية، خاصة في الغذاء.
وتوقع المركز ثلاثة سيناريوهات للحرب؛ أن تكون حربا قصيرة (استئناف محدود لشهر إلى شهرين)، يترتب عليه ارتفاع محدود في الأسعار، ويمكن فيه احتواء التضخم، مع استمرار التمويل العربي دون مشاكل كبيرة، أو حربا متوسطة (تمتد إلى ستة أشهر)، يتواصل فيها التضخم، مما يشكل ضغطا على الميزانية وتأخرا في المشاريع.
أما السيناريو الثالث، وهو "الأسوأ"، فيتمثل في حرب طويلة وتصعيد إقليمي، تشهد فيه أسعار النفط ارتفاعا حادا يصاحبه اضطراب شديد في الإمدادات، وينتج عنه تقليص التمويل الخارجي، لتكون النتيجة "صدمة اقتصادية قوية بسبب التضخم المصحوب بتباطؤ النمو" مع تأثيرات اجتماعية وسياسية ودبلوماسية أكثر سلبية.